حصلت البداية على رسالة جديدة من الطالب أيمن موسى، أرسلها من داخل محبسه بسجن ملحق المزرعة بطرة، حملت عنوان "زنزانة الطلبة" شارحًا فيها كيف يمر الوقت عليه داخل الزنزانة.
وجاء في الرسالة
«كل عام قبل الامتحانات نتجمع نحن الطلبة من جميع أنحاء السجون، وكافة الكليات والجامعات هنا.. في سجن طرة، زنزانة الطلبة لها روح مختلفة.. روح شبابية، رغم ما نراه من بهدلة بسبب الترحيلة، لكننا ننتظر كل عام كي نلتقي لأيام معدودة ثم يتم ترحيل الجميع مرة أخرى.. كلٌ إلى "سجنه".
بالنسبة إلينا من يأتون من سجون شديدة الحراسة الزنزانة واسعة.. على الأقل يمكن التحرك فيها، المساحة المخصصة للنوم (النمرة) واسعة نسبياً.. يوجد حمامان والتهوية أفضل.
قبل امتحاني الأخير بيوم، كنت جالساً في ركن الزنزانة أذاكر.. الملازم مبعثرة من حولي ماعدا واحدة في إحدى يدي.. وقلم في الأخرى.. الجو شديد البرودة.. على رأسي (الكابيشون) وبداخل رأسي أرقام و معادلات متناثرة.
أحدق في الملزمة.. أحاول فك ألغازها.. لا أستطيع.. أضعها بجانبي في يأس، أنظر للزنزانة من حولي ، على يميني بعض الشباب يصنعون الطعام للزنزانة.. أمامي بعض الشباب يتحدثون في أمر ما.. بجانبهم شاب يذاكر.. وآخر ينظر من (الثقب) الذي نرى به العالم الآخر لبضع دقائق في توتر وقلق.
هذا (الثقب) الذي رأيت منه "مصطفى عصام" قبل أن يرحل، لم أكن أعرف شيئاً عنه منذ ثلاثة أعوام.. ثم رأيته أمامي مبتسماً كعادته.. كأنه يودعني للمرة الأخيرة قبل رحيله.. رحمه الله.
تتزاحم أمامي الأرقام والمعادلات.. تزداد شيئاً فشيئاً حتى تحول بيني وبين الزنزانة من حولي ، رأسي تثقل.. أسندها على الحائط ورائي.. جفنيّ يثقلان.. يسقطان شيئاً فشيئاً..
"أيمن! أيمن!"
أسمع صوتا يناديني.. أشعر بجسدي يهتز.. أفتح عينيّ ببطء أرى وجهاً مبتسماً ابتسامة خبيثة!
يُكمل حين يرى عينيّ شبه مفتوحتين.. "إيه يابني إنت نمت؟! طب قوم نام على الفرشة!"
نظرت إليه متعجباً هذه الابتسامة الخبيثة التي لم تذهب.. أيضحك على نومي جالساً؟ أم تراه فعل مقلباً ما؟! تجاهلت ابتسامته وأسئلتي وقلت له بصوت متحشرج " لا أنا هقوم دلوقت".. تركني وذهب ، انتظرت قليلا حتى يعود عقلي للعمل.. حتى ينتهي من ال "buffering".
قمت لأغسل وجهي.. " أيمن! تلعب بولة Estimation؟!" نظرت ناحية مصدر الصوت الآتي من خلفي.. وجدت "جِندي" جالساً ومعه ثلاث شباب آخرين وبأيديهم كروت "كوتشينة".. أشرت برأسي نافياً وقلت "لاء مش قادر بس.. ممكن ألعب "Poker".. "طيب هنخلص البولة دي ونلعب.. هات معاك ال chips و إنت جاي".
ذهبت إلى الحمام، أمسكت بزجاجة مياه، في هذا السجن المياه منقطعة طوال الوقت! تأتي فقط خمس مرات كل يوم لدقائق، فنملأ الزجاجات والجرادل وأي شيء يصلح لتخزين المياة.. صببت بعض المياه على يدي، المياه مثلجة! غسلت بها وجهي سريعاً قبل أن أتراجع ، خرجت من الحمام، نظرت ناحية جندي وجدتهم مازالوا يلعبون، فذهبت لصنع كوب نسكافيه.
سألت "عبد الرحمن عمرو" عن مكان الأكواب، ترك الكتاب الذي كان يقرأ فيه ونظر إلي، ضغط على منتصف نظارته بحركة لا إرادية وقال لي مشير إلى كيس معلق على الحائط ورائه "هتلقيه في الكيس ده"، فذهبت ناحية الكيس وسألته إن كان يريد أن يشرب شيئاً، فأومأ برأسه نافياً وشكرني.
سمعت صوت "جِندي" قائلاً لي "هتعمل إيه؟" نظرت إليه و سألته "نسكافيه، تشرب؟"
"آه إعملي معاك"
"يابني هتبوظ مني كده، إنت مكنتش بتشرب شاي.. دلوقتي بتشرب نسكافيه وقهوة وبتلعب estimation و pokerr..؟! و لا إنت علشان خلصت مذاكرة بتنتقم يعني؟"
رد عليّ ضاحكاً "ياعم ما أنت السبب، أول كباية قهوة إنت اللي علمتهالي، و أول بولة Estimaton إنت اللي علمتهالي"
رددت عليه مبرئاً نفسي "بس مش أنا اللي معلمك ال Pokerr.. دي إحنا إتعلمناها هنا مع بعض.. عامةً شوف كده حد عندك عايز يشرب حاجة؟"
سألهم و نفوا جميعاً ماعدا "علي عارف" طلب كوب شاي بدون سكر.
صنعت المشروبات و أتيت بال chips المصنوعة من أطباق فل و أقلام highlighter في طريقي لمحت جريدة الأخبار ملقى على الأرض ومكتوب في الصفحة الأولى بخط عريض "قائمة العفو الثانية في خلال 72 ساعة"
إبتسمت نصف إبتسامة فقد مضى إسبوعا (168 ساعات) و لم يحدث شيئاً!! أكملت طريقي إلى الشباب في ركن الزنزانة.. أعطيت لكلٍ كوبه وجلست لنغلق دائرة من خمس أشخاص، وأنتظرت آخر game في البولة.
ألقيت نظرة سريعة على الزنزانة.. 25 شاب غيري في هذه الزنزانة!
88 زنازين طلبة في هذا السجن فقط.. غير من يؤدون إمتحانتهم في سجون أخرى.. غير من يوجد مشاكل في أوراقهم و لا يستطيعون أداء الإمتحانات، فظلوا قاعدين في "سجونهم".. صدمت عندما رأيت شبابًا من مواليد 1998!
عامين و سنلتقي بمواليد 20000!!
أعلم أن هناك أطفالا قابعين في مؤسسة العقابية، لكن دائماً الرؤية غير السمع..
بدأنا game ال Poker.. "علي عارف" يوزع ال "chips" ثم خمس ورقات على الأرض وورقتين لكل لاعب، سألني "جِندي" "إيه النوم ده كله؟!".
نظرت إليه متعجباً "إيه أنا نمت كتير؟!"
"آه.. وكمان الشباب كانت قاعدة تطبل وتهيص.. الواد خالد مسك الحلة و اشتغل.. طبعاً كله ما بيصدق.. أنت محسيتش؟!"
"خالص!" ، "خلصت مذاكرتك ولا لسة طيب؟"
"لا لسة فاضل لي 7 chapter و 13 مش فاهم منهم حاجة!"
"طب إيه مش هاتكمل؟!"
"دلوقت؟ لاء.. مخي فاصل شحن.. زي البتاع اللي ورا ده."
و أشرت بإبهامي خلفي على "الثقب" الذي نرى به العالم لبضع دقائق في توتر و قلق.. أبتسم جندي إليّ و قال "بس المفروض دي لعبتك.. الstatistics"
"Foldd"
تم وضع ورقة جانباً.. إختلست نظرة سريعة إلى ورقي ثم إلى الورق الملقى على الأرض وقلت وأنا أرمي ب chip 500.. "يا عم لو المنهج يتشرحلي مرة واحدة بس هقفل الإمتحان.. كده كده الأسئلة بتيجي مباشرة مفيهاش لف ودوران.. وبعدين الورق لسة داخلي زيارة حسن أول إمبارح، بعد ما رجعت من زيارتين قبله.. والإمتحان بكرة! وأنا مخي وقف عامةً.. الصبح هاراجع على اللي ذاكرته و بعديها هحاول أفهم أي حاجة من اللي ناقص."
"آه صح الصبح الدنيا بتكون هادية.".
"All in!" قولت أنا أدفع كل ال chipss بثقة قبل أن أخسرها كلها!
نظر إليّ "جِندي" و قال لي ضاحكاً "يابني إحنا لو كنا بنلعب على فلوس، كان زمانك بعت شرابك!"
ضحكنا جميعاً..
أحيانًا تولد لحظات تنسيك كل همومك، كالنبات الذي يشق طريقه من بين الوحل والسماد، فيخرج وروداً و ثمارا.. نتمنى أن نمسك بهذه اللحظات ونستمتع بكل تفصيلة فيها.. لكن سرعان ما تذهب هذه اللحظات وسط قلة الشمس وعفونة المكان.. فتدبل.. وتموت!!».
يُذكر إنه صدر ضد أيمن حكم بالسجن المشدد 15 عامًا، وغرامة 20 ألف جنيه ومراقبة 5 سنوات، وقضى منها حتى الآن 3 سنوات أربعة أشهر، وذلك بعد اعتقاله في أحداث رمسيس التي وقعت في أكتوبر 2013 ، وكان أيمن وقتها طالبا في الفرقة الثانية، ووجهت له اتهامات بينها حيازة أسلحة نارية، والانضمام إلى جماعة إرهابية.
وتوفى والده حزناً عليه، فيما رفضت السلطات طلب أسرته لخروجه يوم واحد لحضور دفن والده.