الأحد 5 يوليه 2026 — القاهرة

«الدستور» تفتح ملف الحذف العشوائي من البطاقات بدعوى التنقية.. الساقطون من دفاتر «تموين الحكومة»

«الدستور» تفتح ملف الحذف العشوائي من البطاقات بدعوى التنقية.. الساقطون من دفاتر «تموين الحكومة»
حين أعلنت وزارة التموين أنها ستجرى عملية تنقية شاملة لبطاقات التموين بهدف وصول الدعم إلى مستحقيه، توعدت وقتها بحذف من لا يستحقونه من المسافرين والمتوفين والأغنياء، غير أن واقع الأمر ما حدث عكس ذلك، فسقط من جراء تلك العملية ضحايا فقراء مطحونون، حذفتهم الوزارة على الرغم من أن بعضهم لا يجد أموالا لشراء العلاج. 

نحو 14 مليون مواطن هو الرقم النهائى الذى تنوى الوزارة الوصول إليه فى عدد المحذوفين من بطاقات التموين لأنهم لا يستحقون الدعم، بعضهم تم حذفه بالفعل والبعض الآخر ينتظر، واللافت أن بعض من لم يحصلوا على تموين شهر يناير الماضى ــ لا يستحقون الدعم بالفعل، والبعض الآخر فقراء، خاضوا معاناة كبرى مع مكاتب التموين والوزارة لاسترداد حقوقهم وإعادة تشغيل بطاقتهم دون جدوى إلى الآن.. فى السطور التالية تستعرض «الدستور» مآسيهم.

أم عبدالله: «العيشة مُرة.. هى ناقصة كمان يشيلوا الدعم؟»

«أم عبدالله»، سيدة أربعينية، تقطن فى منطقة المعصرة بحلوان، أحد ضحايا الحذف العشوائى، كانت بطاقتها التموينية تضم 5 أفراد، تصرف لهم كل شهر السلع والخبز، إلا أنها فوجئت مطلع يناير الماضى بوقف بطاقتها التموينية لأسباب غير معلومة.

تقول السيدة، لـ«الدستور»، إنها توجهت إلى مخازن صرف التموين يوم 1 يناير، وتلقت مفاجأة بوقف البطاقة الخاصة بالخبز والسلع التموينية، وحذف فردين منها، على الرغم من أن كل أولادها شباب كبار وليسوا أطفالًا صغارًا.

لدى «أم عبدالله» 3 أولاد، فى مراحل تعليم مختلفة، اثنان منهم فى مرحلة التعليم الثانوى، التى تتكلف شهريًا 200 جنيه للدروس الخصوصية، وثالث فى المرحلة الابتدائية، أما زوجها فهو عامل فى مصنع لا يتعدى راتبه الـ1000 جنيه.

تشتكى السيدة قائلة: «من ساعة ما البطاقة اتوقفت واحنا مش عارفين نجيب عيش ولا زيت ولا سكر يكفينا، مابخدش أى سلع مدعمة بقالى شهر، ومفيش أى دخل للأسرة تانى، ومن شهر رمضان مدفعتش فاتورة الكهرباء متكومة عليا عشان مفيش فلوس، يروحوا يشيلوا الدعم كمان».

وتشير إلى أن بقال التموين نصحها بالذهاب لمكتب التموين فى منطقة الزلزال بعين حلوان، وأنها اشترت استمارة بـ5 جنيهات من أمام المكتب وملأتها بالبيانات المطلوبة، كما أمرتها الموظفة، إلا أن المكتب أكد لها فى النهاية أن الأمر ليس فى أيديهم وأن وزارة التموين هى من أوقفت البطاقات وحذفت من تراهم لا يستحقون الدعم.

تضيف السيدة: «دفعت لحد دلوقتى أكتر من 100 جنيه على الورق وموصلتش لحاجة، عملت ورق وشهادات ميلاد بـ20 جنيه، وصور للبطاقات بـ10 جنيه، غير تمن المواصلات اليومية من مكاتب التموين كلها، وفى الآخر راح عليا تموين الشهر ده». تستطرد: «آخر فلوس كانت معايا كنت هعالج بيها أمى فى البلد واتصرفت كلها على الورق والمشاوير ومن غير تموين، العيان عندنا مبقناش نعرف نعالجه فى العيشة المُرة دى، محدش رحمنا مع غلاء الأسعار، كمان مفيش دعم للغلابة».

لكل أزمة سماسرتها، لذلك ينتشر سماسرة مكاتب التموين الذين يستغلون مشاكل الغلابة، يقفون أمام المكاتب بدعوى مساعدة أصحاب المطالب، لكنهم فى الحقيقة يستولون على أموالهم.

الحاج أحمد مرزوق، من أمام مكاتب تموين منطقة الزلزال، كشف عن وجود ما يُسمى سماسرة مكاتب التموين، يظهرون وقت الأزمات وينتشرون حول المكاتب، التى توجه المواطنون إليها لشراء أوراق لا حاجة لهم بها، بدعوى أنها تحل مشاكلهم ويأخذون عليها أموالًا كثيرة.

يقول الرجل: «من ساعة ما الحكومة شالت ناس ووقفت البطاقات وفيه هنا مكاتب تصوير، موظفين التموين بيقولوا للناس خدوا منها استمارات لتجديد البيانات المفروض أنها مجانية، لكنهم بيبيعوها بـ5 جنيهات، وبيملوها بـ5 جنيهات برضو، وبتكون ورقة مصورة بشلن مش مطبوعة، وفى الآخر منعرفش الفلوس دى بتروح فين؟».

واجهت «الدستور» وزارة التموين بتلك الحالات، لكن محمود السيد، مفتش بوزارة التموين، أرجع وقف البطاقات بشكل عشوائى، إلى وجود بيانات مغلوطة أو عدم استكمال المواطنين للبيانات، وفجر «السيد» مفاجأة صادمة لـ«الدستور»، بكشفه عن نية الحكومة خلال الفترة المقبلة إلغاء الدعم عن العمال المهنيين والفنيين الذين تتجاوز دخولهم الـ800 جنيه، وعن الموظف الذى يتجاوز راتبه الـ1500 جنيه.

فوزية «أرملة» بـ«معاش».. و«أبوأحمد».. بائع حلوى «مش قادر يتعالج»

توفى زوجها منذ سنتين، وتركها تواجه صعوبات الحياة وحدها، تحمل على كتفيها طفلين يعانيان معها ظروف الحياة القاسية.. السيدة تدعى «فوزية سعيد» أرملة بمنطقة الأميرية، تقول إن قسوة الحياة اشتدت عليها حين صنفتها وزارة التموين ضمن من لا يستحقون الدعم. اكتشفت «فوزية» الأمر عندما ذهبت مطلع الشهر الماضى لصرف البطاقة، وفاجأها مكتب التموين بتوقفها نهائيًا. تقول: «البطاقة بتاعتى كان عليها فردين، أنا وابنى الأول، والتانى لحد دلوقتى مش عارفة أضيفه، ولما رحت أصرف العيش والزيت قالولى البطاقة موقوفة، أنا ماستحقش الدعم، أما «أبومحمد»، وعلى الرغم من أنه بائع للحلوى فى مترو الأنفاق، ولا يملك أى دخل آخر، إلا أن وزارة التموين رأته لا يستحق الدعم فأوقفت بطاقته، وتلقى صدمة كبرى حين أراد صرف تموين الشهر الماضى من البطاقة الموجود عليها 6 أفراد، ليكتشف أنه تم رفع اسمه من الدعم والتموين. يؤكد الرجل، لـ«الدستور»، أنه قدم جميع الأوراق التى تثبت إعالته 6 أفراد.

موضحاً أنه يعمل باليومية من خلال بيع الحلويات فى المترو، لكن أقصى ما يتحصله فى الشهر 700 جنيه فقط، وليس لديه أى دخل آخر.

عبدالقادر.. كعب داير بين مكاتب التموين
وفى إحدى مناطق مصر المنسية شديدة الفقر، يقطن الحاج «عبدالقادر فراج» الذى تخطى الخمسين من عمره، ويعول 5 أولاد فى مراحل تعليمية مختلفة، يصف أمام عدسة «الدستور» ما حدث بـ«مذبحة للحذف العشوائى»، وخاض هو وجيرانه بمنطقة بولاق الدكرور معركة حامية مع مكاتب التموين.

كان الرجل يصرف مطلع كل شهر بطاقة التموين لـ7 أفراد، يحاول بالكاد أن تكفى أولاده تلك السلع التموينية دون الحاجة لشراء غيرها، إلا أن الوزارة حذفت أربعة منهم، فأصبح يصرف دعمًا لثلاثة أفراد ليقتات منه السبعة شهريًا.

ذهب الرجل الخمسينى إلى مكتب التموين التابع لمنطقته، ليعرف سبب توقف بطاقته، فحوله المكتب إلى وزارة التموين وأخلى مسئوليته عما حدث، فحولته الوزارة إلى مكتب تموين آخر فى الملك الصالح، ليقابل موظفا يُدعى «رأفت»، حوله إلى موظفة تدعى «هند»، التى صدمته بالنهاية المعروفة أن الأمر بيد الوزارة.

تكلف الرجل، الذى لا يملك سوى معاش حكومى 700 جنيه، أموالًا طائلة من تلك الرحلة التى لم تسفر عن شىء سوى هدر أمواله وصحته.

إبراهيم.. بطاقته توقفت من 5 أشهر دون سبب واضح
داخل عقار آيل للسقوط، بمنطقة «روض الفرج» التى دكها الفقر من بابها، وجدنا «أحمد إبراهيم»، مفتشًا فى شركة الكهرباء، حرمته وزارة التموين من دعم الفقراء، بعدما توقفت بطاقته التموينية منذ 5 أشهر إلى الآن بدون سبب. لا يعرف الرجل كيف عال زوجته وأولاده الأربعة خلال تلك الأشهر التى مُنع فيها من صرف البطاقة، يقول لـ«الدستور»: «أنا بقالى سنتين بصرف بالبطاقة سواء تموين أو عيش، من كام شهر رحت أصرف قالوا البطاقة اتوقفت، رحت لمكتب تموين روض الفرج وقالولى إن الأولاد ماضفوش للبطاقة عشان كده اتوقفت». يتعجب «إبراهيم» من مبرر مكتب التموين، إذ إنه يصرف بطاقته التموينية التى تحمل أولاده منذ عامين، فضلًا عن سلامة أوراقه وشهادات ميلادهم.

موظف حكومي: ولادى لا مسافرين ولا ميتين.. ليه يتحذفوا؟

أحمد طارق، موظف حكومى، تبدو على ملامحه علامات البؤس، وصف ما حدث له بـ«طحن الفقراء»، وحكى رحلة معاناته مع بطاقات التموين، بعدما حذفت المكاتب زوجته بدعوى أنها لا تستحق الدعم.

يقول «طارق» إن زوجته الأولى توفيت منذ عامين، وتزوج هو بعدها بفترة قصيرة، وقدم الأوراق المطلوبة لحذف زوجته القديمة وتسجيل الجديدة على بطاقة التموين، وبالفعل شملت البطاقة 7 أشخاص بالزوجة الجديدة وأولاده الخمسة، وظل يصرف الدعم لهم جميعًا منذ سنوات. ويتابع: «فوجئت الشهر اللى فات أن مراتى وتلاتة من الأولاد اتحذفوا من البطاقة من غير سبب، رغم أنهم لا مسافرين ولا ميتين، والمكاتب كلها بتقول إحنا ملناش دعوة وأزمتكم مع الوزارة، جيت أصرف حقى رفضوا يدونى التموين والعيش وقالوا إن البطاقة موقوفة واترفع من عليها الدعم».

«أحمد» ليس سوى موظف حكومى، راتبه لا يتعدى الـ1000 جنيه شهريًا، عليه ديون بلغت نحو 5 آلاف جنيه، وبالرغم من ذلك توقفت بطاقته بدون أسباب معلومة ونصحته مكاتب التموين بالتوجه إلى قسم الشرطة التابع له لتحرير محضر دون أن تحدد له سيكون ضد من؟.

بروتوكول تعاون بين السماسرة والموظفين لـ«مص دم الغلابة»
لكل أزمة سماسرتها، لذلك ينتشر سماسرة مكاتب التموين الذين يستغلون مشاكل الغلابة، يقفون أمام المكاتب بدعوى مساعدة أصحاب المطالب، لكنهم فى الحقيقة يستولون على أموالهم.

الحاج أحمد مرزوق، من أمام مكاتب تموين منطقة الزلزال، كشف عن وجود ما يُسمى سماسرة مكاتب التموين، يظهرون وقت الأزمات وينتشرون حول المكاتب، التى توجه المواطنون إليها لشراء أوراق لا حاجة لهم بها، بدعوى أنها تحل مشاكلهم ويأخذون عليها أموالًا كثيرة.

يقول الرجل: «من ساعة ما الحكومة شالت ناس ووقفت البطاقات وفيه هنا مكاتب تصوير، موظفين التموين بيقولوا للناس خدوا منها استمارات لتجديد البيانات المفروض أنها مجانية، لكنهم بيبيعوها بـ5 جنيهات، وبيملوها بـ5 جنيهات برضو، وبتكون ورقة مصورة بشلن مش مطبوعة، وفى الآخر منعرفش الفلوس دى بتروح فين؟».

واجهت «الدستور» وزارة التموين بتلك الحالات، لكن محمود السيد، مفتش بوزارة التموين، أرجع وقف البطاقات بشكل عشوائى، إلى وجود بيانات مغلوطة أو عدم استكمال المواطنين للبيانات، وفجر «السيد» مفاجأة صادمة لـ«الدستور»، بكشفه عن نية الحكومة خلال الفترة المقبلة إلغاء الدعم عن العمال المهنيين والفنيين الذين تتجاوز دخولهم الـ800 جنيه، وعن الموظف الذى يتجاوز راتبه الـ1500 جنيه.

«الغرف التجارية» تدافع و«مواطنون ضد الغلاء»: العملية شابتها أخطاء

«عماد عابدين»، رئيس لجنة التموين بالغرف التجارية، يؤكد أن عملية التنقية تمت بحذر ودقة شديدين، وأشرفت عليها القوات المسلحة ووزارة التموين، نافيًا -رغم رصدنا حالات بعينها- أن يكون تم رفع الدعم على أصحاب المعاشات، أو موظفى الدخول القليلة.

ويوضح لـ«الدستور» أن وزارة التموين تجرى مراجعة شاملة كل 3 سنوات توثق فيها من يستحق الدعم، وتقوم بعمل حصر آخر كامل كل عام للتأكد من صحة البيانات، وإذا حدث خطأ يتم اكتشافه، ولا يمكن أن تخطئ الوزارة فى المراجعة الثلث سنوية والحصر السنوى.

أما محمود العسقلانى، رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، فله رأى آخر، وهو أن وزراة التموين قامت بنوع من التنقية الجزافية التى شابتها أخطاء كثيرة طالت الفقراء ومستحقى الدعم، على الرغم من إعلانها فى البداية أن عملية التنقية ستشمل المتوفين والمسافرين فقط.

ويؤكد فى تصريحات لـ«الدستور»، أن الجمعية تلقت شكاوى عدة من مواطنين فقراء يستغيثون بسبب وقف صرف بطاقاتهم التموينية وحذف الكثير من عليها، بالرغم من أن رواتبهم ومعاشاتهم لا تتجاوز الـ700 جنيه، فكيف تراهم الوزراة غير مستحقين للدعم؟.

وانتقد نجيب جبرائيل رئيس منظمة الاتحاد المصرى لحقوق الإنسان فى تصريح خاص لـ«الدستور» شرط الوزارة فى رفع الدعم عن كل من يتلقى دخلًا قدره 1500 جنيه، مؤكدًا أنه ليس راتبًا مع غلاء الأسعار، وكان لابد من البدء بشطب المواطنين ممن تبدأ دخولهم بحد أدنى 3 آلاف جنيه، معتبرًا أن عملية التنقية تمت بعشوائية شديدة، ولم تلتزم الوزارة بالمعايير التى أعلنتها.
مصدر الخبر
الدستور

أخبار متعلقة