الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

الثورة والتاريخ والفرد

الثورة والتاريخ والفرد
فى أواخر القرن الثامن عشر، حدثت الثورة الفرنسية، وأصبحت مثلاً للتغير الاجتماعى الجذرى. فقد تغير نظام الحكم من ملكية وراثية إلى جمهورية، وتغير الدستور، وألغيت الألقاب الأرستقراطية مثل الكونت والدوق والبارون. قوبلت الثورة بحماس وإعجاب شديدين فى أوروبا وفى العالم بأسره حيث اعتبرها كثير من المثقفين قفزات هائلة فى مجرى التاريخ وتحقيقا لتغيير فى فترة قصيرة كان يحتاج لسنوات أو قرون. وجاءت الثورة الروسية فى بداية القرن العشرين لتقضى على القيصرية التى هى أيضا ملكية وراثية وتعلن الجمهورية، وتضع دستوراً جديداً، واعتبرت أيضاً مثالاً فى التغيير الاجتماعى الجذرى المتسارع. 

وبسبب هاتين الثورتين ارتبط التغيير الاجتماعى بفكرة تغيير نظام الحكم، وتغيير الطريقة التى يدار بها المجتمع من خلال الدستور ونظام الانتخابات وتحديد الأمة كمصدر الشرعية. ولكن جاء مفكرون يحاولون أن يقللوا من الأهمية التاريخية لهذه الأحداث الصاخبة التى هى بحسب تعبير عالم الأنثروبولوجيا كلود ليفى شتراوس مثل الألعاب النارية، مبهرة ولكنها لا تترك أثراً. فطبقاً لرؤيته مهما تغيرت مظاهر التاريخ فهناك بنية متأصلة تتحكم فى تصرفاتنا. ومن المعروف أن فلسفته لم تكن تقيم للتاريخ وزناً. بيد أن هناك مفكرين يعزون للتاريخ أهمية كبرى ويعتبرونه حصيلة التغيرات الجذرية التى تحدث فى المجتمعات، ومرآة تعبر عن حيوية الشعوب وديناميتها. ولكنهم مع ذلك يقللون من أهمية الأحداث الصاخبة مثل الثورات السياسية. 

ونحن حين ننتبه الآن إلى الثقافة الفرنسية فى الحياة اليومية نجد تعبير ثورة 68 شائع الاستخدام حتى لدى أبسط الناس. فهم يميزون دائماً الحياة تبعد ثورة 68 عن الحياة قبلها. وفى الواقع ما يطلقون عليه ثورة 68 لم يكن إلا تمرداً شبابياً لم يترتب عليه تغيير نظام الحكمتولا تغيير الدستور ولا البرلمان، على نحو ما تعودنا فى الثورات السياسية الكبرى. 

ورغم ذلك كانت ملامح التغيير الاجتماعى هائلة. ونجدها بحسب كلام الناس أنفسهم تتمثل فى تغيير فى علاقة الأباء بالأبناء، فى العلاقة بين الجنسين، وعلاقة الطلاب بالمعلمين. فلقد بدأ الابناء يستقلون عن الأباء مبكرا وصارت هناك حدود لسلطة الأباء على الأبناء فلم يعد من حقهم التدخل فى الحياة الخاصة لأولادهم وبناتهم، وفى العلاقة بين الجنسين رفضت البنات بحساسية مفرطة كل مظاهر التمييز الاجتماعى الموجودة لصالح البنين وقمن باحتلال المساكن الجامعية الخاصة بالطلاب الذكور ليفرضن السكن المختلط، وصار من حق الولد أو الفتاة اختيار شريك حياته بحرية. وكان نظام التعليم فيما سبق يخلط بين سلطة المعلم وسلطة الأب فعلى المعلم أن يكون دائما قدوة فى ملبسه وفى حديثه وفى سلوكة وعلى الطالب أن يرتدى زيا لائقاً وأن يبدى دائما مظاهر الولاء والاحترام لمعلمه. وبعد 68 لم يعد ينظر إلى المعلم على أنه أب للطالب وإنما هو شخص يؤدى خدمة مقابل أجر وهى نقل المعارف، فلا داعى لكل هذه التشريفات المصطنعة وتخلى المعلمون أنفسهم عن طيب خاطر عن فكر القدوة وصار يأتون إلى أماكن الدرس بالجينز والتى شيرت وقد تحرروا من عبء ثقيل. وهنا يشير الفيلسوف جيل ديلوز إلى أن الثورة انتقلت من مستوى النظم الكبرى إلى مستوى الأفراد، فأصبحت تعنى تغييراً ملحوظاً فى الحياة اليومية للفرد، وهذا التغيير، فى نظر ديلوز هو الذى يصنع التاريخ. وهو يستعير من الفيزياء المعاصرة التمييز بين مستويين، مستوى الماكرو ومستوى الميكرو، بعبارة أخرى بين مستوى الكتلة ومستوى الذرة. فحين نحطم كتلة من الصخر نجن لم نحدث تغييراً ولكن حين نتدخل فى الذرة ونغير من تركيبها، فإن التغيير يكون جذرياً وقد زاد عمق هذا التاريخ بعد أن وصلنا إلى النانو تكنولوجيا. وهكذا فى التاريخ، حينما ننتقل من نظام ملكى إلى نظلم جمهورى لا يعد هذا تغييراً ذا بال ولكن حين ننشىء محطة سكة حديد فى مدينة نائية أو نفتح مصنعاً فى الريف، أو مدرسة للبنات فى نجع من النجوع فإننا نكون قد أحدثنا تغييراً هائلاً على المستوى الذرى أو الفردى، وسوف ينعكس بعد ذلك على مسار التاريخ. ويقسم ديلوز نظام الحياة المشتركة فى المجتمعات إلى نوعين من السياسات: سياسات كبرى وتعنى تصرفات الدولة ونظام الحكم، والسياسات الصغرى هى المكاسب البسيطة الى يكتسبها الأفراد، ليزيدوا من مساحة الحرية المتاحة أمامهم. وفى نظره أن السياسات الصغرى هى التى تحكم السياسات الكبرى وليس العكس. 

هى نظرة جديدة لفهم كيف يسير التاريخ، وأيضاً لفهم طبيعة المرحلة السياسية المقبلة بالنسبة للبشرية، كما أنها تمدنا بمؤشرات جديدة كنا لا ننتبه إليها نستطيع أن ندرك من خلالها عمق التغيرات التاريخية. 
مصدر الخبر
الأهرام

أخبار متعلقة