الخميس 2 يوليه 2026 — القاهرة

أربعة مرتكزات للأمن الخليجى البديل

أربعة مرتكزات للأمن الخليجى البديل
إستراتيجية الأمن الخليجى شاملة الأبعاد العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أى إستراتيجية «الأمن البديل» لسياسة الأمن التقليدية «الأمن بالوكالة اعتماداً على موازن خارجي»، التى تأكد فشلها، يجب أن تنطلق من وعى رشيد بحقائق ومتغيرات البيئة الدولية والإقليمية الراهنة، ويجب أيضاً أن ترتكز على مقومات صلبة ومأمونة قادرة على تقديم كل متطلبات هذا الأمن الشامل ومواجهة كل مصادر تهديده المتعددة والمتشابكة والمكثفة الداخلية والخارجية. 

من أبرز حقائق ومتغيرات البيئة الدولية والإقليمية ذات العلاقة المباشرة بالأمن الخليجى والتى لا يمكن تجاهلها بأى حال عند صياغة «إستراتيجية الأمن البديل» الشاملة الحقائق التالية: 

إن الولايات المتحدة الأمريكية تمر بمرحلة تطور يمكن وصفها بأنها «مضطربة»، ويمكن وصفها أيضاً بأنها مرحلة مراجعة للقدرات والإمكانات وللدور والسياسات بعد مرحلة من الإخفاقات الهائلة شهدتها مرحلتا حكم جورج دبليو بوش التى اعتمدت سياسة التدخل الأمريكى القسرى الضربات الاستباقية مثل (حربى أفغانستان والعراق) وحكم باراك أوباما المترددة والانكماشية سواء بدافع من الأزمة الاقتصادية الأمريكية الكبرى التى هزت أركان النظام الرأسمالى كله بقوة، أو بدافع من انتكاسات وتداعيات وخسائر سياسة التدخل القسرى فى عهد جورج دبليو بوش. 

انتخاب دونالد ترامب يعد أبرز مظاهر هذا الاضطراب الأمريكي، وهذا الرئيس يبدو أنه سوف يدير السياسة الأمريكية الخارجية بعقلية رجل الأعمال، أى اعتماد مبدأ (التكلفة/ العائد)، أى أن أى تدخل وأى دعم لأى دولة يجب أن يكون له ثمنه ومكاسبه المباشرة، علاوة على أنه لا ينوى الدخول فى أى صدام مع روسيا من أجل الخليج أو حتى الحلفاء الأوروبيين. لذلك فإن واشنطن لا يمكن أن تكون حليفاً أساسياً يعتمد عليه فى التخطيط لإستراتيجية الأمن الخليجي، خصوصاً بعد تراجع جاذبية منطقة الخليج فى الإستراتيجية الدفاعية الأمريكية لأسباب لها علاقة بالاكتفاء الأمريكى عن نفط الخليج وللتوجه الإستراتيجى نحو جنوب شرق آسيا. 

أن روسيا استطاعت أن تفرض نفسها «اللاعب الأوحد» أو علي، الأقل «اللاعب الأهم» فى الشرق الأوسط الآن، لكنها هى الأخرى تتحرك بدافع المصالح وليس المبادئ، هى حليف أو شريك أو حتى صديق لإيران وتركيا وإسرائيل والعرب، بقدر ما تخدم هذه الصداقة المصالح الروسية ومن ثم فإنها لن تنحاز لطرف على حساب طرف آخر إلا بدافع من هذه المصالح المتشابكة مع كل الأطراف، ومن ثم فإنها لا يمكن أن تكون بالنسبة للعرب أكثر من »شريك« وشريك بالمصالح لا أكثر. 

إن القرار الإقليمى بات خاضعاً لخريطة مصالح وتحالفات وصراعات القوى الإقليمية الكبرى الثلاث: إيران وإسرائيل وتركيا. وإذا كانت تركيا قد اتجهت للتحالف مع روسيا وإيران من أجل مصالحها فى سوريا، ومن أجل الأمن والاستقرار التركى ضد «الخطر الكردي»، فإن إسرائيل حريصة على أن تقوى تحالفها مع روسيا وتركيا، وتريد أن تكون حليفاً للعرب، ضمن استقطاب إقليمى «سُني- شيعي» يخدم مصالحها، ويركز العداوة ضد إيران، ويعفيها من أية تبعات أو استحقاقات تخص الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. هذا يعنى أن القوى الثلاثة طامعة فى العرب ولا يحكمها غير مصالحها البحتة على حساب المصالح العربية. 

أن الخطر الإرهابى يتفاقم على كل الأرض العربية، والدول العربية باتت مهددة بالانفراط والتفتت، وأن تراجع أسعار النفط، والحروب الداخلية العربية استنزفت وأضعفت القدرات الاقتصادية العربية، حتى أقوى الاقتصاديات الخليجية باتت مأزومة ومضطرة لإتباع سياسات تقشف وربما الاستدانة من الخارج. 

هذه الحقائق تؤكد أن الأمن فى الخليج لن يكون إلا «خليجياً» بالأساس، وأنه لا يوجد أى عمق إستراتيجى مأمون لهذا الأمن إلا العمق العربي، ومن ثم فإن المنظور الإستراتيجى للأمن الخليجى البديل يجب أن يكون بالأساس «أمناً خليجياً- عربياً»، كما أنه لا يمكن أن يكون عسكرياً فقط، أو فى مواجهة مصادر تهديد خارجية فقط، فمخاطر الداخل لا تقل، إن لم تكن تفوق، مصادر التهديد الخارجية، وهذا يأخذنا مباشرة إلى ضرورة مراجعة المبدأ الأساسى الحاكم للإستراتيجية الأمنية، وهو ضرورة عدم الإسراف فى الأخذ بسياسة توازن القوى لتحقيق الأمن، لأن هذه السياسة أدت إلى الانخراط فى إنفاق عسكرى هائل على مدى السنوات الخمس والثلاثين الماضية، فضلاً عن زيادة التبعية العسكرية للخارج، دون عائد أمنى ملموس، وأن سياسة الأمن المعتمدة على «توازن المصالح» يمكن أن تكون مرادفاً ولا نقول بديلاً لسياسة الأمن المعتمد على توازن القوي، فالدمج الواعى والذكى والرشيد بين «توازن القوى وتوازن المصالح» قادر على امتلاك القدرة على الردع مع القدرة على احتواء التهديدات وخاصة التهديدات العسكرية. 

وانطلاقاً من ذلك يمكن تحديد أربعة مرتكزات للأمن الخليجى البديل والمأمون: 

الركيزة الأولي، بناء الجيش الخليجى الموحد، وهذا الجيش سبق أن أتفق على تأسيسه فى قمة الدوحة (ديسمبر 1990) فى أوج أزمة الاحتلال العراقى للكويت، وتم تكليف السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان بالإشراف على لجنة عسكرية تعد لتأسيس هذا الجيش، وأنجز السلطان قابوس التكليف بكفاءة عالية، وقدم تقريره إلى القمة الخليجية الثالثة (الكويت 1991)، لكن للأسف تم التراجع عن هذا المشروع لصالح اتفاقيات دفاعية ثنائية مع الولايات المتحدة، أى «الأمن بالوكالة». الجيش الخليجى الموحد يستلزم تأسيس «الاتحاد الخليجي» بأى صيغة فيدرالية أو كونفدرالية، فالمطلوب الآن هو بناء قوة عسكرية اقتصادية خليجية موحدة قادرة على موازنة القوى الإقليمية الكبرى الثلاث: إيران وتركيا وإسرائيل، أو على الأقل تحييدها كمصادر للتهديد. 

الركيزة الثانية وضع نهاية سريعة للخلافات السياسية العربية خاصة بين السعودية ومصر، وفتح آفاق جديدة لعلاقات تعاون وشراكة إستراتيجية بين مصر والسعودية ودول الخليج، يكون فى مقدورها زيادة كفاءة قدرات القوة الخليجية. 

الركيزة الثالثة هى ربط الأمن الخليجى بالأمن القومى العربي، وبناء القوة العسكرية العربية التى جرى تأجيلها والتحايل عليها منذ عامين، رغم أنها يمكن أن تكون العمق الإستراتيجى للأمن الخليجي. 

الركيزة الرابعة، الانطلاق من قاعدة توازن القوى الجديدة «الخليجية- العربية» للأخذ بمفهوم جديد للأمن هو «الأمن التعاوني» من خلال تأسيس «منتدى للتعاون والأمن الإقليمي» يقوم على قاعدة «توازن المصالح» بين الطرف العربى وكل من إيران وتركيا وبمشاركة أطراف إقليمية ودولية أخرى مثل الهند وباكستان والصين وروسيا والاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة. 

منظور جديد ومتكامل فى حاجة إلى مزيد من المناقشة والتدبر. 
مصدر الخبر
الأهرام

أخبار متعلقة