أحلام تتخطى ناطحات السحاب، وحياة مثالية يرسمها الزوجان فى بداية زواجهما، تتلاشى بمجرد القفز إلى «عش الزوجية».
تمر الأيام بحلوها ومُرها عليهما ويكتشفان أن المسئولية تتضاعف، هناك من يحاولون تخطى الأزمات، وآخرون يستسلمون لها، فتتفاقم الخلافات بين الطرفين، وتمر الأيام وتتسع معها الفجوة التى خلقتها الظروف بينهما، ليصلا معًا إلى «حائط سد»، غالبًا ما يعقبه «طفشان الزوج»، وهنا تكون الصدمة الكبرى للزوجة التى تجد نفسها عالقة بين لقبى «متزوجة» و«مطلقة»، فتلجأ إلى القانون باعتباره «القشة» التى ربما تنقذها من غرق حتمى، أو تستسلم وترضى بحالها وكأنها مجبرة، لا تملك خيارًا آخر.
ووفق دراسة سابقة للمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، فإن عدد الأزواج الذين هربوا من زوجاتهم وحياتهم الأسرية قد تجاوز 18 ألفًا، وأكثر من 60% من زوجات هؤلاء يقدمن إلى محكمة الأحوال الشخصية لطلب الطلاق، فى حين لم تفقد النسبة الباقية الأمل فى رجوع أزواجهن وإن طال الغياب.
نجاة.. غاب من 13 عامًا ولم تطلب الخلع
«نجاة إبراهيم»، إحدى ضحايا هروب الأزواج، تعيش فى شقة صغيرة بالطابق الأرضى، برفقة ابنيها الاثنين بمنطقة «عزبة النخل» بمحافظة القاهرة، يتألف سكنها من سرير صغير ملاصق لباب الشقة وثلاجة تضعها كديكور، فلا تعمل منذ 3 أعوام.
تجلس برفقة ابنها الأكبر «عبدالرحمن» الذى جاء من مدرسته منذ قليل، تنتظر معه مجىء صغيرها «محمد»، ويبدو وجهها حزينًا، وعيناها ذابلتين وكأنها لم تنم منذ أعوام.
تتذكر ذلك اليوم الأسود، كما وصفت، حين عادت إلى المنزل من الفيوم، حيث وضعت ابنها الأصغر هناك، لتكتشف أن زوجها سرق قرطها الذهب وهرب.
تؤكد المرأة الثلاثينية أن زوجها لم يظهر منذ لحظة سفرها إلى الفيوم التى تقطن فيها أسرتها، وعندما طلبت منه السفر برفقتها تحجج بالعمل، تقول: «طول عمره بيشتغل قهوجى، يوم آه وعشرة لأ، ورفض ييجى معايا عشان ميدفعش حاجة فى مصاريف الولادة وأهلى يشيلوا كل حاجة لوحدهم».
مر 13 عامًا على غياب الزوج، لم يرد إليها فيها أى أخبار عنه فلم تجد مفرا سوى الاستسلام، ولم تقدر على رفع أى دعوى تضمن لها حقها أو تحصل من خلالها على معاش تعول منه أبناءها، حيث بادرت حماتها بتهديدها بالطرد من الشقة إذا فعلت ذلك: «البيت كله بتاع حماتى ولو فكرت أطلق غيابى من جوزى هتطردنى، ورغم كده مش بتساعدنى بمليم، يعنى لا بترحم ولا بتسيب رحمة ربنا تنزل».
الخروج إلى بيئة العمل كان الخيار الوحيد أمام «نجاة»، التى آثرت أن تُعلم أولادها وتتولى بمفردها مهمة الإنفاق على الأسرة، مشيرة إلى أنها دفعت ثمن ما فعله زوجها على حساب صحتها التى انهارت فى سن مبكرة.
مرت تلك الأعوام ثقيلة وكئيبة عليها، لكنها استطاعت أن تتأقلم جيدًا وكرست كل جهودها ووقتها من أجل أبنائها، تضيف: «عندى عيالى أتسند عليهم لو الزمن مال بيا، هعيش ليهم وهصرف عليهم ومش مهم عندى أتجوز، وولاد الحلال بيساعدونى مع الكام قرش اللى بيطلعوا ليا من البيوت اللى بنضفها وربنا بيكرم».
روحية.. تركها منذ 15 سنة لعدم إنجابها
ظنت أنها ستنعم بحياة هادئة برفقته لكونه ابن خالتها، إلا أنها وجدته أنانيًا يحب ذاته، لا يبحث عن شىء سوى سعادته، مرت سنوات زواجهما الأولى هادئة تارة وتغمرها العواصف والمشاكل تارة أخرى، طال انتظارهما الإنجاب حتى اتهمها زوجها بالعقم، ومن ثم بدأت المشاكل بينهما.
تعيش «روحية صبحى» فى منطقة طرة البلد بمفردها، بعد مرور 15 عامًا على غياب زوجها، وتؤكد أن الفترة التى سبقت اختفاءه كانت مستقرة، ولم يُظهر خلالها أى مشاعر غضب أو ضيق من عدم إنجابهما، ووعدها بأن يذهبا معا للطبيب حتى يجدا الحل.
استيقظت من نومها ولم تجده إلى جوارها كعادته، وبعد مرور سنوات عديدة وردت إليها أنباء بزاوجه فى إحدى محافظات الصعيد، تقول: «كان شغال أرزقى وعرفت أنه اتجوز وخلف وعاش حياته، وطفش وسابنى لأنى مبخلفش، لو كان طلقنى كان هيبقى أرحم ليا بدل ما أنا لا طايلة سما ولا أرض، على الأقل كنت هعرف هاخد معاش أعيش منه».
تعمل روحية عاملة نظافة بإحدى المدراس الابتدائية بالمنطقة، مقابل راتب شهرى قيمته 350 جنيهًا، تضيع فى مصاريف علاجها، حيث تعانى من حساسية على الصدر، وتعيش المرأة الأربعينية فى غرفة بالطابق الأرضى تعتمد الإضاءة بها على اللمبة الجا.
الظروف المادية السيئة منعت «روحية» من اللجوء إلى القانون والحصول على مستحقاتها، حيث قررت الاستمرار فى العمل كى تعول نفسها وتوفر قيمة العلاج الذى تحتاجه.
أم نجلاء.. فى محكمة الأسرة مستنية النفقة
على سلالم «مجمع محاكم ونيابات الأسرة» بـ«إمبابة» تجلس «أم نجلاء» بعد أن ذابت قدماها بسبب الوقوف أمام مكتب الموظف الذى أرسلها إليه محاميها، كى يُنهى لها بعض الأوراق التى ستحصل من خلالها على النفقة، تنظر يمنة ويسرة، وتبدو علامات الحزن والقلق على وجهها، تنعى حظها السيئ الذى قذف بها إلى هذا المكان الذى لا يخلو من الفوضى والمشاجرات، فما تخفيه فى قرارة نفسها قد أشبعها حزنًا، لديها 4 أبناء، أكبرهم فى كلية تجارة، حيث تركهم والدهم منذ عام بعد أن سئم الإنفاق عليهم.
تؤكد «أم نجلاء» أنه كان يطفش ويعود على فترات متقاربة، عندما كان يجد نفسه عاجزا عن توفير احتياجات أبنائه: «كان بيطفش أسبوع أو أسبوعين، أو شهر، بيروح ويرجع تانى ويتأسف ويوعدنى إنه هيشتغل وهيصرف على البيت وبعد كده ترجع ريما لعادتها القديمة»، موضحة أنه تركها منذ عامين ولا تعلم عنه أى شىء، وعندما بادرت بالشكوى لأهله أكدوا أنه يعيش بمفرده ولا يريد العودة إليها مرة أخرى، وعندما تابعت ابنتها الكبرى حسابه الشخصى على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» وجدته يوجه السباب والشتائم لهما من خلال منشوراته: «حاولنا نعرف هو فين بالظبط بس معرفناش وأهله مطاوعينه فى اللى بيعمله وهما اللى شجعوه عشان يطفش وميدفعش النفقة والمؤخر».
قررت المرأة الأربعينية اللجوء إلى القضاء كى تحصل على نفقة تعول منها أبناءها، موضحة أنها لا تريد مساعدة أحد حتى وإن طالت إجراءات حصولها على النفقة: «عيالى كلهم بيتعلموا ومش هقبل إنهم يستنوا مساعدة حد، أمى ربنا يخليهالى بتساعدنى لحد ما أقبض النفقة وربنا بيدبرها من عنده»، وتضيف فى ضيق: «مش فارق معايا طلاق، أهم حاجة آخد النفقة وأدبر أمورى عشان مستقبل عيالى».