أتمنى أن تفكر الحكومة وأجهزتها بكل هدوء وموضوعية ومهنية وهى تقوم بعملية تنقية البطاقات التموينية خلال الأيام المقبلة، حتى لا تحرم محتاجا من هذه السلع المدعمة، فيموت جوعا.
شخصيا أؤيد الحكومة بكل قوة ممكنة، وهى تنقى هذه البطاقات، بحيث لا يحتفظ بها إلا من يستحقها فعلا.
وشخصيا أعرف مواطنين يتقاضى الواحد منهم ما يزيد على عشرين ألفا أو حتى ثلاثين ألف جنيه، ومايزال اسمه موجودا سواء فى بطاقات التموين أو كروت منظومة الخبز، أو يحصل على الوقود المدعم بنفس النقود التى يدفعها أكثر المواطنين فقرا.
أهم نقطة فى آلية عمل الحكومة لتنقية البطاقات هى المعايير الصحيحة والموضوعية والعادلة والمنصفة للجميع، بحيث تبعد وتحرم القادر والغنى من الحصول على سلع مدعمة لا يستحقها لتذهب إلى المحتاج فقط.
من المعروف أن بعض المصريين ماهرون فى الالتفاف والتحايل على كل شىء، وبالتالى فالخشية أن من يتم استبعاده قد يعود مرة أخرى متقمصا شخصية فقير مادامت المعايير هى «أوراق مضروبة».
المطلوب أن نصل بسرعة إلى مجموعة من المعايير التى لا تظلم أحدا. على سبيل المثال سمعنا من يقول إن المعيار هو استبعاد كل من سافر للخارج أكثر من ستة شهور متصلة.
ولو تم تطبيق هذا المعيار فقط سيكون ظلما بينا لكثيرين. أعرف مواطنين صعايدة سافروا ويسافرون إلى ليبيا ــ حتى فى هذه الأيام شديدة الصعوبة ــ بحثا عن فرصة عمل شريفة، بعض هؤلاء لا يحصل إلا على ما يسد رمقه، والحد الأدنى من رمق أسرته، ولو استطاع توفير ألف جنيه شهريا يكون محظوظا. السؤال: هل مثل هذا الرجل الذى يقول جواز سفره إنه كان مسافرا للخارج يتساوى مع المصرى الذى يعمل فى أوروبا أو بعض بلدان الخليج ويحصل على رواتب أكثر من جيدة؟!.
لابد أن تكون هناك آلية للتفريق بين عامل وفلاح يعمل فى ليبيا أو الأردن مثلا، أو أى مكان مشابه، ويحصل على الفتات، وبين آخر يحصل بالفعل على آلاف الدولارات شهريا؟!.
يقول البعض الآخر إن المعيار هو امتلاك سيارة، وكما هو معلوم أن السيارات أشكال وألوان وطرازات مختلفة. فهل يستوى من يمتلك فيات قديمة متهالكة مع صاحب سيارة دفع رباعى حديثة؟!. وهل من يملك المرسيدس القديمة التى ورثها من أهله، يتساوى مع المرسيدس الحديثة؟!
أعرف عشرات المواطنين يملكون سيارات، لكن أحوالهم «تصعب على الكافر» فعلا، وبالتالى فإن امتلاك سيارة فقط ليس معيارا أو دليلا كافيا على الغنى والقدرة.
يقول البعض الثالث إن الراتب هو الأساس، وإذا كان ذلك صحيحا إلى حد كبير، فعلى الحكومة أن تحسب بدقة وموضوعية، ما هو الحد الأدنى للراتب الذى يجعل صاحبه غير مستحق للدعم.
من بين المعايير الموضوعية بجانب الراتب، يمكن أن تكون الممتلكات، مثل الحيازة الزراعية أو المصانع والمشروعات، وهذا معيار واضح ولا يمكن التشكيك فيه.
قد يكون هناك صاحب مصنع لكنه متعثر، أو على وشك الإفلاس، لكن المعيار يظل موضوعيا إلى حد كبير.
نحمد الله أن الحكومة سارعت لنفى أنها ستمنع الدعم عن أى شخص يتقاضى 1500 جنيه، لأنه بعد تعويم الجنيه ورفع أسعار الوقود، رأينا انفجارا فى الأسعار، وبالتالى فالأسرة التى يقل دخلها عن خمسة آلاف جنيه ربما تستحق الصدقة وليس فقط الدعم.
نتفهم رغبة الحكومة فى تخفيض نسبة الدعم لكل شىء، حتى تخرج من هذه الورطة الاقتصادية غير المسبوقة، لكن عليها ألا تنسى أن هناك ما يشبه الثورة التى تعتمل فى نفوس غالبية الناس.
قد يسأل البعض وما هى قيمة الدعم الذى لا يزيد على 20 جنيها للفرد شهريا، والإجابة ببساطة أن غالبية المصريين ممن ينطبق عليهم قول الله تعالى: «يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا».
على الحكومة أن تفكر ألف مرة، وهى تضع المعايير التى تحدد من يستحق ومن لا يستحق الدعم، لأن الأوضاع لا تحتمل المزيد من التأزيم.