لا بأس، ستكون الأمور طيّبة لو أنى فقط تمسكت بهذا الهروب أطول فترة ممكنة.. عندى الآن مساحة كبيرة لتفنيد "البريد الوارد" بعناية، الآن أسترجع ما قلته لهم وما قالوه لى، كلها سخافات، لا شىء جديد، لا شىء يجعلهم مميزين، نفس الحكايا، نفس الرغبة فى التخايل أمامى، وربما أنا أيضًا لم أُضيف شىء. مساحتى الآن أكبر فى الحكى، لهذا لم أكتب عنهم وقتها، ولهذا لم أُردد عبارات الخوف والشوق والمحبة المضطربة والمحبة المفرطة لأننى استسلمت لانقيادى الأعمى لأرى الأشياء بوضوح.. (وهذا لم ينفع بشىء ).
عرفت الآن لماذا يكتب المؤرخون التاريخ وقت حدوثه وليس بعده، أما أنا فأنتهى من الشىء فى البداية وأُفرغه تمامًا ثم أُدوّنه، لا تتركه يُعرقلك أثناء الحدث، وقتها تكون مُغيب بلا شك، ويقينك غالب، ورغبتك لا حدود لها، بعد أن ينتهى كل شىء سترى أنك واهم، وأن لا شىء حقًا يقودك للحقيقة سوى أن شيئًا غامضا يثير فضولك وتريد أن تستكشفه، كالأطفال تمامًا، بلا عقل .
هناك عوالم موازية تدفعنى للبقاء، لكن على كل حال الرغبة مؤقته ومرهونة بتداعيات كثيرة، قد يكون سبب بقائى الآن أننى لم أنته بعد من ملاحقة ماضى أحدهم.. أقرأ ما كان يكتبه قبل وجودي، أُحاول تصور هيئته وأفكاره وحياته اليومية، يدَّعى أنه مارس الحب مع فتاه غير عاقلة، يبدو أنه على قدر ما من الجنون ..
أنا لا أنتهى من وجود الآخرين، أنا أقتحم بداخلهم، لا العكس كما يزعمون، لا أعرف مدى رغباتهم فى معرفة منحنيات جسدى السرية، لكنى أُبصر فى الظلام وأرى أن لا شيء مهم يستدعى الانتظار، أنا أقتحم وأخرج بكل الخسائر الممكنه .
حلم الليلة كان قاسيا، دِماء تنزف من فتيات عذراوات، الأمر كان مُخيفا، تمامًا كحلمى بالموت ساعة القيامة، كالعادة كنت أتمنى أن تكون مجرد أحلام لا واقع حقيقى لكى أُخبرهن أننى تعبت.. تعبت.. وأن مواساتهن لم تعد مُجدية .
سأصل يومًا إلى الثلاثين، سأشعر بالوجع لأننى مازلت باقية ولأننى سألتزم بمعتقدات متقاعد بعد الحرب "ذلك أفضل من مصير آخر".. سأفكر أن الوحدة سخيفة ولو قليلاً، وأن عرضى له ليعيش معى سيرضينى ولو قليلاً، ربما سيُثقل على ظله فى الأماكن المحيطه بي،لكنه يجب أن يعتاد الأمر، أنا أُحب وجوده لكن هذا لم يعد كافيًا على كل حال .
أنا أكتب لأقتل رغبتى فى الاعتراف السري، لأمنع نفسى من إتصال هاتفى سأندم عليه حتى يأكلنى النسيان.. أكتب لأننى واثقة من أن اليوم الذى سأواجهه وأنا بلا ذكريات سأكون حقًا كالطفلة التائهة فى مدينة الملاهى، بلا رفقه، بلا أم، بلا حلوى تهوّن عليها غربتها وسط الوحوش التى لا تملك وسط شراهتهم حيلة للهرب ..
فى يوم ما سأواجه كل شىء يُجبرنى على الهرب، لكنى لن أجد مخبأ، وقتها سأحتاج هذا الكلام لأتذكر أن الهرب يلاحقنى طوال حياتى لكن بطرق مختلفة .
أنا أثق فى الأمنيات التى أُخبأها، وزيف هواجس تدور فى بالي،
لكن ملامحه العاقلة لم تخدعنى بعد .
واعترافاتى بهذه اللكنة المضطربة تُحبطنى أكثر من إحباطى بعد انكساراتى "المستمرة" على دفاترى السرية .