المؤامرة على القاهرة!!

كتب عبد الناصر سلامة | الخميس , 28 سبتمبر 2017 ,5:28 ص , 5:28 ص



طوال الوقت كنت ضد نظرية المؤامرة فيما يتعلق بأى شىء، حتى لو كانت السياسة، إلا أن السنوات الأخيرة جعلتنى أؤمن بهذه النظرية إيماناً راسخاً، ليس فيما يتعلق بالسياسة فقط، وإنما فى كل مجالات الحياة، قد تكون هناك مؤامرة على دولة ما، ومن الدول الشقيقة والصديقة، وقد تكون هناك مؤامرة على قيادة ما، ومن شركاء العمل، وقد تكون هناك مؤامرة على الاقتصاد، من خلال مافيا مستفيدة، مؤامرة على نظام التعليم، من خلال عملاء، مؤامرة على منظومة الصحة، من خلال انتهازيين، مؤامرة على حركة السير فى الشارع، من خلال منتفعين، مؤامرة على السلع والأسعار، من خلال محتكرين، ذلك أن هذا هو حال المجتمعات التى تعانى انعدام الشفافية بصفة عامة.

الجديد هو ما نعيشه هذه الأيام، أراها كارثة، لم أكن أتخيل أن تصل الأوضاع أو المؤامرة إلى هذا الحد المتمثل فى الإهمال الحاصل للعاصمة، أو بمعنى أدق القاهرة الكبرى، إهمال منظومة الصحة، منظومة الطرق، منظومة المرور، منظومة القمامة، منظومة التعليم، منظومة النظافة عموماً، منظومة الخدمات، منظومة المواصلات، همس فى أذنى أحد المستشعرين للمؤامرة بالسبب الحقيقى وراء ذلك من وجهة نظره على الأقل، قالها صراحة: «إن كل ما يجرى فى إطار التمهيد لتفريغ القاهرة لحساب العاصمة الإدارية الجديدة، وسوف تشهد القاهرة إهمالاً أكبر فى المستقبل فى هذا الإطار، حتى يرحل الناس إلى العاصمة الجديدة!!

لم أُعر ما ذكر الرجل اهتماماً، إلى أن تابعت شكاوى الناس فى كل مكان تقريباً، من الجيزة، إلى القليوبية، مروراً بكل أحياء القاهرة، تأكدت أن هناك شيئاً ما خطأ، أو على الأقل أيقنت أن أصحاب نظرية المؤامرة قد يكون معهم حق، أخيراً قرأت على فيسبوك، ما يشبه الاستغاثة، للدكتورة إيمان الديب، الأستاذة بكلية الحقوق، جاء نصاً فى الجزء الأول منها التالى: «عملية اغتيال حى المعادى الراقى حاليا، خلانى أفهم وأستوعب إزاى أحياء زى الحلمية والعباسية وغيرها، كانت يوما ما سكناً متميزاً وراقياً، وتحولت لمناطق شعبية.. تشعر كأنك فى الموجة الثانية لانهيار أوائل الخمسينيات».

أعتقد أن تعبير الدكتورة إيمان الديب جاء مهذبا، لا أكثر ولا أقل، جاء بما يتناسب مع لغة أستاذة جامعية لا تريد أن تفجر أزمة، هى فقط أرادت دق جرس الإنذار، حى المعادى يتم اغتياله، حى المعادى سوف يصبح حياً شعبياً، حى المعادى يضيع فى صمت، لم تحاول أن تضيف رؤيتها أو حتى تطرح أسئلة: لماذا، ولصالح من، وكيف يمكن القبول بذلك، وأين المسؤولون، وإلى متى يمكن السكوت على ذلك؟ إلى آخر ما يمكن أن نعتبره استنكاراً لما يجرى فى وضح النهار.

المتابع لأوضاع القاهرة، أو للأحياء المتميزة فيها بصفة خاصة، سوف يكتشف أن حى المعادى ليس وحده الذى يعانى هذه الآفة أو هذه المؤامرة، ذلك أن سكان حى الزمالك، على سبيل المثال، أصبحوا أمام القضاء الإدارى، سكان مصر الجديدة يعيشون حالة صارخة، الضحية فيها هو الخطوط الثلاثة لذلك المترو العتيق، والتى أصبحت مأوى للقمامة والحشرات والكلاب الضالة، ولا أحد يجيب عن مصير المترو الذى اختفى فجأة، والشىء بالشىء يذكر، فقد أحصيتُ نحو 15 كلباً ضالاً فى محيط قسم شرطة النزهة، بشارع عبدالعزيز فهمى، الشارع الأكثر فخامة هناك، أو على الأقل هكذا يجب أن يكون، وهكذا يمكن القياس على بقية الأحياء.

سواء أصبحت هناك عاصمة إدارية أم لا، وسواء أصبحت هناك عاصمة مغايرة للقاهرة أم لا، نحن أمام المدينة الأكثر شهرة فى الشرق الأوسط على الأقل، المدينة الأكثر كثافة فى العالم، قاهرة المعز، وقاهرة البارون، وقاهرة الخديو عباس، وقاهرة الأزهر، وقاهرة القلعة، وقاهرة الأهرامات، وقاهرة أبوالهول، وقاهرة الجامعات الحكومية، وقاهرة سور مجرى العيون، وقاهرة الحسين والسيدة وكل آل البيت، وقاهرة العمارة الإسلامية والغربية والشرقية، قاهرة التاريخ، كما الجغرافيا، كما الثقافة، قاهرة النيل، كما الحضارة، كما الماضى والحاضر والمستقبل.

لن يكون مقبولاً أبداً الصمت على ما يجرى أو يُحاك للقاهرة، سواء كان ذلك مصادفةً أو بفعل فاعل، الأمر لم يعد مستساغاً، فقد كان الأَوْلى والأجدر الاهتمام بالقاهرة قبل اللجوء إلى أى مشروعات أخرى مشابهة لم تحصل على حقها من الدراسة، لن يغفر التاريخ ذلك أبداً، حينما نتحدث عن نحو 20 مليون نسمة يعيشون فى القاهرة فنحن نتحدث عن 20?‏ من سكان مصر، فى الوقت الذى من المفترض فيه لأى مدينة جديدة فى المستقبل ألا تضم بحُكم العقل والمنطق أكثر من مليون نسمة، سوف تظل القاهرة هى المزار، سواء تعلق الأمر بالداخل أو الخارج، سوف تظل هى عنوان مصر بحُكم ما حباها الله به من مميزات، ولنا فى مدينة السادات الأسوة، فقط نحن نطالب بإعمال العقل والضمير: حرام عليكم، لا تهملوا القاهرة، سوف تحاسَبون فى الدنيا والآخرة معاً.

المصدر | المصرى اليوم

مواضيع ذات صلة

التهريج .. والفن
منذ 1483 يوم
الأهرام
المثليون !
منذ 1483 يوم
الأهرام
لا حرية للشواذ
منذ 1483 يوم
الأهرام
أمس فقط لا غير
منذ 1485 يوم
الأهرام
قانون لا يليق
منذ 1485 يوم
الأهرام
الحنيـن
منذ 1485 يوم
الأهرام

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية