أصدرت مؤسسة حرية الفكر والتعبير اليوم، الثلاثاء، تقريرها السنوي الرابع لحالة حرية التعبير في مصر، بعنوان «أكثر من سلطة للقمع»، والذي يقدم «إلى جانب رصد وتوثيق الانتهاكات… تحليل السياسات الحكومية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير في مصر، وذلك عن طريق تقديم قراءة تحليلية نقدية للمستجدات على البيئة التشريعية الناظمة لحرية التعبير بمجالاتها المختلفة؛ حرية الصحافة والإعلام، وحرية الإبداع، والحق في المعرفة، وتداول المعلومات، وحرية التعبير الرقمي، والحق في الخصوصية الرقمية».
في المقدمة التي كتبها معدو التقرير، يخلصون إلى أنه «في حين كان عداء نظام الحكم السابق على ثورة 25 يناير لحرية التعبير يعكس رغبة في تجنب الحرج الناتج عن كشف تورط هذا النظام في حزمة واسعة من انتهاكات حقوق الإنسان بصفة عامة، فإن نظام الحكم الحالي يعادي حرية التعبير وأشكالها المختلفة بوصفها خطرًا وجوديًا لا يتهدده وحده وإنما يهدد النسيج الاجتماعي الذي تنبني عليه شرعية هذا النظام. وهذا يفسر ظاهرتين رئيسيتين لانتهاكات حقوق الإنسان في الفترة الحالية، الأولى هي ظاهرة السوابق، ونعني بها أن عددًا من الانتهاكات يمثل سابقة من نوعه أو أنه يمتد إلى مجالات جديدة، وكذا أن بعض هذه الانتهاكات يتخطى خطوطًا كان من عادة السلطة ألا تتخطاها سابقًا. أما الظاهرة الثانية فهي امتداد نطاق مصادر الانتهاكات لتشمل مؤسسات للدولة لن تكن في السابق شريكًا واضحًا فيها، وإلى فعاليات اجتماعية مثل النقابات وغيرها، وفي الحالتين يعكس هذا الانخراط الطوعي في ممارسة انتهاكات للحق في حرية التعبير شعورًا عامًا لقطاعات مختلفة بتهديد مواقعها الاجتماعية المتميزة».
قبل أن يوضحوا أن الظواهر التفصيلية التي تعرضها أقسام التقرير لا تترك مجالًا لتتبع الصلات المعقدة بين هذه الظواهر وبين الإطار السياسي والاجتماعي الذي يحكمه التوجه العام السابق الإشارة إليه، ليتركوا على عاتق القارئ «جبر هذا النقص الاضطراري».
فيما يستعرض التقرير أهم التغييرات الطارئة على البيئة التشريعية والقانونية، بالإضافة إلى خمسة ملفات أساسية هي: الصحافة والإعلام، وحرية الإبداع، وتداول المعلومات، والحرية الأكاديمية، والحقوق الرقمية.
قراءة في التغيرات الطارئة على البيئة التشريعية والقانونية
يتناول الجزء الأول من التقرير قراءة أهم التغيرات الطارئة على البيئة التشريعية والقانونية في مصر خلال العام الماضي، والتي جاء على رأسها تمرير قوانين المرحلة الانتقالية. إذ قام مجلس النواب بمراجعة كافة القوانين التي صدرت قبل انتخاب أعضائه، في عهدي الرئيس السابق عدلي منصور، والحالي عبد الفتاح السيسي، ويبلغ عددها 340، خلال فترة 15 يومًا، وهي الفترة التي حددها الدستور.
وافق مجلس النواب على 339 قانونًا مقابل قانون واحد رفضه هو قانون الخدمة المدنية. واعتبر التقرير إقرار هذا العدد الكبير من القوانين خلال فترة قصيرة «دون نقاش حاد ومدقق تحت قبته» بمثابة «مؤشر حقيقي ودال على طبيعة هذا المجلس وانحيازاته التي ظهرت جلية في وقت لاحق من نفس العام».
واستنكر التقرير مواقف المجلس من قضايا الحقوق والحريات، إذ رفضت اللجنة التشريعية مشروع قانون يلغي عقوبة الحبس في قضايا النشر المتعلقة بخدش الحياء، وهو ما اعتبره التقرير تعبيرًا واضحًا عن «انحياز أغلبية أعضاء البرلمان لمواقف تعادي حرية التعبير والصحافة والإعلام».
كما رفضت اللجنة ذاتها المقترح المقدم من النائبة آمنة نصير بإلغاء الفقرة المتعلقةبالحبس في قضايا ازدراء الأديان من قانون العقوبات.
كما تناول التقرير قانون التظاهر، وهو القانون الذي قام البرلمان بتمريره ضمن حزمة القوانين التي راجعها دون مناقشة حقيقية، على الرغم من الرفض السياسي والمجتمعي له. واستند التقرير إلى حيثيات حكم المحكمة الدستورية في ديسمبر الماضي بعدم دستورية المادة 10 من القانون والمتعلقة بحق وزارة الداخلية في منع المظاهرات، والتي اعتبرته إهدارًا أصل الحق في التظاهر.
وفي المقابل، لاحظ التقرير تغيرًا في سلوك الجهات القضائية والنيابة العامة في ما يتعلق بالحبس الاحتياطي، والذي تحول إلى «عقوبة غير مباشرة» منذ منتصف عام 2013 وحتى النصف الأول من العام 2016، وهو الأمر الذي بدأت جهات التحقيق في العدول عنه، بحسب التقرير، واستبداله بتدابير أخرى؛ كإلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو تقديم نفسه لمقرات الشرطة في أوقات محددة، وهو ما تم مع فرقة أطفال شوارع وعد من معتقلي جمعة الأرض.
ولاحظ التقرير أيضًا سرعة إحالة القضايا إلى محكمة الموضوع خلال عام 2016، مثل ما حدث مع معتقلي جمعة الأرض وغيرها، على عكس السنوات التي سبقتها.
الصحافة والإعلام
يرى التقرير أنه على الرغم من أن 2016 لم يكن الأكثر انتهاكًا «بالمعايير الكمية»، «إلا أن تغيرًا كيفيًا قد حدث في ما يتعلق بملف الصحافة والإعلام».
وتناول التقرير التغيرات في البيئة التشريعية المتعلقة بالعمل الصحفي والإعلامي، وتمثلت في إصدار قانون التنظيم المؤسسي للصحافة والإعلام بدلًا من مناقشة وإقرار قانون الإعلام الموحد الذي عكفت الجماعة الصحفية والإعلامية على صياغته.
واعتبر التقرير أن القانون «أعطى صلاحيات واسعة لمجالس التنظيم الثلاثة» التي أنشأها القانون، وأن تشكيل هذه المجالس «يبرز بشكل لا جدال فيه سيطرة السلطة التنفيذية على أغلب أعضاء مجالس الهيئات الصحفية الثلاثة».
وفي رصدٍ أبرز انتهاكات حرية الصحافة والإعلام خلال العام الماضي، أوضح التقرير حدوث ما لا يقل عن 438 حالة انتهاك لحرية الصحافة والإعلام والعاملين فيهما، منها 193 حالة منع من العمل، و62 حالة احتجاز، واستيقاف 7 من العاملين بالمجال الإعلامي، و42 حالة تعدي بالضرب، و23 حالة قُدمت ضدهم بلاغات في النيابة.
وجاءت أجهزة الأمن على رأس الجهات التي قامت بانتهاكات ضد العاملين في المجال الصحفي والإعلامي بعدد 191 حالة، تليها الجهات القضائية بعدد 79 حالة، بالإضافة إلى مسؤولين حكوميين آخرين بعدد 35 حالة، ومجلس النواب بعدد 30 حالة، بالإضافة إلى 86 حالة اعتداء من قبل مدنيين.
إنفوجراف من التقرير يوضح الانتهاكات التي تعرض لها الصحفيين خلال 2016 وفقًا للنطاق الجغرافي
كما تناول التقرير سابقة اقتحام قوات الأمن لمقر نقابة الصحفيين أوائل مايو الماضي، حين قامت قوات من الشرطة بدخول النقابة للقبض على الصحفيين عمرو بدر ومحمود السقا بعد صدور أوامر ضبط وإحضار لهما بتهمة التحريض على التظاهر خلال جمعة الأرض في 25 أبريل الماضي.
كما قررت النيابة إحالة نقيب الصحفيين يحيى قلاش وسكرتير النقابة جمال عبد الرحيم وعضو مجلسها خالد البلشي للمحاكمة بتهمة إيواء مطلوبين للعدالة، وهي القضية التي حُكم عليهم فيها بالحبس لمدة عامين.
حرية الإبداع
في عرضه لملف حرية الإبداع خلال العام الماضي، تناول التقرير التغيرات التي لحقت بالبيئة التشريعية المتعلقة بالملف. وأشار إلى تأثير قانون ضريبة القيمة المضافة على حرية الإبداع، خاصة مع تجاهل القانون استثناء أشكال مختلفة من الفنون؛ كالإنتاج الإعلامي والأفلام السينمائية والتليفزيونية والتسجيلية والوثائقية وأعمال الدراما التليفزيونية والإذاعية والمسرحية، على الرغم من استثنائه الفنون التشكيلية وأعمال التأليف والنشر الأدبي والفني بأنواعه وما يستورد للأغراض العلمية أو التعليمية أو الثقافية.
كما أشار التقرير إلى استمرار المعركة ضد الرقابة والاحتكار بعد حكم القضاء الإداري في أبريل الماضي بوقف قرار وزير العدل بمنح عدد من أعضاء مجالس نقابتي المهن التمثيلية والمهن الموسيقية سلطة الضبط القضائي.
كما اعتبر التقرير أن قرار المجلس الأعلى للآثار بفرض رسوم على تصوير الأماكن الأثرية أحد أهم القرارات التي تؤثر بشكل مباشر على الإبداع.
ورصد التقرير 78 حالة انتهاك للإبداع والمبدعين خلال العام الماضي، مقارنة بـ 46 حالة خلال عام 2015، وهو ما دفعه إلى اعتبار أن وضع حرية الأفكار والفن والعمل الإبداعي «أصبح من السيئ إلى الأسوأ».
وأوضح التقرير أن أسباب الانتهاكات تعود إلى ثلاثة محظورات أساسية هي: السياسة بواقع 44 حالة انتهاك، والأخلاق والآداب العامة بواقع 15 انتهاك أبرزها حبس الروائي أحمد ناجي بتهمة خدش الحياء العام، والدين بواقع 6 انتهاكات.
إنفوجراف من التقرير يرصد انتهاكات حرية الإبداع والتعبير الفني من 30 يونيو 2013 وحتى 30 يونيو 2016
وطبقًا للتقرير، فإن وزارة الداخلية مسؤولة عن الحصة الأكبر من هذه الانتهاكات بواقع 26 حالة.
وأشار التقرير إلى أبرز قضايا انتهاكات حرية الإبداع وهي القبض على أعضاء فرقة أطفال شوارع بسبب نشرهم فيديو ساخر من رئيس الجمهورية، وحبس الروائي أحمد ناجي، وانتهاء فن الجرافيتي في مصر واستمرار القبض على رسّاميه.
تداول المعلومات
جاءت مناقشة التقرير لحرية التداول المعلومات في مصر تحت عنوان جانبي هو «مزيد من الخطوط الحمراء». وانتقد التقرير التأخر في إصدار قانون لتنظيم حرية تداول المعلومات على الرغم من الضمانة الدستورية الواضحة، حيث تنص المادة 68 من الدستور على أن «المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية، وينظم القانون ضوابط الحصول عليها وإتاحتها وسريتها، وقواعد إيداعها وحفظها، والتظلم من رفض إعطائها، كما يحدد عقوبة حجب المعلومات أو إعطاء معلومات مغلوطة عمداً».
واستعرض التقرير عددًا من قرارات السلطة التنفيذية في ما يتعلق بحرية تداول المعلومات، أبرزها عزل رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات هشام جنينة عن منصبه بسبب إفصاحه عن حجم الفساد في مصر والذي ذكره أحد تقارير الجهاز ونشره «مدى مصر». كما واجه جنينة المحاكمة بتهمة تكدير الأمن والسلم العام بإشاعة أخبار كاذبة عن حجم الفساد في مصر، وحكم عليه بالحبس لمدة عام مع إيقاف التنفيذ.
كما أشار التقرير إلى الإعلان عن اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية في أبريل الماضي وشملت التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، وهو الإعلان الذي اعتبره التقرير مفاجئًا ووصفه بأن «الدولة تخفي سياستها العامة» بسبب عدم إفصاح الحكومة المصرية عن طبيعة المفاوضات.
وأشار التقرير إلى امتناع الحكومة عن تقدم مستندات تثبت صحة موقفها من التنازل عن الجزيرتين إلى محكمة القضاء الإداري أثناء نظرها للقضية، وهو ما أشارت إليه المحكمة في حيثيات حكمها بإلغاء الاتفاقية.
كما انتقد التقرير غياب الشفافية في ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية، مثل زيادة تدخل المؤسسة العسكرية في المجال الاقتصادي، وقرارات تعويم الجنيه والاقتراض من مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية.
الحرية الأكاديمية
وفي ما يتعلق بالحرية الأكاديمية، أشار التقرير إلى مشروع قانون التعليم العالي وتهميش مشاركة المجتمع الأكاديميي في مناقشة مشروع القانون. كما أشار إلى عدد من قرارات السلطة التنفيذية وإدارات الجامعات؛ كاشتراط الموافقة الأمنية لسفر الأكاديميين، وتوجيهات وزارة التعليم العالي للجامعات الخاصة والأهلية بعدم الإساءة للدول الشقيقة في الأبحاث.
واستعرض التقرير أبرز الانتهاكات المتعلقة بالحرية الأكاديمية خلال عام 2016، وتعلقت بانتهاكات لحرية البحث، والقيود المفروضة على الباحثين الأجانب من صعوبة الحصول على تأشيرات وعرقلة البحث الميداني وصعوبة الوصول إلى الوثائق والملاحقات الأمنية.
كما استعرض التقرير انتهاكات حرية التدريس وجاء أبرزها اتهام أستاذ بجامعة الأزهر بالإلحاد ومحاولة إحياء فكر محمد عبده وطه حسين، وإنهاء عقد الدكتور طارق أبو النجا مع الجامعة الألمانية على خلفية احتواء مشاريع تخرج بعض طلابه على مشاهد عري.
وأشار التقرير إلى انتهاكات حرية التعبير أعضاء هيئة التدريس حيث تم التحقيق مع عدد من أساتذة جامعة كفر الشيخ لمخالفتهم قرار رئيس الجامعة بمنع جميع العاملين بالجامعة من الإدلاء بأي تصريحات صحفية أو إعلامية دون إذن كتابي، والتحقيق مع أساتذة بجامعة بني سويف بتهمة إهانة الرئيس، والتحقيق مع أستاذ بكلية الآثار جامعة القاهرة بسبب انتقاده رئيس الجامعة.
الحقوق الرقمية
أشار التقرير إلى مشروع قانون الجريمة الإلكترونية والذي اعتبره قانون لا يحارب جرائم الإنترنت وإنما «يعاقب على استخدام تقنيات المعلوماتية». بحسب تقرير أصدرته المؤسسة من قبل.
ورصد التقرير ما لا يقل عن 57 حالة انتهاك لحق أفراد في حق تعبيرهم الرقمي وخصوصيتهم الرقمية، وانحصرت بين إلقاء القبض، بمجمل 38 حالة، أو توقيع عقوبات إدارية، بمجمل 18 حالة، بالإضافة إلى حكم بالحبس في حالة واحدة.
كما أشار التقرير إلى حملة إلكترونية تعرض لها نشطاء وحقوقيون خلال الأشهر الماضية لاختراق بريدهم الإلكتروني، ومحاولات تعطيل تطبيق المحادثات الأمنة سيجنال وحجب موقع العربي الجديد.
إنفوجراف من التقرير يوضح حالات الانتهاك ضد الحريات الرقمية، وفقًا للمعتدي وسبب الانتهاك