لم يكن يتخيل الحاج محمد السعيد الذي كان يملك مطبعة بها 15 فردًا ما بين صنايعي وعامل، أن يصل به الحال إلى أن يكون عاطلاً، وأن يطرد أشخاصًا منهم من تربى وترعرع في المكان الذي يفوق عمره الـ 40 عامًا.
حال الرجل الستيني، لم يختلف عن كثير من المصريين الذين عانوا خلال الـ 100 يوم الماضية من أوضاع اقتصادية، يعتبرها البعض الأكثر قسوة في السنوات الماضية، منذ قرار البنك المركزي تحرير سعر الصرف في 3 نوفمبر الماضي الذي نال من كافة القطاعات.
كغيرهم من المستثمرين وأصحاب الأعمال في مصر، يواجه أصحاب دور النشر والمطابع أزمة حقيقية مؤخرًا، وذلك بسبب ارتفاع أسعار جميع مستلزمات الطباعة من ورق وأحبار وغراء الذى يستخدم فى التغليف، وجميع المستلزمات التى تدخل ضمن صناعة الكتاب.
أزمة صناعة الورق بدت جلية في "معرض القاهرة الدولى للكتاب" في دورته الـ48، إذ انعكست آثارها على القوة الشرائية وأسعار الكتب التي ارتفعت بشكل جنونى.
"مصر العربية" حاولت خلال التقرير معرفة مدى تأثير القرار على المطابع التي يواجه أغلبها شبح الإغلاق، ودور النشر التي أحدثت فروق الأسعار خسائر فادحة لأصحابها.
إغلاق وتسريح عمالة
أحمد سمير، صاحب مطبعة في منطقة دار السلام، قال إن قرار تعويم الجنيه أثر بشكل كبير على أسعار الخامات، ورفع أسعارها بشكل كبير جدًا، مشيرًا إلى أن بعضها اختفى من السوق بسبب ارتفاع أسعارها وعدم قدرة المستوردين على مجاراة الأسعار الجديدة.
وأضاف، في تصريحات لـ"مصر العربية": "توقفنا فترة كبيرة عن العمل بسبب الخامات".
وأوضح أن رزمة الورق كان يتراوح سعرها من 160 لـ 180 جنيهًا، قبل قرار تحرير سعر الصرف، والآن وصلت لـ 280 جنيهًا، وما زالت الزيادة مستمرة، فالأحبار مثلًا ارتفعت أسعارها لأكثر من 50 % للمرة الثانية في فترة وجيزة جدًا.
وتابع: "مطابع كتير قفلت في المنطقة بسبب ارتفاع الأسعار، وصاحب المكان مش قادر يغطي التكاليف".
وأشار إلى أنه عمِل هذا العام بدون هامش ربح كالأعوام السابقة، وأن هامش الربح إن وجد فهو ضعيف جدًا، قائلا: "مقدرتش أزود أجور العمّال لأني مش بكسب، وعلى الرغم من ارتفاع الأسعار، إلا أن العمال يتقاضون نفس الرواتب القديمة".
تقليل العمالة
صلاح أحمد عصام، فني طباعة بإحدى المطابع بمنطقة دار السلام، قال لـ"مصر العربية": "إحنا تعبانين وكل حاجة سعرها ارتفع، الخامات والورق والأحبار ، والعمالة ساعات بتيجي وبنرجعها، والشغل بيقف بالأيام عشان مش لاقيين خامات ولو موجودة قلة الشغل بيها أفضل بسبب أسعارها".
جمال فرحات، صاحب مطابع العبد، أكد أنّه لجأ إلى تقليل حجم العمالة في المطابع لتقليل حجم الخسائر بعد الزيادة الكبيرة على جميع الخامات المستخدمة في الطباعة، قائلًا: "بنكلم التجار يقولونا استنوا الأسعار هتزيد بعد ربع ساعة".
"بيتي اتخرب"
من جانبه، قال الحاج محمد السعيد، صاحب إحدى المطابع بمنطقة شبرا الخيمة: "بيتي اتخرب خلاص بعد تعويم الجنيه، اضطريت أبيع المكن اللي عندي بنص الثمن والعمال مشيتهم لأني مش هقدر أدفع مرتباتهم".
وأضاف لـ"مصر العربية": "كل العقود اللي كنت ملتزم بيها مقدرتش أكملها، الأسعار رفعت 250 %، يعني طن الورق اللي كان بـ 7000 وصل لـ 20.000 في يوم وليلة، طب ازاي هكمل شغل وهنجيب فلوس منين".
وتابع: "أنا عندي 60 سنة دلوقتي، مش هقدر اشتغل صنايعي أو عامل تاني، وفي نفس الوقت مش هقدر أرجع السوق في ظل ارتفاع الأسعار بهذا الشكل، أنا دلوقتي قاعد في البيت وولادي ربنا يكرمهم بيصرفوا علينا بعد 40 سنة بين الورق والمكن".

صناعة الكتب
يحيى هاشم، المدير التنفيذي لدار "النشر والتوزيع المصري"، قال إن صناعة الكتب تأثرت بشكل كلي بعد قرار تعويم الجنيه، والارتفاع الهائل في أسعار الخامات والورق بشكل خاص، ووصف تعويم الجنيه بـ"الكارثة التي دمرت صناعة الطباعة والنشر".
وأضاف لـ"مصر العربية": "مهددون باندثار الصناعة بعد أن لجأ الكثير من دور النشر إلى تقليل إصداراتها السنوية ورفع أسعار الكتب لتفادي حدوث خسائر".
ولفت "هاشم" إلى أن دور النشر كانت لديها تعاقدات سنوية، وبعد التعويم تضاعفت التكلفة وتحملت هي الخسائر لكونها مسؤولة عن تنفيذ وعودها للمتعاقدين.
وأوضح أن أكثر ما يتمناه صاحب أي دار نشر في العام الجاري، هو تغطية المصاريف بدون أي هامش ربح، وتوقف الخسائر لتفادي الإغلاق.
وتابع: "معظم دور النشر لجأت لتقليل إصداراتها، إذ أن الزيادة في أسعار الكتب تخطت الـ 50% مقارنة بالعام الماضي".
بدورها، قالت آية عفيفي، المدير التنفيذي لموقع "دار الكتب"، إن جميع دور النشر في مصر تأثرت بعد قرار الحكومة بتعويم الجنيه، مشيرة إلى أن أسعار المواد الخام كاملة تضاعفت، فضلًا عن زيادة سعر الورق بنسبة تقترب من 150%.
وأضافت "عفيفي"، في حديثها لـ"مصر العربية"، أن "الزيادة التي نتحدث عنها، ظهرت في سعر الكتاب الذي يتحمله المواطن"، مؤكدة أنّ القوة الشرائية على الكتب في معرض الكتاب هذا العام انخفضت عن 2016 بنسبة 50% رغم العروض والتخفيضات المقدمة على الأسعار.
واتفقت معها في الرأي، نيفين التهامي، المدير التنفيذي لدار النشر "كيان"، مشيرة إلى أن معظم دور النشر لجأت إلى تقليل عدد إصداراتها بعد الزيادة الكبيرة في أسعار الورق.
ولفتت إلى أن طن الورق ارتفع سعره من 7 آلاف جنيه إلى 20 ألف جنيه، وأكدت أنّ دور نشر تعمل هذا العام بدون أرباح، وأضافت: "أي زيادة جديدة في الأسعار سيتبعها غلق لكثير من دور النشر".
غرفة الصناعة والنشر
خالد عبده، رئيس غرفة صناعات الطباعة باتحاد الصناعات المصرية، قال إن القطاع تأثر ككافة القطاعات الأخرى، لكن التأثر في الطباعة كان أكبر بسبب أن معظم الخامات الخاصة بالطباعة تستورد من الخارج.
وأوضح "عبده" في تصريحات لـ"مصر العربية" أن غرفة الطباعة، طالبت بتدخل الحكومة لحل الأزمة، خاصة بعد غلق كثير من المطابع، مضيفًا: "الحل الأساسي يكون بإنشاء مصانع للمواد الخام الخاصة بالطباعة على رأسها الورق".
وتحدّث رئيس غرفة صناعات الطباعة باتحاد الصناعات المصرية، عن دور النشر، قائلًا: "قرار تحرير سعر الصرف ضربة قاسية لدور النشر، حيث تسبب في تقليل حجم المبيعات بشكل ملحوظ، وهو ما انعكس بالسلب على هذه الدور".
وأشار إلى أن العقود المقامة من وزارة التربية والتعليم، مع بعض المطابع قبل التعويم، سببت أزمة لأصحاب المطابع، بعد ارتفاع التكلفة، وتم حل تلك الأزمة بتعويضات وصلت لـ50%.
وكانت مصادر بوزارة التربية والتعليم، قد أكدت أنّ هناك أزمة واجهت الوزارة خلال استعدادها لإنهاء الفصل الدراسي الأول، وذلك بعد اعتذار 20 مطبعة ممن تعاقدت معهم الوزارة عن طباعة كتب الفصل الدراسي الثاني، نظرًا للخسائر التي لحقت بها بعد تعويم الجنيه.
وكشفت المصادر أن التعليم حاولت الخروج من مأزق طباعة كتب الفصل الدراسي الثانى، بعد ارتفاع أسعار صرف الدولار، واعتذار عدد من المطابع الخاصة عن الطباعة، بإسناد كميات المطابع المعتذرة عن الطباعة لعدد من المطابع الحكومية كالأميرية والشرطة.
المصادر لفتت إلى أن المطابع المعتذرة لحقت بها خسائر فادحة تقدر بآلاف الجنيهات بسبب ارتفاع أسعار الورق والخامات المتعلقة بالطباعة، حيث وصل سعر طن الورق المحلي أثناء توقيع المناقصة 6 آلاف و400 جنيه، وبعد ارتفاع سعر الدولار وصل إلى 13 ألفًا و600 جنيه قبل أن يرتفع مجدا لـ 20 ألفًا.
الكتاب الإلكتروني
هاني دعبس، الكاتب الصحفي والروائي، قال إن المتضرر الأول من قرار تحرير سعر الصرف، دور النشر، وبالتبعية الكتاب ثم القارئ؛ لأنه يتحمل في النهاية سد فجوة ارتفاع الأسعار.
وأضاف "دعبس" لـ"مصر العربية": "بالطبع أثّر ارتفاع الدولار ومن بعده سعر الورق، على ارتفاع سعر الكتاب مما أدى لإحجام القارئ عن شراء بعض الإصدارات ومنها الكتب الأجنبية".
وعن مصير صناعة الكتب الفترة المقبلة إذا استمر ارتفاع الأسعار بهذا الشكل، قال: "بالطبع ستتأثر صناعة الكتب بنسبة كبيرة، والكتاب هيرفعوا شعار (الكتاب الإلكتروني هو الحل)".
الكاتبة غادة قدري، قالت إن الروائي لا يُحدد سعر روايته، والسوق هو من يتحكم في السعر، مضيفة: "لا أرى أن هناك أزمة بعد ارتفاع أسعار الورق والأحبار وكل مكونات صناعة الكتاب بشكل عام".
وأضافت لـ"مصر العربية": "الدولة دعمت القراءة بشكل جيد، وللأسف لم نر أحدًا يُسلط الضوء على إصدارات هيئة الكتاب، أو إصدارات المجلس الاعلى للثقافة والمركز القومي للترجمة".
وتابعت: "بعض الأماكن تبيع كتبًا قديمة ومستعملة، زي سور الأزبكية"، وأوضحت أن المعاناة والخسائر عادت على دور النشر الخاصة والناشرين وليس القراء، واعتبرت أن "القارئ محظوظ".
وعن مستقبل صناعة الكتب الفترة المقبلة في ظل ارتفاع الأسعار المستمر، قالت: "الكتاب عمره ما هينتهي، ما الأكل بيغلى.. هنبطل أكل؟"، وأضافت: "الكتاب له جمهوره حتى لو ارتفعت أسعاره".
بدورها، قالت رضوى العوضي، الروائية، إن قرار تحرير سعر الصرف، أثر بشكل كبير على مبيعات معرض الكتاب هذا العام، فأسعار الكتب مبالغ فيها جدا، ودور النشر لا تعمل إلا من أجل مصالحها وليس من أجل الناشر أو القارئ.
وأوضحت في تصريحات لـ"مصر العربية"، أن القرار سيؤثر بشكل سلبي على صناعة الكتب في مصري، ومن الممكن أن يؤدي لانقراض الكتاب الفترة المقبلة، وعلى المستوى القريب، وأضافت: "الكتاب الإلكتروني أسهل وارخص".
وتابعت: "ارتفاع أسعار الكتب بهذا الشكل وإذا استمر بهذه الوتيرة، سيدفع شريحة معينة هى اللى تهتم بشراء الكتاب، لكن الأغلبية اللي المفروض إحنا بنخاطبهم في كتابتنا هنفتقدهم ونحرمهم من أنهم يهتموا بمعرض ثقافي وشراء كتاب".