الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

في الذكرى الـ 95 لميلاد "المشرحجي"..الدكتور مصطفى محمود..رسم والده طريقه لكلية الطب..وبدأ حياته في معمل صابون ومبيدات حشرية..هاجم "عبد الناصر".. وأحب "السادات".. و"مبارك" أغلق برنامجه

في الذكرى الـ 95 لميلاد "المشرحجي"..الدكتور مصطفى محمود..رسم والده طريقه لكلية الطب..وبدأ حياته في معمل صابون ومبيدات حشرية..هاجم "عبد الناصر".. وأحب "السادات".. و"مبارك" أغلق برنامجه
من أشهر أقواله عن نفسه: "لم أكن في يوم من الأيام رجل دين، بل أنا فنان دخلت إلى رحاب الدين من باب الفضل الإلهي ومن باب الحب والاقتناع وليس من باب الأزهر، وكان حكمي حكم الشاعر الذي أحب الله فكتب فيه قصيدة وبنى له بيتا ولكنه ظل دائماً الفنان بحكم الفطرة والطبيعة، ذلك الفنان الذي مملكته الخيال والوجدان".

أثرت الأية القرآنية التي كان يستمع لها دائمًا أمام شاطئ البحر"وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى" في رسم ملامح مشواره في البحث الطويل عن أصل الحياة.

عرف بـ"المشرحجي" اسم أطلقه عليه زملاؤه بالجامعة نظرًا لوقوفه طول اليوم أمام أجساد الموتى، طارحًا التساؤلات حول سر الحياة والموت.

هاجم عبد الناصر، وأحب السادات، ومن علمه الذي يشع منه ألحد ليكتشف حقيقة ما وراء التراب ولكنه سريعا ماعاد إلى ما كان، هاجم الصهاينة وأوقف مبارك برنامجه بناء على طلب إسرائيل، تحل علينا اليوم الذكرى الـ 95 لمولد الدكتور مصطفى محمود.

نشأته:
ولد مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ فى 27 ديسمبر 1921، بمنطقة ميت الكرماء، بالمنوفية.
رسم مرض والده فصلا جديدا في حياته، فبعد وفاة والده قرر أن يلتحق بكلية الطب، الأمر الذي ترتب عليه الانتقال من طنطا إلى القاهرة مع والدته، وتخرج عام 1953 وتخصص فى الأمراض الصدرية، ولكنه تفرغ للكتابة والبحث.

تزوج مصطفى محمود مرتين وأنتهى زواجه بالطلاق في كل مرة، تاركا زواجه الأول طفلين، هما "أمل وأدهم".

بدايته:
بدأ حياته متفوقاً في الدراسة، حتى ضربه مدرس اللغة العربية، فغضب وانقطع عن الدراسة لمدة ثلاث سنوات إلى أن انتقل هذا المدرس إلى مدرسة أخرى فعاد لمتابعة الدراسة.

شكلت حلقات الذكر وابتهالات الصوفية والدراويش التى كان يحضرها فى طفولته بجوار السيد البدوي، بعدًا آخر في شخصيته.

وبدأت علامات النبوغ في الظهورعلى الطفل عندما أنشأ معملاً صغيرًا يصنع فيه الصابون والمبيدات الحشرية ليقتل بها الحشرات، ثم يقوم بتشريحها، وبعدما أنفجر المعمل قرر أبوه تفكيكه.

وحين التحق بكلية الطب اشتُهر بـ«المشرحجي»، نظرًا لوقوفه طول اليوم أمام أجساد الموتى، طارحًا التساؤلات حول سر الحياة والموت وما بعدهما.

وفي السنة الثالثة طب، مرض مصطفى محمود واحتاج علاجه بالمستشفى سنتين و أدى هذا الإنقطاع الطويل عن الدراسة إلى تطور إيجابي في شخصيته، إذ عكفت طول هذه المدة على القراءة و التفكير في موضوعات أدبية، وفي هاتين السنتين تكونت في داخلة شخصية المفكر المتأمل وولد الكاتب الأديب.

مر الدكتور مصطفى محمود برحلة روحانية فريدة بعد أن بدأت رحلة الشك تنمو بداخله حول الأديان وطبيعة الخالق، وصنعت منه التجربة مفكرًا دينيًا خلاقا، فقرأ عن البوذية والبراهمية والزرادشيتة، ومارس تصوف الهندوس القائم على وحدة الوجود، حيث الخالق هو المخلوق والرب هو الكون في حد ذاته وهو الطاقة الباطنة في جميع المخلوقات.

وأنشأ عام 1979 مسجده في جامعة الدول العربية بالمهندسين، والمعروف بـ "مسجد مصطفى محمود"ويتبع له ثلاثة مراكز طبية تهتم بعلاج ذوي الدخل المحدود، ويقصدها الكثير من أبناء مصر نظراً لسمعتها الطبية، وشكل قوافل للرحمة من ستة عشر طبيبًا، ويضم المركز أربعة مراصد فلكية، ومتحفاً للجيولوجيا، يقوم عليه أساتذة متخصصون، ويضم المتحف مجموعة من الصخور الجرانيتية.

أزمة مصطفى محمود:
ظهرت العديد من الأزمات في حياة مصطفى محمود بدأت بكتابه الشهير "الله والإنسان" قُدم بسببه إلى محاكمة بسبب اعتراض الأزهر عليه، وتم اتهامه بالكفر وقتها.

وتجددت الأزمة عام 2000 حول كتابه الذي تناول شفاعة النبي وهو ما يعرف على المستوى الإعلامي بـ"أزمة الشفاعة"، حيث سنت الأقلام ضده وهوجم بألسنة حادة، وصدر ما يقرب من 12 كتابا دينيا للرد عليه، وحولوه في خضم المعركة إلى ضال وخارج عن القطيع.

يقول الدكتور مصطفى محمود، "رحلتي من الشك إلى الإيمان، لم تكن بسبب إنكار أو عناد أو كفر و إنما كانت إعادة نظر منهجية حاولت أن أبدأ فيها من جديد بدون مسلمات موروثة، ولم أفقد صلتى بالله طوال هذه الرحلة، وانتهيت من الرحلة إلى إيمان أشد وعقيدة أرسخ وانعكست الرحلة على كتاباته.

كثيرًا ما اتهم مصطفى محمود بأن أفكاره وآراءه السياسية متضاربة إلى حد التناقض، إلا أنه لا يرى ذلك، ويؤكد أنّه ليس في موضع اتهام، وأن اعترافه كان على غير صواب في بعض مراحل حياته هو ضرب من ضروب الشجاعة والقدرة على نقد الذات، وهذا شيء يفتقر إليه الكثيرون ممن يصابون بالجحود والغرور، مما يصل بهم إلى عدم القدرة على الاعتراف بأخطائهم.

مؤلفاته:
ألف مصطفى محمود، 89 كتابًا منها الكتب العلمية والدينية والفلسفية والاجتماعية والسياسية، بالإضافة 
إلى الحكايات والمسرحيات وقصص الرحلات.

وقدم الدكتور 400 حلقة من برنامجه "العلم والإيمان"، وأنشأ عام 1979 مسجده فى جامعة الدول العربية بالمهندسين والمعروف بـمسجد مصطفى محمود. 

ومن أبرز أعماله "أكذوبة اليسار الإسلامي، على حافة الانتحار، السؤال الحائر، الله، الله والإنسان، التوراة، سواح فى دنيا الله، الروح والجسد، إبليس، رحلتى من الشك إلى الإيمان، لغز الموت، لغز الحياة، رأيت الله، حوار مع صديقى الملحد".

ويعد الدكتور" مصطفى محمود" من الكتاب البارزين للقصة القصيرة من جيل الوسط، وقد كتب العديد من المجموعات القصصية المتميزة مثل: "عنبر 7، وشلة الأنس، ورائحة الدم، وأكل عيش" .

منع برنامجه:
اشتهر مصطفى محمود بهجومه المتواصل على الصهيونية، ورأيه بأن اليهود وراء هذه الشبكة الأخطبوطية للفساد والإفساد في العالم كله، مما تسبب في لزوم وجود حارس‏ ‏على باب منزله ‏منذ‏ ‏سنوات‏،‏ ‏بتكليف‏ ‏من‏ ‏وزارة‏ ‏الداخلية،‏ ‏لحراسته بعد‏ ‏التهديدات‏ ‏التي‏ ‏تلقاها‏، أو لعزله عن الحياة العامة كما رأى البعض.

وقال ابنه ادهم، بعد ذلك، إن قرار وقف البرنامج صدر من الرئاسة المصرية إلى وزير الإعلام آنذاك صفوت الشريف، بضغوط صهيونية. 

مصطفى محمود وعبد الناصر:
يقول الدكتور مصطفى محمود، إن عبد الناصر كان يحارب في الكونغو واليمن ويرفع رايات القومية والاشتراكية في كل مكان من المحيط الأطلسي إلى الخليج الفارسي، وكان يهتف مخاطبا كل مواطن مصري: ارفع رأسك يا أخي.

ولكن المواطن المسكين والمخدوع لم يقدر على رفع رأسه من طفح المجاري ومن كرباج المخابرات ومن خوف المعتقلات ومن سيف الرقابة ومن عيون المباحث، وتدهورت القيم، وهبط الانتاج وارتفع صوت الغوغاء على كل شئ، وعاش عبد الناصر عشرين عاما في ضجة اعلامية فارغة ومشاريع دعائية واشتراكية خائبة، ثم أفاق على هزيمة تقسم الظهر وعلى انهيار اقتصادي وعلى مائة ألف قتيل تحت رمال سيناء وعتاد عسكري تحول إلي خردة ، وضاع البلد وضاع المواطن. 

وأضاف أن عبد الناصر كان ضد الديمقراطية، وهو من دبر الإنفجارات الستة التي حدثت في الجامعة وفي جروبي و في مخزن الصحافة بمحطة سكة حديد القاهرة و أنه اعترف لبغدادي و كمال حسين و حسن إبراهيم انه دبر هذه التفجيرات لإثارة مخاوف الناس من الديمقراطية و للإيحاء بأن الأمن سيهتز وأن الفوضى ستسود إذا مضوا في طريق الديمقراطية. 

مصطفى محمود والسادات:
يقول مصطفى محمود، إن الرئيس الراحل محمد أنور السادات، كان يغمض عينيه فيرى المستقبل، ونحن نفتح عيوننا ولكن نرى الماضي. 

واستقبله السادات بعد احتلاله منصب الرجل الثاني في الدولة كنائب للرئيس جمال عبد الناصر، بحفاوة بالغة حتى كان يصفه الدكتور مصطفى محمود بصديقه المخلص. 

وفاته:
لحق مصطفى محمود بركاب أهل الفضل والعلم، إلى أن طوى الله معه أسرارًا كثيرة، وترك لنا خلاصة تجربته الفكرية ورحلته الروحية، الذي ظل يبحث من خلالها عن الله ليرحل متيقنًا أن الله معه.

فعقب الأزمات التي تعرض لها، أضطر إلى اعتزال الكتابة لفترة قليلة، وانقطع عن الناس حتى أصابته جلطة عام 2003.

وفي عام 2009 أصيب مصطفى محمود بأعراض الزهايمر وعاش وحيدًا، فعاد طفلاً، ليستريح عقله وخاطره من عناء المكابدة، ودخل في عزلة، حتى فاضت روحه إلى بارئها في 31 أكتوبر 2009، عن عمر ناهز 88 عاما، بعد رحلة علاج استمرت عدة أشهر، و شيعت الجنازة من مسجده بالمهندسين.
مصدر الخبر
الدستور

أخبار متعلقة