دخلت إيناس الدغيدي المجال السينمائي مصادفة حين التحقت بالمعهد العالي للسينما ولم تتوقع حينها أن تجتاز الاختبارات المؤهلة، إذ كان للمعهد شروط صارمة ولا يقبل إلا أعداداً قليلة من الطلاب. وحين التحقت به فعلياً وتدريجياً، استهواها العمل الفني والإخراج خلال دراستها وتخرجت العام 1975 لتشق طريقها في الوسط السينمائي عبر العمل كمساعد مخرج مع كبار المخرجين بينهم صلاح أبو سيف وكمال الشيخ ، وهنري بركات وأشرف فهمي وحسام الدين مصطفى وعلي بدرخان، ما أصقل موهبتها وأكسبها الخبرة. لكن آراءها وأفلامها سرعان ما راحت تثير الجدل كونها تتمتع بجرأة غريبة على مجتمعنا الشرقي الذي لا يقبل مساساً بعاداته وتقاليده، ويضع من يتجرأ عليها تحت مقصلة الأعراف، ما جعلها هدفاً للهجوم المتلاحق من بعضهم، وعرضة لتهديدات المتشددين.
تبنت الدغيدي عبر فيلمها الأول في العام 1985 «عفواً أيها القانون»، ضرورة المساواة بين الرجل والمرأة، واتهمت قانون العقوبات المصري بالعوار كونه لا يساوي بين الرجل والمرأة في أحكام قانون العقوبات. وتوالت أعمالها بينها «قضية سميحة بدران»، و «لحم رخيص» و «استاكوزا» و «ما تيجي نرقص»، وشاركت في كتابة بعضها مثل فيلم «مذكرات مراهقة» العام 2001، بينما خاضت تجربة التمثيل عبر فيلمين هما «أفواه وأرانب» و «امرأة واحدة لا تكفي».
حالت سطوة منتجي أفلامها عقبة دون مشاركة أعمالها في المهرجانات السينمائية الدولية التي سعت للتواجد والمنافسة، فواجهت رفضهم لذلك خشية سرقة الأفلام، إضافة إلى فرضهم موازنة محدودة فلا يخرج الفيلم بالصورة اللائقة التي تطمح إليها، لذا كان قرارها بالتحول إلى إنتاج أعمالها، وبلغ عدد ما أنتجته 8 أفلام، لكنها قررت أخيراً ألا تعود إلى الإنتاج أبداً.
سرّ الغياب
غابت إيناس الدغيدي عن الساحة السينمائية منذ العام 2009 إذ كان آخر أفلامها هو «مجنون أميرة»، ولم تخرج أعمال منذ ذلك الحين لكنها لم تغب عن الساحة العامة وتواجدت دائماً عبر آرائها ومواقفها الجريئة والمثيرة للجدل. «الحياة» التقت إيناس الدغيدي التي تحدثت عن مسيرتها السينمائية ومشروعاتها المستقبلية.
ما سر ابتعادك عن الإخراج السينمائي منذ العام 2009؟
- توقفت أشياء كثيرة في المنطقة بأسرها منذ العام 2011. ويمكن سؤالي فقط عن سر غيابي بين عامي 2009 و2011، ومبرره أنه المعدل الطبيعي في أعمالي إذ يفصل بين الفيلم والآخر عامان أو ثلاثة أسعى خلالها للبحث عن قصة وأشرع في كتابتها والإعداد لتفاصيل الفيلم التالي. وشهدت السنوات الأخيرة تغييراً جذرياً في الأوضاع على الساحة السينمائية. لذا أحاول المحافظة على مكانتي وتاريخي السينمائي وأسعى لإضافة بصمة جديدة، وإذا لم أستطع أن أقدم عملاً جديداً جيداً فينبغي أن أترك ذكرى جيدة لأنني وصلت لمرحلة من النضج تمنعني من ذلك، وأرى أن الفترة الماضية لم تساعد أي شخص على التقدم خطوة إيجابية.
هل يعني ذلك أن المنتجين يطلبون نمطاً خاصاً في الأفلام لا ترتضينه؟
- بدأت السينما منذ العام 2005 تأخذ شكلاً تجارياً بحتاً، فلم يعد هناك من يضحي من أجل العمل بل صار الجميع يستهدفون المال من دون سواه، وفي ما مضى، لم يكن الربح هو هدفنا الوحيد من العمل السينمائي. ومن المؤسف أن هذه المرحلة تحولت إلى المادية البحتة. وصار من يلتحقون للعمل بالوسط السينمائي يعتبرونه تجارة فحسب وليست فناً أو صناعة ما أدى للقضاء عليها، وعلى رغم بعض المحاولات الجادة لبعض الشباب لكنها تظل محاولات ضئيلة.
ما ردك على الاتهام بأن أفلامك يسيطر عليها الإباحية والجرأة؟
- أركز في أفلامي على عرض قضايا مجتمعية ولم أستهدف يوماً عرض قضايا إباحية، فأنا مثلاً، ناقشت قضية بيع الفتيات المصريات للأثرياء عبر الزواج عبر فيلم «لحم رخيص»، وفي «امرأة واحدة لا تكفي» طرحت قضية مجتمعية أيضاً، ولكن بعضهم يغفل القضايا التي تطرحها أعمالي ويركزون على مشاهد قليلة جريئة لا تتجاوز مشهدين. أؤمن بأن «الجنس» غريزة بشرية مثل الطعام والشراب، وأدرك أن الشعوب العربية تعاني الحرمان في هذا الصدد، وكوني أنتمي لهذه الشعوب من الطبيعي أن أتعرض لهذه القضايا، فيغضب البعض لأنني أحاول تعرية ذلك متجاهلين أنني أكشف نفسي معهم لأنني جزء من هذا المجتمع ولست منفصلة عنه. وغرضي من المجاهرة بعرض هذه الأفكار هو معالجتها، كي لا تتحول إلى «تابو» لا يمكن المساس به، فمجتمعاتنا تخشى الاقتراب من هذا التابو الذي يتضمن «الدين والجنس والسياسة».
سينما نظيفة!!
ما رأيك بمصطلح «السينما النظيفة»؟
- منذ بدأ استخدام هذا الاصطلاح المبتدع قمنا بالعمل عكسه تماماً، فصنعنا السينما التجارية الوقحة والمبتذلة، إذ كان الهدف صناعة أفلام لا تتضمن مشاهد جريئة لكنهم قدموا الإسفاف والبلطجة والسوقية والألفاظ الخادشة التي أقحمت على لغتنا الجميلة، فهل يمثل هذا «نظافة»؟!
هل جرأة إيناس الدغيدي نابعة من نشأتها أم انتمائها لحقبة زمنية لم يطاولها التشدد؟
- يكمن الاختلاف في العصر وطريقة التفكير، فينتشر حالياً التشدد والتطرف في المجتمع لكن يصاحبه انحلال. بينما في الماضي كان لدينا قدر من الأخلاق والتحفظ، فكان المصطلح السائد «عائلة محافظة» وليس «عائلة متدينة»، وكانت القيم والأخلاق والدين مرتبطة ببعضها البعض من دون ادعاء الفضيلة.
ما عملك السينمائي المقبل؟
ألا تخشين إخراجه لا سيما أنك تعرضت لتهديدات من قبل «متشددين»؟
- أؤمن بالقدر، ولم يتسلل لي الخوف يوماً، ولم يكن يوماً من مبادئي، وأراها هبة من الله لولاها ما أصبحت إيناس الدغيدي، وربما ما كنت أخرجت أفلامي الجريئة ولا أقدمت على دخول مجال السينما. و «الصمت» من الأفلام التي أقتنع بها بشدة ولن أتراجع عن إخراجه مهما كانت التهديدات، وأعتبر نفسي حتى الآن هاوية ولست محترفة، لذا الموضوع الذي يروق لي أقوم بإخراجه مهما تأجل لسنوات.
كيف يهاجمون الفيلم قبل صناعته؟
- هذه الحال مع كل أعمالي، حيث أواجه حملات ضارية قبل كل عمل، واختلق بعضهم «سيناريو خاص» بفيلم «الصمت»، لا يمت للعمل بأي صلة، وقيل أنه يحمل اسم «زنى المحارم»، وهذا عار من الصحة، فالفيلم يتناول القضية التي انتشرت بشدة في المجتمع ولا أتناولها بذاتها لكن أقدم قصة فتيات تعرضن لهذه الحوادث وكيفية مواجهتهن للحياة. ولا يطرح العمل حلولاً للمشكلة لأنها بلا حل، فمن ينتهك عرض أبنائه يعتبر مريضاً ميؤوساً منه وينبغي إيداعه مستشفى للأمراض النفسية.
شاركت بالتمثيل من قبل في فيلمين، لماذا لم تستمري في خوض التمثيل بجانب الإخراج؟
- كنت أرفض التمثيل ونادمة على ذلك الآن، وجاءت مشاركتي بمثابة «إنقاذ موقف» حين يغيب أحد الممثلين لأي سبب، فقمت بتمثيل مشهد واحد فقط في فيلم «امرأة واحدة لا تكفي» بدلاً من نجلاء فتحي التي كانت ضيف شرف ولكنها اعتذرت بفعل مرضها الشديد. أما في فيلم «أفواه وأرانب» فكنت مخرجاً مساعداً في العمل، وطلبت مني السيدة فاتن حمامة أداء الدور حين تغيبت الممثلة التي كان منوطاً إسناد الدور إليها.
شكلت المرأة في أغلب أفلامك محوراً رئيساً، هل هذا تحيز لكونك امرأة؟
- تطرح أفلامي علاقة المرأة بالمجتمع لا سيما بالرجل لكونها علاقة ثرية وخصبة للغاية تجمع كل التناقضات التي أوجدها الله في الحياة، إذ يشوبها الشد والجذب والحب والكراهية. كما أرى المجتمع ذكورياً ينحاز للرجل على الدوام حتى في القوانين، وأوضحت ذلك من خلال «عفواً أيها القانون» الذي يدور حول سيدة تقتل زوجها حين وجدته متلبساً في علاقة غير شرعية مع إحدى السيدات في منزل الزوجية ويصدر ضدها حكم صارم بالسجن لمدة 15 عاماً بينما في القضايا المماثلة التي يرتكبها الرجال يصدر الحكم مخففاً لا يتجاوز السجن لشهور، فأبرزت عبر الفيلم أن القوانين الوضعية غير شرعية على رغم أن المجتمع يتباهى على الدوام بمحاكاة «الشرع» وتطبيقه، فكشفت زيف ادعائهم لأنه لم يفرق بين المرأة والرجل في عقاب «الزنى»، وهذا دليل على أن القانون صنعه رجل انحاز لبني جنسه من الرجال ولو كان منصفاً لأنصف المرأة مثلما أنصفها الله.
هل تعرضت للخسارة بفعل جرأتك وصراحتك؟
- أنا صادقة مع ذاتي وأقتنع تماماً بأفكاري، ولم أستخدم تلك الحرية يوماً بشكل سيّء حتى لو تأذيت منها في بعض الأحيان، فالبعض يعتقد أنني أتعمد ذلك وهذا ليس حقيقياً بل أمارسها بعفوية، كما أنني لا أفرض آرائي الجريئة على من حولي، وأعي أن كل الأديان تحتوي بين طياتها التزمت والتشدد وليس الدين الإسلامي فحسب، فحتى المجتمعات الأوروبية بها متزمتون شأنها في ذلك شأن مجتمعاتنا، وبينهم من يتمسكون بالدين والعادات والتقاليد، لذا أؤمن أنه يحق لكل شخص أن يكون حراً في اختيار نمط حياته وأفكاره طالما لم يلحق الضرر بمن حوله.
جريئة لا حديدية
هل تفضلين لقب «المرأة الحديدية»؟
- لا يروقني هذا اللقب، بل أفضل لقب «المرأة الجريئة»، فلست حديدية كما يعتقد بعضهم لكنني إنسانة عادية، أمتلك نقاط ضعفي، أما عقلي فهو «الحديدي».
هل ستعودين لإنتاج أفلامك؟
- سأعود للإخراج لكني لن أخوض الإنتاج مجدداً، لاختلاف الوضع عما كان عليه في الماضي حين اتسم الإنتاج بأنه «تشاركي» بين الموزع والمنتج في المكسب والخسارة، والنجاح والفشل، أما الآن فيتحمل المنتج وحده كل التكاليف ويحصل الموزع على الفيلم من دون عناء، فيعرضه وقتما يرغب وإذا حقق الفيلم الإيرادات يحصل عليها منفرداً، وإن لم يحققها يلقي بالعمل في سلة المهملات.
طالبت بسنّ قوانين تمنع الاحتكار في السينما... ما مظاهر هذا الاحتكار؟
- تعاني السينما المصرية من ظاهرة الاحتكار. في الماضي، كان هناك تكاتف بين الجميع سواء المنتج أم الموزع أم دور العرض، وكان المنتجون يعملون مع الموزعين وتعرض الأفلام في دور السينما التابعة للدولة (دور مؤسسة السينما)، وبالتالي كانت تجمعهم المصلحة المشتركة. حتى ظهرت شركات ذات موازنات ضخمة فصارت هي (المنتج والموزع والمالكة لدور العرض) وهم أيضاً أعضاء غرفة صناعة السينما، الذين يسنون القوانين بحكم المهنة والمناصب التي يتقلدونها فتحولوا للبحث عن مصالحهم الخاصة، وسيطروا على صناعة السينما في كل مراحلها وهذا هو الاحتكار عينه، إذ تجاهلوا مصالح المنتجين الصغار الذين غاب من يدافع عنهم. لذا ينبغي سنّ تشريعات لحماية الجميع وفصل هذه المهن عن بعضها لا سيما أنها تمثل تضارب مصالح. والدولة هي المسؤولة عن هذا الوضع حين تركته في قبضة تلك الشركات المحتكرة من دون رقابة أو عقاب، ما أدى إلى غياب أصحاب المواهب الحقيقية الذين أصبحوا بلا عمل. وصار المنتج والأبطال يتحكمون بالمخرج والعمل ككل، فيما يتدخل المنتج في كافة تفاصيل ومراحل العمل في شكل سافر. بينما يفترض أن المخرج هو ربان السفينة، فإذا لم يتمكن من التحكم في دفتها فكيف له أن يقودها؟ لقد أدى هذا كله إلى فقدان «المخرج»، الذي يعد أهم وظيفة في صناعة السينما، قيمته.