مساء الإثنين الماضى ركبت قطار السكة الحديد من رمسيس إلى أسيوط. وبعد محطة المنيا بقليل اندلع حوار أقرب إلى المونولوج بين ستة أشخاص كانوا يجلسون أمامى حول خسارة المنتخب الكروى لنهائى بطولة الأمم الإفريقية أمام منتخب الكاميرون. استمعت إلى الحوار لأن صوت الجالسين كان عاليا بصورة واضحة، ولأن أحدهم قال إنه فرح بهزيمة المنتخب فى المباراة، وحجته أن «الحكومة كانت ستعطى كل لاعب اتنين مليون جنيه واحنا مش لاقيين ناكل».
لا أعرف من أين حصل الرجل على هذه المعلومة، وأغلب الظن أنه خلط بين مكافأة الفوز التى يقدمها الاتحاد الإفريقى للفريق الفائز، ونصفها تقريبا لصاحب المركز الثانى، وبين أن الحكومة ستعطى كل لاعب مليونى جنيه. الخطير أن الخمسة الباقين صدقوا على كلامه، وبدأوا يزايدون عليه فى اتجاه القلة القليلة التى تأخذ كل شىء والغلابة الكثيرين المحرومين من كل شىء.
ووسط الحوار كان يمكنك أن تستمع إلى اشياء غريبة فى تحليل سبب خسارتنا للمباراة، ومنها مثلا ابتعادنا عن الله، وانهيار الأخلاق فى المجتمع، وأحدهم استشهد بأنه رأى أثناء مشاهدته المباراة فى إحدى كافتيريات مدينة أكتوبر سيدة تدخن الشيشة وبجوارها زوجها. وعندما حكى الرجل هذه الحكاية همهم الجميع قائلين: «يا ألطاف الله.. نحن نستحق ما يحدث لنا وأكثر!!».
وظل الحوار يدور فى نفس الاتجاه الذى يربط أو يخلط بين الفقر والفشل والابتعاد عن الله، لكن الجزء الحقيقى فيه كان دلك الذى يدور حول الفقر والهموم المعيشية الناتجة عن ارتفاع الأسعار.
فى هذا الحوار الذى استمعت له عنوة كانت معظم الآراء مبنية على معلومات خاطئة، وبعضها من محض الخيال، أو مما يتردد فى مواقع إخوانية. وبالتالى فإن السؤال الذى شغلنى أكثر هو: ما هى المعلومات التى تجعل هؤلاء الأشخاص يكونون وجهات نظرهم، ومن أين يحصلون عليها؟!.
من الواضح أنهم لا يعتمدون كثيرا على مصادر المعلومات التقليدية من صحف وفضائيات أو حتى وسائل التواصل الاجتماعى.
دليلى على ذلك هو حوارهم المونولوجى، ثم النقاشات التى دارت بينى وبين نماذج مختلفة قابلتها خلال رحلة زيارة خاطفة استمرت يومين. غالبية الناس صارت معلوماتها سماعية، وانتقائية، بمعنى أنك تختار ما يناسب هواك، سواء كنت مؤيدا للحكومة أو معارضا لها. سألت بعضا ممن قابلتهم: من أين تحصلون على معلوماتكم؟! وفهمت أنهم يعتمدون على الأصدقاء والمعارف والجلسات التقليدية، فى المعلومات التى تخص الشأن العام والحكومة والدولة والرئيس والمعارضة.
أكثر مِن نصف مَن قابلتهم فى الزيارة صار معارضا للحكومة. ما أقوله مجرد مشاهدات وليس استطلاع رأى علميا، وأسارع إلى القول بأنهم جميعا لا صلة لهم بجماعة الإخوان من قريب أو بعيد، بل إن بعضهم كان معارضا شرسا للجماعة فى عز عنفوانها قبل 30 يونيه 2013. العامل الأساسى فى تحول هؤلاء هو الأزمة الاقتصادية الخانقة التى تتجلى ملامحها ومظاهرها وآثارها بقوة فى الصعيد خصوصا أسيوط.
لست معنيا فى هذه السطور بمن يؤيد أو يعارض، بل غياب الحكومة الكامل وكل أجهزتها المحلية عن الوصول إلى الناس. أتمنى أن يغتنم الجميع فرصة الانتخابات المحلية المقبلة، لكى يرشح شخصيات حقيقية من قلب المجتمع، وليست مصنوعة لكى نقلل الفجوة الآخذة فى الاتساع بين القاهرة والصعيد. نرى وسائل إعلام كثيرة ومنها فضائيات جديدة، لكن معظمها يعمل على نفس الجمهور المحصور فى القاهرة، والإسكندرية. لا أعرف لماذا لا ينزل الإعلام إلى الناس فى الصعيد ويسمع منهم مباشرة ويناقشهم وينقل همومهم، فربما تشعر الحكومة بأن هناك شعبا من السكان الأصليين للبلاد يعيش فى هذه المناطق، ووقتها قد تعدل وتغير بعض سياساتها، بدلا من أن تستيقظ فجأة على زلازل وبراكين اجتماعية مدمرة تلوح نذرها فى أكثر من مكان.