الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

هل التفاؤل شرط للنهضة؟

هل التفاؤل شرط للنهضة؟
نعم، التفاؤل يساعد على النهضة، بل قد يكون شرطا من شروطها، كما أن التشاؤم يؤخر النهضة ويعطل تقدمها. لديّ من الأدلة من تاريخ مصر خلال المائة عام الماضية، ما يرجح هذا الاستنتاج. 

هناك أولا فترة عاصرتها وعشتها يوما بعد يوم، وهى السنوات العشر التالية لثورة 1952. تحقق هذا الفرح بصدور قانون الإصلاح الزراعى بعد أقل من شهرين من قيام الثورة، وبإلغاء الألقاب من باشوية وبكاوية، ثم بتوقيع اتفاقية جلاء الإنجليز عن قناة السويس، ثم تأميم قناة السويس، وتحقق الجلاء بالفعل، ثم بتحقيق الوحدة بين مصر وسوريا، وإن لم تستمر هذه الوحدة طويلا، ثم بصدور الإجراءات والقوانين الاشتراكية فى 1961. كان الفرح بكل ذلك عاما وحقيقيا، مع الاعتراف بكراهية البعض لبعض هذه الإجراءات لمساسها بمصالحهم الشخصية، واعتراض البعض عليها لأسباب أخري، لقد صاحبت صدور هذه الإجراءات التهليل المضاد لأى شيء تفعله السلطة، من باب النفاق أو التسلق، ولكن هذا لا يطعن فى صدق ما شعر به غالبية الناس من فرح بهذه الإجراءات. 

مازلت أذكر أيضا كم كان المناخ الثقافى رائعا فى تلك الفترة، ازدهر المسرح المصرى فظهرت مسرحيات بديعة (كتلك التى قدمتها فرقة المسرح الحديث بإدارة زكى طليمات) لمع فيها لأول مرة بعض من أفضل ممثليها، رجالا ونساء، طوال العقود التالية، كما ظهرت مدرسة خلابة فى الشعر ومدرسة جديدة رائعة فى القصة القصيرة رائدها يوسف إدريس، وثلاثية نجيب محفوظ، كما لمعت أسماء محمد مندور فى النقد الأدبي، وزكى نجيب محمود فى الفلسفة ورءوف عباس فى التاريخ وجمال حمدان فى الجغرافيا.. إلخ. 

ظهر فى هذه الفترة أيضا (أى بين أوائل الخمسينيات وأوائل الستينيات) نوع جديد من الأغاني، رفيعة المستوى فى كلماتها وموسيقاها، وحظيت بشعبية واسعة لصدق كلماتها وجمال ألحانها (هذا الجمال الذى نبع أيضا من صدق المشاعر التى ولدتها). 

أعتقد أن مناخا شبيها بهذا ساد أيضا فى مصر فى عقد العشرينيات من القرن الماضي، إنى لم أعايش هذه الفترة ولكنى قرأت عنها ما يدل على ذلك، كما الفرح حينئذ بسبب قيام ثورة 1919، وحصول مصر على الاستقلال فى عام 1922، ودستور جديد رائع فى 1923، وما أشاعه كل هذا من تفاؤل بقرب تحقق نهضة عامة فى مصر. أليس من المؤكد أن أعمال طه حسين والعقاد والمازنى والدكتور محمد حسين هيكل، فى العشرينيات والثلاثينيات، كانت من آثار هذا التفاؤل؟ 

ألا يمكن أيضا أن نضيف نهضة المسرح على أيدى نجيب الريحانى ويوسف وهبي، والسينما على أيدى آسيا وعزيزة أمير، وتألق أم كلثوم وملحنيها العظام، وكذلك تألق محمد عبد الوهاب بأغانيه وموسيقاه؟ 

أظن ان شيوع الفرح، والتفاؤل هو من أهم ما يكن أن يقدم كتفسير للتألق الثقافى فى مصر فى هاتين الفترتين. فهل يمكن أيضا أن نقول إن العقد التالى فى الحالتين (الأربعينيات فى الحالة الأولى والسبعينيات فى الحالة الثانية) لم يشهد مثل هذا التألق بسبب انحسار هذا التفاؤل؟، لقد جلبت الحرب العالمية الثانية (39 ـ 1945) وما صاحبها وتلاها من تضخم، مخاوف وتوترات سياسية واجتماعية أضعفت الانتاج الثقافى فى عمومه، فشهدنا أحداث العنف الناتج عن التعصب الدينى فى كلا العقدين، ومزيدا من التعذيب المتهور فى حياتنا الثقافية، فظهرت أعمال تستدر إعجاب شرائح اجتماعية صاعدة ولكنها أقل عمقا وجمالا مما كان سائدا قبل هذه الحرب، وتستجيب لأذواق أصحاب الثروات الجديدة التى تولدت من الحرب والتضخم فى إحدى الحالتين، أو من الانفتاح الاقتصادى المفاجئ فى الحالة الأخري. ربما ساد الفرح صفوف الشرائح الاجتماعية الصاعدة حديثة بما حققته من نجاح اقتصادي، ولكنه كان فرحا مختلفا فى طبيعته عن ذلك الذى ساد فى الفترتين السابقتين عليهما. كان فرحا بالصعود الاجتماعى السريع لطبقة بعينها، قليلة الحظ نسبيا من التعليم، وليس فرح الأمة كلها بتقدمها وقرب تحقيق آمالها. 

ثارت الآمال طبعا من جديد بقيام ثورة (أو انتفاضة) شعبية فى أوائل 2011، ولا يمكن إنكار ما ساد من فرح عام بسقوط نظام حسنى مبارك. ولكن لا يمكن أيضا أن ننكر أن هذا الفرح لم يستمر طويلا. كانت ثورة ما يمكن وصفه «بثورات آخر زمن»: انتفاضة شعبية واسعة النطاق حقا، وتعبر عن مشاعر صادقة ومطالب حقيقية، ولكن لم تستطع أن تضع مطالب الناس موضع التنفيذ، ومن ثم سرعان ما زاد الشك فيها، وأخذ الشعور بالاحباط يحل محل التفاؤل الذى أثارته فى البداية. 

كان لابد أن يظهر هذا فى الحالة الثقافية، أيضا صحيح أن هذه الثورة الأخيرة لم يمر أكثر من ستة أعوام على قيامها، ولكن هل نرى أى بوادر لتقدم ثقافى يعكس فرحا عاما بقرب تحقيق الآمال؟ لا تبدو أى بوادر من هذا النوع: لا فى المسرح أو السينما، ولا فى الغناء والموسيقي، ولا فى أى بدايات لتطورات واعدة فى العلوم الاجتماعية أو الكتابات الإنسانية أو فى وسائل الإعلام. 

الأمران مطلوبان بالطبع: نريد أن يسود التفاؤل ونريد أن تتقدم حياتنا الثقافية والاجتماعية، كل منهما يغذى الآخر ويقويه، فمن أين يمكن أن نبدأ؟ لا أظن من الممكن أن نتوقع أن يسود الفرح والتفاؤل بالمستقبل قبل أن يرى الناس بعض بوادر التقدم فى الحياة الاجتماعية، وعلى الأخص فى ميدانى السياسة والاقتصاد. 
مصدر الخبر
الأهرام

أخبار متعلقة