السبت 4 يوليه 2026 — القاهرة

إحياء الشرق الأوسط الجديد.. لا دولة فلسطينية وحلف عربي-إسرائيلي ضد إيران

إحياء الشرق الأوسط الجديد.. لا دولة فلسطينية وحلف عربي-إسرائيلي ضد إيران

 تلقى بعض المهتمين بمستقبل السياسات الأميركية في المنطقة في عهد الرئيس الجديد دونالد ترامب، تصريحات المتحدث بأسم البيت الأبيض أمس بمناسبة زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لواشنطن بالاستهجان والدهشة، فإعلان البيت الأبيض أمس وبشكل رسمي أن حل الدولتين لم يعد له قيمة في مسار حل القضية الفلسطينية، وأسدل وبشكل رسمي الستار على ما يتجاوز الأربعة عقود من مسار “عملية السلام” وبين العرب وإسرائيل، وأقل من ذلك بقليل على مسار حل القضية الفلسطينية عن طريق المفاوضات.

ومن البديهي القول أن تصريحات أمس التي صدرت عن البيت الأبيض أتت بعد تأكيد طيلة الأعوام القليلة الماضية من الجانب الإسرائيلي أن دولاً عربية لا تمانع في تطبيع العلاقات مع إسرائيل حتى بدون حل للقضية الفلسطينية، وهو الأمر الذي كان مرهون بمجاراة إسرائيل لمسار الحل التفاوضي بمراحله المختلفة منذ أوسلو وحتى مبادرة السلام العربية، وهي المراحل التي تهدف لإقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة والقدس الشرقية ومرجعيتها الأساسية قرار مجلس الأمن 242 الصادر عام 1967 والذي يقضي بانسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من يونيو من نفس العام؛ وهو ما تبلور خلال العقود التالية لمبادرات واتفاقيات مثل أوسلو وأخيراً مبادرة السلام العربية 2005، التي تبنتها السعودية وعممتها عن طريق الجامعة العربية والتي جوهرها تطبيع شامل للعلاقات بين دول الجامعة وإسرائيل حال تنفيذ الأخيرة لقرارات مجلس الأمن واعتماد حل الدولتين.

وينبغي الإشارة هنا أن التصريحات الأميركية أمس لم تكن سوى تحصيل حاصل لواقع سياسي في المنطقة بين دول عربية بقيادة الرياض، التي تسعى جاهدة لتوطيد وتعميق العلاقات مع تل أبيب، وتعميمها عربياً حتى دون الوصول لتسوية للقضية الفلسطينية، وهو ما يُعد حتى تنازلاً عن ما أتى في مبادرة 2005، التي اشترطت التسوية الشاملة نظير التطبيع الشامل. ولكن ما حدث في المنطقة في السنوات القليلة الماضية،  وخاصة على مسار تطور العلاقات السعودية الإسرائيلية، من زاوية التحالف “السُني العربي” مع تل أبيب ضد “الخطر الإيراني”، قد تجاوز مسألة تسوية القضية الفلسطينية على أرضية حل الدولتين لتصفيتها وتجاوزها من أجل “سلام دافئ” بين العرب والإسرائيليين.

في السياق نفسه، تسارعت وتيرة الأحداث في الأيام الأخيرة بدافع من استجلاء رؤية ساكن البيت الأبيض الجديد حيال الشرق الأوسط وملفاته وقضاياه المعقدة والمتشابكة، والتي تحتل القضية الفلسطينية القلب منها بحكم تاريخيتها ومفصليتها، فإذا بترامب يتعامل مع الأمر من منطلق مباركة أمر واقع بين طرفين – دول عربية بقيادة السعودية وإسرائيل- تراضوا على تجاوز مسألة تسوية القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين نظير تطوير وتطبيع العلاقات بينهما. وبالتالي لا يمكن القول أن تصريحات الأمس تعد “قراراً” أميركياً بمسار ستفرضه سياسات ترامب الخارجية عنوانه إسقاط حل الدولتين، ولكن كإقرار لواقع موجود بالفعل سواء من زاوية تجاوز كل من تل أبيب والرياض –ومن لف لف الأخيرة من دول عربية- لتسوية القضية الفلسطينية نظير تطوير العلاقات لدرجة التحالف الإقليمي ضد إيران ومحورها، أو من زاوية تحالف قائم بالفعل في المنطقة في السنوات الأخيرة ان في انتظار غطاء سياسي أميركي سُحب بشكل واسع –من وجهة نظر سعودية- إبان عهد إدارة أوباما، ويمكن لإدارة ترامب توظيف هذا الوضع والتحالف القائم في إدارة ملفات المنطقة دون تدخل مباشر لطالما أكد ترامب على ضرورة إنهاؤه وفك الارتباط المباشر المُكلف بمشاكل الشرق الأوسط، وبالتالي لن يكون من الصعب تطبيق هذا الأمر بالنسبة للقضية الفلسطينية، نحيت جانباً كقضية ذات أولوية لصالح ملفات وقضايا أخرى، مثل حرب اليمن والأزمة السورية وفوضى داعش والصراع بين السعودية وإيران ومحاولة الأولى تعميمه عربياً وطائفياً.

من جهة أخرى لا يمكن إغفال التطورات الملازمة لزيارة نتنياهو لواشنطن، مثل تصريح وزير الدولة للتعاون الإقليمي في الحكومة الإسرائيلية، أيوب القرا، حول مناقشة نتنياهو وترامب لخطة إقامة دويلة فلسطينية في غزة سيناء، وأيضاً بالتوازي مع رحيل السفير الإسرائيلي في مصر، وما تردد عن سبب هذا الرحيل في أن هناك خلاف بين السيسي ونتنياهو حول ما سيتم مناقشته مع ترامب في هذا السياق، وتهميش دور القاهرة في مسعى مستقبلي حول القضية الفلسطينية، وهو ما يتماثل مع بعض من فعاليات التقارب السعودي الإسرائيلي في العاميين الماضيين، وخاصة المتعلقة في تصدير الرياض كقاطرة سياسات عربية في تعاونها مع إسرائيل حسب أولويات ليس من ضمنها القضية الفلسطينية، وطبقاً لمعادلة جديدة مختلفة عن ما كانت عليه الأمور بين دول “محور الاعتدال” وبين تل أبيب قبل 2011، وهو ما يعني من زاوية عملية تنحية الدور المصري التقليدي كفاعل في “عملية السلام” والعلاقات العربية الإسرائيلية منذ معاهدة السلام بين البلدين 1979. خاصة وأن التفاهم بين القاهرة وتل أبيب منذ 2011 قائم على المرحلية ذات المدى القصير، على عكس ما كانت عليه إبان حكم مبارك، كذا الأمر نفسه في سياق القضية الفلسطينية والعلاقات العربية الإسرائيلية، التي تصدرتها السعودية بحكم حاجتها الجديدة لمرتكزات قوية لدور إقليمي فاعل بالتعاون مع إسرائيل ضد إيران، والذي تطلب تراجع مصري حتمي عن هذا الدور الكلاسيكي، وما انسحب فيما بعد في حاجة مصر إلى تل أبيب في معالجة أكثر من ملف وقضية، حتى التي تعتبر شأن مصري خاص مثل اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية التي أبرمت العام الماضي، والتي تم إطلاع الجانب الإسرائيلي عليها وتعديلها وفق طلباته.

وطبقاً للسابق فإن مسألة إعلان موت حل الدولتين ليس أكثر من إعلان رسمي أميركي عن تجاوز مانع التطبيع بين دول عربية وإسرائيل لتحقيق أولوية قصوى أخرى يتلاقى فيها الأطراف السابقة هي مجابهة إيران، بغض النظر عن فلسطين وقضيتها، وهو الأمر الذي يعني عملياً إطلاق يد إسرائيل فيما تراه من زاوية ميزان القوى وفرض الأمر الواقع، سواء في توسيع الاستيطان في الضفة أو محاصرة غزة، وإجبار السلطة الفلسطينية على القبول بمبدأ يهودية إسرائيل، وهو الأمر الذي من وجهة نظر إسرائيلية يعد مناسباً تماماً لتحقيق “التقدم في عملية السلام” حسب مصلحة تل أبيب، بالتوازي مع تطبيع وتحالف بين الأخيرة وعواصم دول عربية وازنه مثل السعودية ودول الخليج ومصر والأردن يوجه ناحية طهران، التي باتت الطرف الإقليمي الوحيد الذي يدعم حركات المقاومة وحل الدولة الفلسطينية الواحدة، الذي بات التأكيد عليه عامل حاسم في الانتخابات الداخلية لحركة حماس، وبات أيضاً هو الحل المتبقي الوحيد القائم بذاته وجديته وإسناده بالقوة المسلحة شمال وجنوب فلسين المحتلة، بعد فشل حل الدولتين على مدار العقود الثلاثة الماضية، وإعلان موته رسمياً من جانب البيت الأبيض.

مصدر الخبر
البديل

أخبار متعلقة