منذ أن كتب رفاعة الطهطاوى فى 1834 كتابه الشهير «تخليص الإبريز فى تلخيص باريس»، لم ينقطع سيل المساهمين بإجابات مختلفة عن السؤال نفسه الذى أثاره الطهطاوى: ما الذى يجب أن نفعله إزاء هذا الاختلاف الشاسع (بل هذا التضاد) بين ثقافتنا.. التى اعتبرت أنها تنتمى إلى ثقافة «الشرق».. وثقافة «الغرب»؟ ظل السؤال يطرح المرة بعد المرة، والإجابات تتوالي، لكنها تنحصر فى ثلاثة مواقف: الرفض التام.. فى سبيل المحافظة على الهوية، والتبنى الكامل لحضارة الغرب.. حتى لا يفوتنا قطار الحداثة، أو محاولة التوفيق بين الموقفين بأخذ ما يصلح ورفض ما لا يصلح، دون بذل جهد كبير فى بيان ما يصلح وما لا يصلح.
تكررت إثارة السؤال وتقديم الإجابات حتى شكا البعض من أن مثقفينا لم يكفوا لمدة تقرب من قرن ونصف قرن، عن إثارة سؤال واحد دون أى تقدم يذكر فى الحصول عل إجابة شافية، لكن مما يدعو إلى بعض الدهشة أن شيئا آخر قد حدث خلال السنوات العشرين الماضية، أى مع اقتراب القرن الحادى والعشرين، وهو أن مثقفينا بدوا وكأنهم قد قرروا الكف عن إثارة هذا السؤال أصلا، السؤال نادرا ما تصادفه الآن فى وسائل الإعلام، ومثقفونا لا يبدون ترحيبا بإثارته، فما السبب يا تري؟ لا يمكن أن يكون السبب هو مجرد السأم، فلماذا يعترينا السأم فجأة من سؤال لم ننقطع عن إثارته لمدة قرن ونصف قرن؟ الأرجح أن شيئا قد حدث لعلاقتنا بالغرب جعل السؤال أقل أهمية مما كان، أو جعل الإجابة واضحة لا تحتاج إلى إثارة السؤال. لقد ظل النقاش محتدما على الأقل حتى نهاية الخمسينيات من القرن العشرين، وكان المنتصرون للأخذ بالحضارة الغربية متربعين على عرش الثقافة المصرية، ووسائل الإعلام، كما عبر عنهم طه حسين فى عبارته الحاسمة فى أواخر الثلاثينيات، التى دعا فيها إلى الأخذ بكل ما فى هذه الحضارة «ما يحمد منها وما يعاب»، وهو الاتجاه الذى رفع لواءه فى أوائل القرن قاسم أمين، وأحمد لطفى السيد، لكن الاتجاه المضاد كان له أيضا مؤيدوه المتحمسون، وعلى رأسهم سيد قطب، الذى نشر فى منتصف القرن كتابا شبّه فيه أخذنا من حضارة الغرب «بالجاهلية»، مما انتهى بصدام حاد بين أنصاره والدولة فى الستينيات، انتصرت سياسة التغريب فى السبعينيات فى ظل حكم السادات، ثم جاءت الأعوام الثلاثون التى حكم فيها مبارك فخفتت خلالها بشدة حدة العراك، لكن بدا أن تيار التغريب هو الذى انتصر خلالها دون الدخول فى معركة فكرية صريحة مع أنصار المحافظة على الهوية، نعم.. لقد اشتدت حدة الصراع الدموى بين الفريقين خلال عهد مبارك، لكن المواجهة الفكرية لم تستعد قط ما كان لها من زخم طوال النصف الأول من القرن.
يبدو أن طه حسين عندما قال عبارته الشهيرة منذ ثمانين عاما عن أخذ كل شيء من الغرب، لم يكن فقط يعبر عن رأيه فيما يجب أن نفعل، بل كان أيضا يعبر عن توقعه لما لابد أن يحدث، وأظن أنه فى هذا لم يبعد كثيرا عن الحقيقة. إن التغريب لم يكن نتيجة اختبار من جانبنا بتبنى ثقافة مغايرة، بل كان فى الحقيقة اكتساحا من جانب حضارة قوية ونشيطة، لثقافات وحضارات راكدة أو بطيئة الحركة. إن القوة والنشاط فى هذا الأمر لا يعنى بالضرورة أفضلية ثقافة على أخري، بل قد لا يعنى أكثر من قدرة أكبر على الاجتياح والانتشار فتقوم حضارة أو ثقافة قوية ونشيطة باكتساح ثقافات (أو حضارات) راكدة أو خاملة.
قد يكون هذا إذن هو التفسير الحقيقى لاختفاء ـ أو على الأقل ـ انزواء قضية الشرق والغرب فى خطابنا الثقافى الراهن، بل وقد يصلح هذا أيضا كتفسير لتحول الخلاف الفكرى إلى خلاف من نوع آخر، وصل للأسف إلى حد استخدام العنف والقتل، (فالفعل المادى كثيرا ما يكون البديل الوحيد لمواجهة الخصم إذا تعذرت المواجهة الفكرية). إن نجاح الحضارة الغربية الحديثة فى اكتساح ثقافات العالم الأخرى قد يكون النتيجة الحتمية لقدرة التكنولوجيا الغربية الحديثة على اكتساح التكنولوجيا الأقدم، لمجرد إشباع الحاجات الإنسانية أسهل بتطبيق التكنولوجيا الأحدث منه باتباع التكنولوجيا الأقدم، مثلما اكتسحت السيارة الخاصة الوسائل الأخرى الأقل سهولة، كالدراجة، أو وسائل المواصلات العامة، كل ما هنالك أن استخدام التكنولوجيا الحديثة تصحبه مواقف نفسية، وعادات اجتماعية هى التى توصف عادة بـ «نمط الحياة الحديثة»، فإذا بالغزو التكنولوجى يقترن فى الوقت نفسه بغزو ثقافى وفكري، وتاريخ التطور الاجتماعى فى مصر يشهد ـ كما يشهد فى غيرها من البلاد ـ على صحة هذا الاستخلاص: غزو الحضارة الغربية للحضارات الأخرى فى مختلف بلاد العالم، إنما تم عن طريق اكتساح التكنولوجيا الغربية للتكنولوجيا الأقل تقدما، والتى كانت سائدة فى البلاد الأخري، وقد كان هذا الاكتساح التكنولوجى حتميا، أو شبه حتمى (لأسباب تتعلق بضعف الإنسان إزاء كل ما يجعل حياته أسهل، أو يتطلب جهدا أقل لإشباع حاجاته)، ومن ثم صارت مظاهر الاكتساح الأخرى شبه حتمية أيضا. إن قصة التطور الاجتماعى فى مصر خلال القرن العشرين يمكن أن تروى وكأنها قصة الاقتباس المتتالى للتكنولوجيا الغربية، مع ما استتبعه ذلك من اقتباس عادات وأفكار تقترن بهذه التكنولوجيا، ومن ثم يجب ألا نستغرب أن يحل الوقت الذى تنتهى فيه هذه القصة (أو تقترب من نهايتها) إذا بدا وكأن الاقتباس التكنولوجى قد أوشك أن ينتهي، أو على الأقل أن تنتهى مرحلة مهمة منه. فلنقارن حالة مصر الآن بحالتها فى مطلع القرن العشرين، فى جوانب مختلفة من الحياة الاجتماعية، ووسائل المواصلات، إلى أساليب البناء ومد الطرق، إلى سياسة التعليم، إلى السياسة الاقتصادية التى يجرى تطبيقها، إلى نمط الإعلام وما تنشره الصحف، وما تبثه الإذاعة ثم التليفزيون... إلخ، نجد أن تيار التغريب قد اكتسح كل شيء (أيا كان حكمنا عليه بأنه كان صالحا أو غير صالح، أفضل أو أسوأ مما كنا عليه من قبل)، وعندما بلغ السيل الزبي، ولم يعد هناك مجال لاقتباس المزيد (إلا فيما ندر أو قلت أهميته)، أصبحت الظاهرة نفسها لا تستلفت النظر بالدرجة التى كانت تستلفتها منذ مائة عام، ومن ثم لم تعد تثير اهتمام المفكرين والمثقفين كما كانت تثيره فى بداية عهد التغريب، لم يعد غريبا أن تنحسر قضية الشرق والغرب، وأن تفقد المفارقة جاذبيتها، فتكاد تختفى كموضوع للمناقشة.
قد يأسف البعض لما حدث، وقد يبتهج له آخرون، لكن الحقيقة المؤكدة، فيما يبدو لي، أن القضية التى أثارت اهتمام وحماس رجل مثل غاندى أو طاغور منذ مائة عام، لم تعد تثار الآن، ليس لأنها فقدت أهميتها، بل لأنها انتهت بالانتصار الساحق لأحد الطرفين.
ماذا حدث لقضية الشرق والغرب؟
مصدر الخبر
الأهرام