الأحد 5 يوليه 2026 — القاهرة

وماذا بعد..؟ من الشكوى إلى القرار مسئولية القيادة السياسية

وماذا بعد..؟ من الشكوى إلى القرار مسئولية القيادة السياسية

خرج المصريون إلى الشوارع يحملون أعلام بلدهم على مدى أسبوعين يتنقلون ما بين المقاهى والكافيهات يحملون الأمل فى كأس الأمم الإفريقية بعد أن صعد منتخبنا الوطنى بطموحات المجتمع إلى السماء ومعها عادت حالة الوطنية المصرية إلى أيامها التى كنا نظن أنها لن تأتى من جديد تحت وطأة ما نراه منذ الفوضى السياسية التى شهدناها عقب ثورة 25 يناير إلى اليوم من تشويه وتدمير للعقل المصرى على منصات التواصل الاجتماعى وعمدا من جانب جماعات تريد إنهاء مشروع الوطنية لمصلحة مشروعات فوضوية تريد القفز على مكتسبات السنوات القليلة الماضية والتى أنعشت الانتماء فى بدايات ثورة يناير ثم توارى الشعور تدريجيا بعد صراع سياسى بين أطراف انتهازية أراد طرف منها خطف هوية المجتمع لمصلحة جماعة دينية، وأراد البعض الآخر أن يعيد دورة المجتمع إلى أيام الحكم السابق بكل المساوئ التى صبغت تلك الفترة المشئومة.

وبعد أن نسجت جماعة متطرفة خيوطها على مقدرات المجتمع بأدوات الساسة والسياسة خرج المصريون من جديد يصوبون المسار ويعيدون المجتمع إلى منهج الاعتدال ويأملون فى تصويب مسار أشياء كثيرة أولها العدالة الاجتماعية وتحسين جودة الحياة ومنح الجميع فرصا متساوية فى التعليم والخدمة الصحية والتوظيف وفى غيرها من المجالات.

لقد رأينا جميعا أجيالا من المصريين يعانقون الوطن فى شوارعه ويتناسون الأحوال المعيشية الصعبة ويخطون بالآمال العريضة متعلقين بفريق كرة القدم الذى ارتقى إلى حجم المسئولية رغم عدم التعويل فى البداية على وصوله إلى الأدوار المتقدمة فى البطولة القارية.. حجم إنجاز من النوع السابق هو ما منح المصريين قدرة على الحلم.. بالقدر نفسه تحلم قطاعات عريضة أن نرتقى فى السياسة إلى مستوى الإنجاز فى كرة القدم وإلى مايحقق الاصطفاف الوطنى المطلوب.. ولعل كلمات المصريين على مواقع التواصل الاجتماعى ليلة المباراة كانت كاشفة عن تلك الرغبة الجامحة فى الوصول إلى الإنجاز الأهم بالتفوق فى التنمية وفى العلم والتعليم وأن نكون الأوائل فى الارتقاء بالإنسان.

دعونا نعترف بأنه ليست كل الأمور على ما يرام فيما يتعلق بالإصلاح المؤسسى وضبط حركة المجتمع حتى تتحقق أهداف ثورتى 25 يناير و30 يونيو، فما نراه اليوم من تدهور فى لغة السياسيين والمسئولين وبحث الكثيرين منهم عن «كبش فداء» دائم لقراراتهم وتخبطهم والتباطؤ وعدم الحسم فى ملفات تتعلق بحياة الناس ومصائرهم ومستقبلهم ــ هو خصم من رصيد القيادة السياسية التى تمنح كبار المسئولين الفرصة تلو الأخرى حتى يتحلوا بقدر أعلى من المسئولية فى التعامل مع القضايا العامة التى تحتاج إلى جراءة ومهارة فى التناول ربما تفوق بكثير ما كان عليه الحال فى أزمنة سابقة.



هناك مؤشرات على أن مسار التحديث وبناء دولة عصرية خرجنا من أجلها في 30 يونيو ليس على مايرام لأن المسألة ليست فقط في تقويم الاقتصاد أو تحقيق التوازن المالي أو ضبط الإنفاق من أجل دفع المجتمع إلى الأمام. فما أرادته الأغلبية وفي مقدمتهم من خرجوا بالملايين في 26 يوليو 2013 لتفويض وزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي - قبل دعوته لمسئولية الرئاسة - هو ثورة تحديث شاملة في مؤسسات الدولة المصرية وفي مقدمتها مؤسسة التعليم والتنشئة والتربية والإعلام والمؤسسات الدينية والجهاز التنفيذي للدولة بعد أن ضرب العقم والخمول وتصفية الحسابات تلك المؤسسات.

الرئيس قالها مرارا إن الفساد ليس فقط سرقة الأموال ولكنه أشياء أخرى تعطل المجتمع عن التقدم، منها التراخي في تحمل المسئولية وإهدار الوقت والجهد وغياب المحاسبة ضمن عوامل أخرى....

ولو طبقنا ما نراه اليوم من تراجع في الدفع في اتجاه ثورة دينية وثقافية شاملة في المجتمع سنجد مظاهر عدة آخرها ما جرى في هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف قبل أيام ردا على دعوة الرئيس بتوثيق الطلاق الشفهي كمرجعية في إتمام الطلاق حفاظا على تماسك الأسر المصرية بعد زيادة مطردة في حالات الطلاق والمشكلات التي تترتب على الطلاق الشفهي في ظل تعقيدات الزمن الحاضر، لكن هيئة كبار العلماء لم يعجبها اجتهاد رئيس يتحدث عما يمكن أن يكون في الصالح العام فخرجت ببيان يشير إلى أن تلك ثوابت لا يمكن الخروج عليها! هذا هو المشهد في أجل صوره.. فلا الرئيس يقصد شرا بصحيح الدين ولا هؤلاء المشايخ الكرام هم حراس العقيدة.. أين كان المشايخ الأفاضل من انتشار الأفكار القطبية التكفيرية ومايسمي بـ «الفكر الجهادي المشئوم» بينما انتفضوا ضد الرئيس وحده في تفصيلة تتعلق بالحفاظ على الأسرة المسلمة وصونا لكرامة الزوجة واحتراما لعلاقة زوجية يجب أن تنتهي بما يحفظ حقوق الطرف الآخر.

هناك وجه مدني للدولة يجب أن يدفع رأس الدولة في اتجاهه ما استطاع إليه سبيلا وألا يترك النقاش المجتمعي يذهب تارة في اتجاه اليمين وتارة في اتجاه اليسار وفي كل مرة يكتشف الرأي العام صمت مؤسسة الحكم في مواجهة أصحاب الفكر الجامد في مؤسسات بالدولة, فالسلوك الجماعي في تلك المؤسسات يغلب الجمود والمصلحة الخاصة علي دعم التوجه نحو مراجعة للسياسات والأفكار.

وفي بعض المؤسسات مسئولون اتخذوا عاملين فيها أو متعاملين معها رهائن ويقومون بعرقلة التوجهات الخاصة بتطوير الأداء والشفافية والمحاسبة بينما لسان حال الرئيس يقول لهم: تعبتوني!

ينطبق الأمر نفسه على «الصمت» في مواجهة أصحاب النفوذ أو «المتنفذين» ممن يرهنون مصائر الناس لمصالحهم الخاصة ومنهم نواب في البرلمان ووزراء وجمعيات رجال أعمال ومسئولون حكوميون... في قضية ضبط الأسعار، المثل الواضح عما أقول. فهناك من أعطي تقييما بترك الأمر لقانون العرض والطلب ثم توفير السلع الأساسية وبعد شهور لم يتغير الوضع كثيرا بينما الرأي العام يتحدث عمن يثرون من وراء التلاعب في الأسعار بتكديس السلع في مخازنهم بينما المواطن البسيط يشعر بغياب الدولة عن حمايته... الرقابة الإدارية تقوم بجهد غير عادي ولكنها لا يمكنها وحدها رغم كل ما تضبطه كل يوم من مواجهة طوفان الجشع والطمع الساري في شرايين المجتمع المصري.

وحدها القيادة السياسية هي التي تستطيع توجيه البوصلة في اتجاهات جديدة بعد أن تبين أن قوي الاستغلال والمتاجرة بقوت الشعب لا ترتدع ولن تتوقف عن أفعالها لأنها تعلم أن العدالة وتطبيق القانون يتأخران دائما عن معاقبة المخطئين في حق المصلحة العامة نتيجة البطء في التقاضي... الأمر نفسه ينطبق علي طريقة التعاطي مع أزمة أسعار الدواء حيث تركت الساحة لكل صاحب مصلحة يهدد ويتوعد ويمنع الأدوية عن المرضي تحت زعم مصلحة المرضي بينما هم غارقون في المصالح الخاصة التي يجني البعض من ورائها الملايين يومياً ودون أن تتحرك الدولة لوقف المهزلة المستمرة!

من الأمثلة الحاضرة مسألة التدخل لتنظيم الإعلام والتي كان من المفترض الانتهاء منها فور تولي الرئيس السلطة قبل ثلاثة أعوام، وساد الارتباك المشهد وتصدرت صورة عن فشل الإعلام العام، صحافة وإعلام مرئي ومسموع، علي الرغم من تعالي الأصوات المطالبة بضبط حركة الإعلام طوال تلك الفترة وإصدار قانون يحمي المجتمع من مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي بالتدخل بالتنظيم وليس المنع أو الرقابة. وكانت النتيجة هى التقليل المستمر من جانب جماعات مصالح من أهمية الإعلام العام وهي واحدة من أعاجيب ما يحدث، حيث لا توجد سابقة عن دولة بحجم مصر في عصر الإعلام المفتوح والحديث تتخلي عن الإعلام العام بالطريقة التي نشهدها اليوم. ففي بريطانيا والولايات المتحدة وروسيا والصين الكل يختلف في التوجهات السياسية وأساليب الحكم لكنهم يتفقون علي قيمة الإعلام المملوك للشعب، خاصة التليفزيون والإذاعة في غرب أوروبا، لأنه يلعب دورا في تشكيل وعي الأمة وتثقيفها وتعليمها بعيدا عن الأغراض التجارية الطابع... لقد وصل الأمر إلي الإضرار بالمصالح العليا للدولة في حالات كثيرة ومنها العلاقات الاقتصادية مع دول صديقة ودول جوار بسبب الانفلات الإعلامي وخروج مواقع التواصل عن السيطرة في انفلات أخلاقي غير عادي. كما لو كان لسان حال الدولة يقول من يرد أن يأخذ حقه فعليه باستخدام القوة أو يده بعد أن غابت أو تم تغييب قواعد المحاسبة وتطبيق القانون...

من يتخلى عن دور الإعلام العام اليوم.. عليه أن ينتظر اليوم الذي تؤيد فيه جماعات المصالح آخرين لأسباب تتعلق بمصالحها غداً!

....

نقول مرة أخري…

في ضوء تجارب الشهور الثلاثين الأخيرة بعد تولي الرئيس السلطة، يحتاج ما يجري لتقييم وتقويم علي أرض الواقع من أجل أن نشير إلي مواضع الخطأ في الفترة الماضية والتي تفاقم بعضها حتي وصلت رسالة إلي نسبة لا يستهان بها من المصريين أن هناك تخاذلا وتباطؤا في مواجهة مشكلات كثيرة من بينها أزمة الإعلام, وأزمة سعر صرف الدولار, وأزمة زيادة أسعار السلع الأساسية... في وقت ينظر المجتمع المصري إلي «سلطة الرئيس» علي أنها القادرة علي اختراق المشكلات والأزمات الصعبة وهي مسألة لا تتعارض مع الفصل بين السلطات او قيام السلطة التشريعية والقضائية بدورها المنشود في مواجهة القضايا الكبري لكن تعقيدات الحياة السياسية والقضايا الداخلية والخارجية تدفع بنا إلي الإشارة إلي تدخلات رئاسات في دول أخري في مناطق الألغام بحسم وقوة مثلما يجري في روسيا وفي تركيا وغيرهما من الدول التي يلعب الرؤساء فيها الدور الرئيسي في توجيه حركة المجتمع بصرامة شديدة وصلت إلي حد الدفع بتعديلات دستورية تمنح الرئيس صلاحيات أوسع. ونقول صراحة إن هناك حاجة ملحة لمواقف قاطعة وصارمة في مصر تتوافق مع التحديات الراهنة ولا تترك الباب للجدل والاجتهادات العقيمة التي تكلفنا أثمانا فادحة وتبعدنا عن الوصول إلي ما ندفع في اتجاهه في السنوات الثلاث الأخيرة!

....
سيادة الرئيس ..

نحن مع حسم المواقف في كل قضايا العمل الوطني لأن الشعب يضع ثقته في شخصك قبل أي أحد آخر..
مصدر الخبر
الأهرام

أخبار متعلقة