ذلك كله منظومة تعليمية لا أقول فسدت بل تراجعت في ابسط الأحوال..منذ سنوات وأنا وغيري الكثير صرخوا في البرية: أنقذوا التعليم قبل فوات الأوان نحن بقايا جيل تعلم في مدرسة بسيطة في ريف مصر وضواحيها كانت هناك مكتبة وإذاعة وملعب كرة وقاعة موسيقى ورسم وفريق تمثيل ومسابقات في كل هذا بين المدارس, وكنا نشكل فرقا للتمثيل وكرة القدم والإذاعة المدرسية, وكان المدرس أنيقا محترما غنيا بفكره وكان يجلس مع تلاميذه يعطيهم دروسا في آخر اليوم الدراسي بلا مقابل..وكنا في ريف مصر في مدارس مختلطة تجلس فيها التلميذة بجانب زميلها بكل الحب والتقدير والرعاية فلم نعرف شيئا يسمى التحرش ولم نسمع كلمات نابية أو حوارا شاذا وكنا نحلم لأن الفرص متكافئة وليس هناك تسريبات في الامتحانات أو مجاملات لأبناء المسئولين حين يقفزون فجأة من لقب راسب إلى أول الدفعة وتحجز لهم الأماكن في الوظائف قبل أن يتخرجوا أو أن يجد الخريج نفسه وهو المتفوق بواباً على باب عمارة بينما ابن المسئول الفاشل يسكن في الروف وتنتظره سيارة فارهة كل صباح تحمله إلى المكتب الأنيق..
كان فساد التعليم هو بداية الكارثة وكان هناك اعتراف دولى بأن نظام التعليم في مصر كان نموذجا للدول المتقدمة في زمان مضى وحين دخلنا جامعة القاهرة في الستينيات كانت كلياتها مضيئة بأكبر العقول في هذا الوطن والآن تحولت الأحوال وتغير كل شىء وأصبحت قضية التعليم حديث كل بيت وتشعبت حتى أصبحت شرخا اجتماعيا فرق أبناء المجتمع الواحد ما بين الدروس الخصوصية والمدرس الفقير والمناهج المتخلفة والتكدس الذى وصل لأن يجتمع 130 تلميذا في فصل واحد وسط تلوث سمعي وبصري وهوائي وإنساني..
في عشرات السنين كانت الزيادة السكانية اكبر من كل المنشآت المدرسية التى شهدتها مصر وتكدس التلاميذ فوق بعضهم وشاخت المدارس حتى تهاوت على رءوسهم..اختفى كل ما هو جميل ابتداء بالملعب والمكتبة وتحية الصباح والنشيد الوطنى وقاعة الموسيقى والمسرح وتحولت المدرسة إلى تجمع عشوائى كانت نتيجته تدهور صحة التلاميذ حتى أن مصر في السنوات الأخيرة شهدت تراجعا في لياقة الأجيال الجديدة.
غاب المدرس عن أداء وظيفته ودوره واكتفى ببضع دقائق يذهب فيها إلى المدرسة ثم يعود مسرعا إلى تجمعات الدروس الخصوصية ومنذ مد المدرس يده إلى التلميذ ليحصل على أجره انتهت قدسية العلاقة بينهما وفقد المدرس هيبته وفقد التلميذ مشاعر التقدير..إن بعض التقديرات تقول إن الدروس الخصوصية تتكلف كل عام أكثر من 30 مليار جنيه يدفعها الآباء القادر منهم وغير القادر وتحولت هذه اللعنة إلى شبح يطارد الأسرة فإذا كان المرتب 2000 جنيه والدروس الخصوصية لتلميذ في الثانوية العامة تحتاج 1500 جنيه شهريا من أين يأتى الآباء بهذه المبالغ ومن أين يأتى المدرس بتكاليف الحياة..المدرسة بلا تعليم والأب بلا دخل والمدرس يحتاج ما يكفيه, الكل على حق ومستقبل الوطن هو الثمن..
فجأة أطلت علينا لعنة أخرى هى المدارس الخاصة اللغات والدولية ومتعددة الجنسيات منها بالدولار واليورو والقليل بالجنيه المصرى الغلبان..عشرات الآلاف للتلميذ ما بين 70 إلى 90 إلى 120 ألف جنيه سنويا أى أن المواطن الذى لديه طفلان مطلوب منه ربع مليون جنيه سنويا وإذا كانت بالدولار فالمبلغ اكبر وإذا لم يجد بنكا يشترى منه بالدولار فالأولاد خارج المدرسة..ثارت الدنيا لأن الكثير من هذه المدارس لا تدرس اللغة العربية ولا التاريخ ولا الدين ولم تستطع الدولة أن تفعل شيئا إنها دول مستقلة داخل مصر والأخطر من ذلك أن هؤلاء التلاميذ الذين لا يدرسون لغتهم يعيشون في مجتمعات متنافرة هذا انجليزى وهذا فرنسى وهذا كندى أو امريكى أو يابانى أو صينى إنهم خليط بشرى لا يعرف شيئا عن وطن ولد وعاش فيه..وما بين تعليم اجنبى فصل التلميذ عن جذوره وتعليم مصرى في منشآت بلا جدران يجلس فيها التلاميذ على الأرض, يجب علينا أن نتخيل مستقبل هذه الأجيال المتنافرة في الفكر واللغة والانتماء والواقع الاجتماعى..هذه قضية في غاية الخطورة ولا توجد إلا في بلادنا, هذا الخليط التعليمى المشوه سوف يخلق لنا أجيالا مشوهة وهو لا يوجد في أى بلد آخر غير المحروسة..إن مؤسسات الدولة التعليمية لا تملك أى حقوق تجاه هذه المنظومة الخاطئة حتى اللغة الأم التى لا يدرسها أبناؤنا في هذه المدارس التى خلقت تفاوتا اجتماعيا رهيبا سوف تدفع الأجيال القادمة ثمنه في المستقبل القريب..
لا شك أننا تناولنا قضية المناهج التعليمية في دراسات مطولة وأبحاث كثيرة تعرض لها أساتذة التربية والعلوم وللأسف الشديد أن المناقشات كانت كثيرة والانجازات كانت ضئيلة للغاية ولا أدرى إلى متى نؤجل هذه القضية ولماذا لا نستعين بمناهج دراسية حديثة, إن نصف العالم الآن لا يستخدم الكتابة التقليدية ويتعامل في كل شىء بالكمبيوتر وأصبحت التكنولوجيا الحديثة تتطور كل ساعة وليس كل يوم وفى الوقت الذى تجد فيه التلميذ لا يعرف شيئا عن تاريخ وطنه تجده يجيد استخدام النت والفيس بوك والواتس أب وكل هذه الأساليب الحديثة في التواصل..وهنا لا بد من البحث عن أساليب حديثة في التعليم والمعرفة, وكان الرئيس عبدالفتاح السيسى قد أوصى المسئولين عن التعليم في مصر بدراسة التجارب اليابانية والصينية في هذا المجال خاصة وسائل التعليم والتكنولوجيا الحديثة ولا يعقل أن نبقى في هذا المستوى المتخلف من المناهج وما ترتب على ذلك من تراجع القدرات والإمكانات وبعدها تماما عن روح العصر..
لقد ثبت للعالم أن الثراء الحقيقى ليس في الموارد الطبيعية أو الثروات والأصول ولكن القدرة البشرية هى عماد التقدم وان التنمية البشرية يمكن أن تعوض الشعوب في نقص مواردها وهناك دول قامت نهضتها على التعليم وفى دول شرق آسيا اكبر تأكيد على ذلك..ليس في اليابان أو سنغافورة أو كوريا موارد طبيعية ولكن البشر هم مصدر الثراء الحقيقى..وقد قامت تجارب كل هذه الدول على التعليم لأنه نقطة البداية وقد كنا يوما نقدم نموذجا متطورا في التعليم وهو الذى قامت عليه قدرات مصر ودورها في المنطقة حين كان لدينا الطبيب والمهندس والعالم والأديب والكاتب وحتى العامل والفلاح الماهر..إن القدرات البشرية هى التى صنعت التقدم والحضارة وكان التعليم طريقنا إلى ذلك كله..
لا ينبغى أبدا الفصل بين قضية التعليم وسوق العمل لأن الإنسان يتعلم لكى يجد فرصة في حياة كريمة وعمل يحقق ذاته وإذا انفصل التعليم عن العمل حدث ما يجرى في مصر الآن حيث الملايين الذين تخرجوا من الجامعات والمعاهد ولا يجدون عملا لأن ما يحتاجه العمل من قدرات ومواصفات لا يتوافر في مناهج الدراسة ولا قدرات المدرس ولا طبيعة المنظومة التعليمية بكل جوانبها, وهنا لا بد أن توضع برامج مشتركة بين المؤسسات التعليمية والمؤسسات الإنتاجية بحيث يكون هناك تكامل بين التعليم والعمل والانتاج..إن هذا الانفصال أصبح الآن قضية مطروحة لأن هناك أعمالا كثيرة لا تتوافر فيها قدرات الخريجين وهناك ملايين من الخريجين يفتقدون هذه القدرات والحل هو إعادة النظر في المنظومة التعليمية بالكامل لتكون مصدرا لتوفير العمالة للمجتمع..
لابد أن نعترف إن تغير السياسات في مواقع سلطة القرار أدى إلى فساد العملية التعليمية حيث افتقدت التنسيق والتكامل والاستمرارية لأن عنتريات المسئولين أدت إلى غياب الرؤى ويكفى ما يحدث في الثانوية العامة وهى اخطر مرحلة تعليمية فقد تغيرت عشرات المرات وظهرت فيها أمراض كثيرة ابتداء بتسريب الامتحانات وانتهاء بالمجاميع الخرافية مائة في المائة وما بعدها..إن كل وزير جاء في المؤسسات التعليمية كانت مهمته الأساسية أن يهدم كل ما كان قبله وجلس الجميع على أطلال تجارب فاشلة..
يبقى هنا سؤال على درجة كبيرة من الأهمية, وما هو الحل..إن نقطة البداية هى إصلاح أحوال المدرس حتى يستغنى تماما عن الدروس الخصوصية ويعود لدوره الأصيل معلما مترفعا وقانعا بمرتب مناسب توفره الدولة ثم بعد ذلك نوفر سلسلة من المناهج العصرية حتى لو تطلب الأمر سفر آلاف المدرسين للتدريب في الخارج..وبجانب هذا يجب أن تمتد يد رجال الأعمال لإنشاء مدارس وفصول جديدة حتى تتراجع معدلات الكثافة في المدارس وقد وصلت إلى أسوأ حالاتها..ولا ينبغى أن تفرط الدولة في حقها بالإشراف على المؤسسات التعليمية الأجنبية في المدارس والجامعات وان تلزمها بتعليم اللغة العربية والتاريخ وان يكون هناك تنسيق بين العملية التعليمية ومواقع العمل والإنتاج وقبل هذا كله يجب إنشاء مجلس أعلى للتعليم تحت إشراف رئيس الدولة تكون مهمته وضع خطط ثابتة من اجل منظومة تعليمية متكاملة الجوانب لا تخضع لمتغيرات وزارية أو رؤى شخصية وتحدد مستقبل التعليم في مصر على أسس عصرية متقدمة تراعى فيها التحولات الكبرى التى يشهدها العالم حولنا.
..ويبقى الشعر
لوْ أنـَّنـَا..لمْ نـَفـْتـَرقْ
لبَقيتُ نجمًا في سَمائِكِ ساريًا
وتـَركتُ عُمريَ في لهيبكِ يَحْترقْ
لـَوْ أنـَّنِي سَافرتُ في قِمَم ِ السَّحابِ
وعُدتُ نـَهرًا في ربُوعِكِ يَنطلِقْ
لكنـَّها الأحلامُ تـَنثــُرنـَا سرابًا في المدَي
وتـَظلُّ سرًا..في الجوَانح ِ يَخـْتنِقْ
لوْ أنـَّنـَا..لمْ نـَفـْتـَرقْ
كـَانـَتْ خُطانـَا فِي ذهول ٍ تـَبتعِدْ
وتـَشـُدُّنا أشْواقـُنا
فنعُودُ نـُمسِكُ بالطـَّريق المرتـَعِدْ
تـُلقِي بنـَا اللـَّحظاتُ
في صَخبِ الزّحام كأنـَّنـا
جَسدٌ تناثـَرَ في جَسدْ
جَسدَان في جَسدٍ نسيرُ..وَحوْلنـَا
كانتْ وجوهْ النـَّاس تجَري كالرّياح ِ
فلا نـَرَي مِنـْهُمْ أحدا
مَازلتُ أذكرُ عندَما جَاء الرَّحيلُ ..
وَصاحَ في عَيْني الأرقْ
وتـَعثــَّرتْ أنفاسُنـَا بينَ الضُّـلوع
وعَادَ يشْطـرُنا القـَلقْ
ورَأيتُ عُمريَ في يَدَيْكِ
رياحَ صَيفٍ عابثٍ
ورَمادَ أحْلام ٍ.. وَشيئـًا مِنْ ورَقْ
هَذا أنا
عُمري وَرقْ
حُلمِي ورَقْ
طفلٌ صَغيرٌ في جَحيم الموج
حَاصرَه الغـَرقْ
ضَوءٌ طريدٌ في عُيون الأفـْق
يَطويه الشـَّفقْ
نجمٌ أضَاءَ الكونَ يَومًا..واحْتـَرقْ
لا تـَسْألي العَينَ الحزينة َ
كـَيفَ أدْمتـْها المُقـَلْ..
لا تـَسْألِي النـَّجمَ البعيدَ
بأيّ سرّ قد أفـَلْ
مَهمَا تـَوارَي الحُلمُ فِي عَينِي
وَأرّقنِي الأجَلْ
مَازلتُ المحُ في رَمادِ العُمْر
شَيئـًا من أمَلْ
فـَغدًا ستنـْبـتُ في جَبين ِالأفـْق
نَجماتٌ جَديدة
وَغدًا ستـُورقُ في لـَيالِي الحزْن
أيَّامٌ سَعِيدة ْ
وغدًا أراكِ عَلي المدَي
شَمْسًا تـُضِيءُ ظلامَ أيَّامي
وإنْ كـَانَتْ بَعِيدهْ
لوْ أنـَّنـَا لـَمْ نـَفترقْ
حَملتـْكِ في ضَجر الشـَّوارع فـَرْحتِي ..
والخوفُ يُلقينِي عَلي الطـُّرقاتِ
تتمَايلُ الأحلامُ بينَ عُيوننـَا
وتـَغيبُ في صَمتِ اللــُّـقا نبضَاتِي
واللـَّيلُ سكـّيرٌ يُعانِقُ كأسَه
وَيَطوفُ مُنـْتـَشِيًا عَلي الحانـَاتِ
والضَّوءُ يَسْكبُ في العُيُون بَريقـَه
وَيهيمُ في خَجل ٍ عَلي الشُّرفـَاتِ ..
كـُنـَّا نـُصَلـّي في الطـَّريق ِ وحَوْلـَنا
يَتنَدَّرُ الكـُهَّانُ بالضَّحكـَاتِ
كـُنـَّا نـُعانِقُ في الظـَّلام دُموعَنا
والدَّربُ مُنفطـٌر مِنَ العَبراتِ
وتوقـَّفَ الزَّمنُ المسافِرُ في دَمِي
وتـَعثـَّرتْ في لـَوعةٍ خُطوَاتي
والوَقتُ يَرتـَعُ والدَّقائِقُ تـَخْتـَفي
فنـُطـَاردُ اللـَّحظـَاتِ..باللـَّحظـَاتِ ..
مَا كـُنتُ أعْرفُ والرَّحيلُ يشدُّنا
أنـّي أوَدّعُ مُهْجتِي وحيَاتِي..
مَا كانَ خَوْفِي منْ وَدَاع ٍ قدْ مَضَي
بَلْ كانَ خوْفِي منْ فِراق ٍ آتي
لم يبقَ شَيءٌ منذ ُكانَ ودَاعُنا
غَير الجراح ِ تئنُّ في كلِمَاتي
لوْ أنـَّنـَا لـَمْ نـَفترقْ
لبَقِيتِ في زمن ِ الخَطِيئـَةِ تـَوْبَتِي
وجَعَلتُ وجْهَكِ قبْلـَتِي..وصَلاتِي
> قصيدة «لو اننا لم نفترق» سنة 1998