"أنا حسب الله السادس عشر آخر سلالة آل حسب الله، السلالة التي غزت جميع الميادين من ميدان الحسنية لميدان المدبح، من القاهرة للإسكندرية، أنا حسب الله ربيع الفن ونابليون أكبر فرقة موسيقية نحاسية"، بتلك الكلمات عبّر عبد السلام النابلسي عن شخصية "حسب الله" التي كان يجسدها بفيلم "شارع الحب".
ولم يكن "حسب الله السادس عشر" هو آخر أفراد الفرقة على أرض الواقع، وإنما آخرها هو عزت الفيومي، رجل سبعيني، تمكن الزمن من نقش ملامح وجهه بحدة وجعل كل تجعيدة بها تحمل دلالة خاصة ليصبح لوحة تعبيرية مجسمة، كانت مهنته أساسًا في تكوينها، بسبب كثرة التعبيرات المستخدمة فيها.
يعد الفيومي حلقة وصل بين زمن الفن الجميل، الأبيض والأسود بكل جماله ورونقه وبين زمن الأفينات بكل تكدسه وتغيراته السريعة، فهو يجلس على أحد المقاهي بشارع "محمد علي"، معلقًا لافتة أمامه مكتوبًا عليها "فرقة حسب الله لإحياء الأفراح وأعياد الميلاد.. آخر واحد في فرقة حسب الله.. عزت الفيومي".
تعلم الفيومي الموسيقى منذ صغره وترعرع على أنغامها حتى انضم لفرقة حسب الله ليعمل مع ابن "حسب الله" الذي يؤكد أنه من حمل المهنة بعده، لأن الأب الكبير "محمد علي حسب الله" كان يعزف للملوك وبالقصور فقط ولا ينزل الشوارع.
ما زال الفيومي يحتفظ باسم "حسب الله" الفرقة التي لها تاريخ طويل، وثقته السينما المصرية بعدد من الأفلام ولكن لا يعلم عنها الكثير من الجيل الحالي الذي ولد وحوله "الدي جي" وأجهزة الموسيقى التكنولوجية الحديثة.
وبمنتهى السلاسة، يروي الفيومي قصته بشارع محمد علي مع أشهر فرقة موسيقية نحاسية بمصر، وكيف تغير الشارع الذي كان بمثابة بيت العائلة الكبير لأهل الفن وأصحاب المواهب وراغبي الشهرة والملتقى اليومي لهم، ليتحول كمثيله من شوارع العتبة المكتظة بمحلات الموبايلات والأثاث والطباعة وغيرها.
يعود العجوز بذاكرته عشرات السنين، ليروي كل تفاصيل الحياة وقتها كأن كل كلمة يطلقها مازالت لها وقع عليه ويحفظها عن ظهر قلب.
يبدأ الحكاية من "زمان" قبل السبعينيات حين كان شارع "محمد علي" منبع الفن وأصحابه، يقنط فيه "ارتيست" وراقصات محترمات، وفنانون يحترمون الفن وأصحابه وينظرون نظرة لائقة للراقصة دون خدش لها لتأكدهم من أخلاقها، أما اليوم يؤكد الفيومي أنه حين يطلب منه أن يحضر راقصة يرفض ولا يستعين بأحد لتغير الحال.
وكانت فرقة حسب الله لها صيت كبير تعمل بالموالد والأفراح وأعياد الميلاد وأغلب المناسبات، وكان ما يسمى بالـ"مضحك" يتفق مع الفرقة لإحياء المناسبات الكبرى.
وسافر العجوز مع الفرقة لمحافظات مصر المختلفة، دون عناء حيث كان يرسل صاحب المناسبة الحنطور لهم ليكون تحت أمرهم وينقلهم مع الآلآت دون أن يتكلفوا شيئًا، وكانوا لهم برنامج منظم، فيدخلون مكان الفرح يعزفون شيئا بغرض إشهار الفرح لأهل المنطقة، ثم يتناولون العشاء بالداخل، وبعد الانتهاء يبدأون بعزف أغنيتين ثم تخرج الراقصة يليها المطرب حتى نهاية فقرات الحفل.
يقول الفيومي إنه قديما كما كان يظهر بأفلام الأبيض والأسود عدم اختلاط الرجال بالنساء في المناسبات، لذا يكون هناك عواد أعمى يجلس مع السيدات يعزف لهم ليستمتعوا بالحفل دون حرج، وعواد آخر بصير كباقي الفرقة يعزف للرجال بالخارج، وتقف الفرقة تعزف أغنيتين ويقفون يعزفون سلاما لكل ضيف قادم الحفل.
"فيفي عبده ونجوى فؤاد ولوسي ونعيمة عاكف"، أشهر الراقصات اللاتي اشتغلن على المزيكا النحاس مع الفرقة، وخرجوا من شارع محمد علي، ولا ننسى فريد الأطرش ومحرم فؤاد ومحمد العزبي ومحمد وشدي وحسن الأسمر وأحمد عدوية كانوا أحد أهم فناني الشارع يترددون عليه ومنهم من يقنط فيه كالفنان حسن الأسمر.
واسترجع العازف المسن أيام السبعينيات والثمانينيات حين كانت فرقة "حسب الله" رمزا للوجاهة وكانت تطلبها الطبقات الراقية والعائلات الكبيرة، ولا تخلو أهم الأفراح من سلام الفرقة وعزفها، وكانت أهم فرقة بعصر جمال عبد الناصر والسادات وحتى مبارك، فدخلت الفرقة بيوت كبار رجال الدولة، منهم الرؤساء مثل الرئيس الراحل محمد أنور السادات.
توغلت فرقة "حسب الله" في السينما والتلفزيون والمسرح فظهر الفيومي مع فرقته بها، وأشهرها: "بخيت وعديلة والامبراطور ومعالي الوزير والحرافيش والشيطان يعظ والمطارد والباطنية والفرن ومسرحيات ميه مسا، المال والبنون وزيزينا واول حلقة باليالي الحلمية وغيرها".
وعن الأغاني والآلات التي يستخدمها العازف المسن، أكد أنه يستخدم نفس الآلآت النحاسية وكان "مزمراتي" ولكن مع كبر السن أصبح يطبل، ويغني على تلك الآلآت مع الفرقة "دبلة الخطوبة وعلى مين على مين وبحلم بيك ومال الهوى ياما وبين شطين ومايه وحاجة لسيد درويش ويا اسمر يا اسمراني".
ويقول الفيومي: "الشغل زمان له طعم تاني، وكتير مش بنلاحق عليه وكان بيبقى عندنا زحمة في شهور جماد ورجب وشعبان، كانوا بيفاجئوا بينا العرائس لما ندخل الفرح بتبقى حاجة تاني، وكانت الفرقة 24 فردا ولكن بمرور الوقت الشغل قل الطلب على الفرقة وبقى ضعيف، وتقلص عددها لـ 10 أفراد حتى وصلت اليوم لـ 5 أفراد بالعافية، يتم تجميعهم حسب الطلب من طنطا تحديدا، حتى شارع الفن الجميل شارع محمد علي انقرض وبقى مفيش مزيكا الموجود شبه مزيكا والدي جي موتنا".
ويستطرد: "احنا بقينا زي الفاكهة اللي عايزنا يطلبنا وأنا كرامتي مرزقتي، بقعد على القهوة كل يوم استنى لو جالي شغل أخرج مفيش أروح بيتنا والأرزاق بتاعت ربنا، والشغل دلوقتي نادر جدا صحيح الماديات والمقاولة أحسن من زمان لكن في نفس الوقت الغلاء عدمنا كل يوم زيادة، زمان كنا بـ3 تعريفة أفطر طبق فول كبير بالسمنة البلدي إنهاردة أكلة العدس بـ30 جنيها".

.jpg)

