ملفات شائكة تتناثر أوراقها وتتصاعد أهميتها وحدتها على كافة الأصعدة العربية والأفريقية والدولية، لتتزاحم فيما بينها مشكلة خطرا أكبر يكتنف الشرق الأوسط من أطرافه إلى عمق أراضيه، وبين مشكلات الأمس وتحديات الغد، يتحدث إلينا السفير حسين هريدي مساعد وزير الخارجية الأسبق، عن أبرز التغيرات الإقليمية الطارئة في المشهد الدولي وكيفية النهوض بالدور المصري في كفة الميزان الدبلوماسي.. وإلى نص الحوار:
- كيف ترى مستقبل العلاقات الثنائية بين مصر والإدارة الأمريكية الجديدة؟
نتمنى أن تنتهج الإدارة الجديدة سياسات بناءة لصالح الأمن والاستقرار في مصر والدول التي عانت من ظاهرة الربيع العربي، وأن تقف بجانب الحكومات والشعوب التي تحارب الإرهاب. ومن وجهة النظر المصرية؛ فهناك مجموعة من الملفات التي ستحكم مسار العلاقات المصرية الأمريكية في المرحلة المقبلة، أهمها التعاون الثنائي في مجال مكافحة الإرهاب والمساعدات الاقتصادية والتنموية الأمريكية لمصر.
- كيف تتوقع مصير العلاقات "الأمريكية – الروسية" في عهد ترامب؟
أبدى ترامب استعداده للتعاون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أكثر من مناسبة، والملفين الأساسيين في العلاقات بينهما هما ملف أوكرانيا، والأوضاع في الشرق الأوسط، خاصة الأزمة السورية، كذلك الاتفاق النووي مع إيران، إلى جانب عدة أمور أخرى بمجال التوسع وانتشار الحلف الأطلنطي شرقًا، وإقامة حائط صواريخ في بعض الدول التي كانت في أوروبا الشرقية سابقًا.
- فيما يخص تصريحات الرئيس دونالد ترامب عن احتمالات التنسيق مع الرئيس السيسي، هل تعتقد أنه جاد للتعاون مع مصر؟
التعيينات التي تمت حتى الآن في المناصب الحساسة في إدارة ترامب تشير أن احتمالات التفاهم أكبر بكثير من أي احتمال آخر، لكن علينا أن ننتظر المائة يوم الأولى للإدارة الجديدة، لنستطيع أن نحكم على التوجهات الحقيقة سواء بشأن العلاقات "الأمريكية – المصرية" أو فيما يتعلق بمواقف الولايات المتحدة إزاء الملفات الساخنة في الشرق الأوسط.
- ما تقييمك لدور تركيا وسياسات أردوغان في أزمات الشرق الأوسط؟
الأداء التركي مرتبك وانتهازي، ويتعلق بالتكتيك أكثر منه بالاستراتيجية، ومن الواضح لمن تابع السياسة التركية في منطقة الشرق الأوسط منذ عام 2011، سيجد أنها بلا أي مبادئ واضحة، بل إنها انتهازية، والدور التركي في المنطقة يزعزع الاستقرار وأمن الدول العربية. وأعتقد أن السياسة التركية أثبتت فشلًا ذريعا في الشرق الأوسط، وتركيا انكشفت أمام العالم والعرب، وإن لم يغير أردوغان في سياسته وتوجهاته تجاه الشرق الأوسط، ستظل الأمور كما هي.
- ما رأيك في الاتفاق "التركي - الروسي – الإيراني" وتأثيره على الأزمة السورية؟
يبدو أن القوى الثلاث تتعاون فيما بينها لتحقيق مصالح محددة، خاصة بين تركيا وإيران حاليًا ومستقبلًا، لكن من وجهة نظر مصرية، فنحن نرحب بالنتائج الإيجابية لهذه الاتفاقية، وما استطاعت أن تحققه في وقف إطلاق نار شامل، ونتمنى أن يكون دائما. وأحد نتائج هذا الحوار هي "مفاوضات أستانة"، والتي تمت بين الحكومة السورية وأطراف المعارضة، وأعتقد أننا أمام فرصة ثمينة لوضع حد ونهاية للمأساة السورية.
- ماذا عن شكل العلاقات الثنائية بين ترامب وإسرائيل وتداعياتها على العلاقات العربية؟
الآراء التي أعلن عنها ترامب تعد صديقة لإسرائيل، وبالنسبة للقضية الفلسطينية، فقد وعد دونالد بإيجاد حل لها. لكن السؤال الأهم الآن.. هل حل القضية الفلسطينية من وجهة نظر "ترامب" يستند إلى المبادئ أو الشروط الإسرائيلية؟ أم أنه يتحرك في إطار اتفاق اللجنة الرباعية الدولية، وقرارات مجلس الأمن الدولي في هذا الشأن (...) يجب أن نعد أنفسنا لكافة الاحتمالات.
- كيف يمكن تهدئة التوترات الأخيرة بين مصر والسعودية؟
العلاقات المصرية السعودية عماد الأمن والاستقرار في العالم العربي، والتكلفة الإستراتيجية والسياسية للخلافات بين البلدين تنعكس سلبًا على كل منهما، وعلى الأمة العربية، وبالتالي الكل مطالب بتحصين العلاقات يبن القاهرة والرياض ضد أي توترات أو تصعيد في أي نوع من الخلاف.
- ماذا عن تأثير التقارب "الخليجي – الإثيوبي" وانعكاساته على العلاقات "المصرية – الأفريقية"؟
مصر كانت أول دولة تستضيف القمة العربية الأفريقية في مارس عام 1977، وكانت من أوائل الدول الداعية للتعاون البناء بين أفريقيا والعالم العربي. وفي هذا السياق، نرحب بأي انفتاح عربي على القارة السمراء. ومن ناحية أخرى، نستبعد تمامًا وجود تحركات عربية في القرن الأفريقي سواء في إثيوبيا أو أفريقيا، تهدف إلى الإضرار بالمصالح المصرية، لأن العالم كله يعلم مكانة مصر في القارة السمراء.
- كيف يمكن لمصر أن تستعيد ريادتها في أفريقيا؟
الريادة والقيادة لا تأتي بقرار، وإما نتيجة تفاعل بين الجغرافيا والتاريخ والدور والإرادة السياسية، والجغرافيا والتاريخ متوفرين، ولكن يبقى الدور والإرادة السياسية، وطالما توافرت؛ أعتقد أنه لن يستطيع أحد أن يتنافس مع مصر في المكانة داخل قلوب الشعوب الأفريقية.
- ما هو مصير أزمة سد النهضة؟
الظهير الأفريقي لمصر سوف يساعدنا في تسوية أي خلافات مع أي دولة افريقية، بما في ذلك مع إثيوبيا، وأخشى أننا لم نحسن تعريف مشكلتنا مع سد النهضة، إذ افترضنا في لحظة ما أن السد يحرم مصر من المياه، وكافة تحركاتنا كانت تتم في هذا الإطار دون أن يسأل أحد نفسه عما إذا كان ذلك ممكنًا، وبالتالي فإن معالجتنا لسد النهضة كانت عاطفية، أكثر منها علمية.
- لماذا رفضت مصر الانضمام لتجمع دول حوض النيل؟
مما لا شك فيه أن مصر أخطأت بشكل جسيم عندما رفضت الانضمام لدول حوض النيل في التجمع الذي تم إنشائه، وكان يجب أن ننضم لتغيير قواعد اللعبة بدلًا من أن نبقى في الخارج، ولكن الوضع الآن تحسن كثيرًا، ولا أعتقد أننا سنتأثر بسد النهضة. أما مسألة الثلاث سنوات الأولى لملئ السد، فيجب التوصل إلى تفاهم مع إثيوبيا، ومع الدول الأفريقية الأخرى، بشأنها. ونحن نسير على الطريق الصحيح بالنسبة للأزمة.
- ما هي رؤيتك للرئيس اللبناني الجديد ميشال عون.. ودلالة زيارته للرياض؟
نحن نرحب بنجاح الأحزاب والقوى السياسية اللبنانية في الاتفاق على شخص الرئيس اللبناني، وزيارة الرئيس عون للسعودية بأهمية زيارته المرتقبة لمصر، وكانت السعودية اتخذت بعض القرارات مثل انسحابها من لبنان، وتجميد مساعدتها المالية لتسليح الجيش، لذلك نتفهم جيدًا لماذا كانت الرياض أولى محطات الرئيس اللبناني، في أول جولة عربية يقوم بها.
- وهل يمكن للبنان أن يلعب دورًا للتقارب بين الرياض وطهران؟
ميشال عون رئيس لكل لبناني الآن، وأعتقد أن كل الدول العربية تتعامل مع الرئيس اللبناني من هذا المنطلق، أما التحالفات السياسية الداخلية في لبنان فهي من شأن اللبنانيين أنفسهم، وليس لنا كعرب أو كمصريين أو أي دولة أخرى أن تتدخل في هذه العملية، وبالتالي الكل مطالب بالتعاون مع الرئيس اللبناني لمصلحة لبنان ولمصلحة الشعوب العربية نفسها.

