على مدى أكثر من مئة وخمسين سنة، كان ترام الإسكندرية الأقدم في أفريقيا والشرق الأوسط بضجيجه المتصل وقضبانه الفضية اللامعة وصافرته العالية ومقاعده الجلدية المميزة مخترقاً شوارع الإسكندرية، إلى أن بات أحد المكونات الرئيسة للمدينة الكوزموبوليتانية ويخلص تتبع تاريخه عبر الزمان إلى تقديم قراءة ثرية حول تطور المدينة ككل، وهو ما أتيح أخيراً في معرض «ترام الإسكندرية» المقام في بهو المعهد الفرنسي بدعم من الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وهيئة نقل الركاب في الإسكندرية ومركز الدراسات السكندرية.
يأتي ذلك المعرض في إطار خطة لتطوير الترام الذي لم يشهد أي عملية تطويرية شاملة منذ 100 سنة في مقابل تغييرات شكلية، منها إضافة عربات سياحية في مؤخر الترام، فيما ظلت غالبية العربات متهالكة والمحطات عتيقة، وهو ما تسعى الوكالة الفرنسية بالشراكة مع الهيئة العامة للنقل الى تغييره بكلفة تصل إلى 300 مليون يورو. ومن المفترض أن «ترتفع سعة الترام من 180 ألفاً إلى 300 ألف راكب يومياً، وتتقلص مدة الرحلة إلى 32 دقيقة من 90 دقيقة، عبر زيادة سرعة الترام من 11 إلى 21 كيلومتراً في الساعة، وتحويل بقية المزلقانات للعمل بالنظام الإلكتروني» وفقاً لرئيس الهيئة العامة لنقل الركاب خالد عليوة.
يدفع المعرض المشاهد إلى الغوص في تاريخ تطور المدينة وترامها العتيق من خلال صور فوتوغرافية وخرائط تراثية وأفلام وثائقية لم ينشر معظمها من قبل، كما يتناول المعرض كثيراً من الملامح الاجتماعية والثقافية والاقتصادية الخاصة بالتطورات التي عرفتها مصر منذ الاحتلال الإنكليزي إبان الثورة العرابية (1879) وكيف كانت حياة المصريين والأجانب وتعايش الجنسيات والبيئة الكوزموبوليتانية التي احتضنت الثقافات والأيديولوجيات والتوجهات. خاض المعرض في بعض التفاصيل مقدماً من خلالها شريط التغيّرات، فمثلاً شكل التذكرة وكيف اختلف خلال مئة سنة، وشكل الكمساري (محصل التذاكر) بدءاً من ملابسه وقبعته وصافرته وحزامه وحذائه والحقيبة التي يضع فيها التذاكر والنقود، منذ أن كان أجنبياً حتى انتقلت المهنة إلى المصريين.
ويرى الزائر شكل محطات القطار وتحوّل مقاعد الترام من خشب إلى جلد ثم بلاستيك، كذلك الستائر واختلافها والشبابيك وشكل العربات التي كانت أربعاً أولاها مخصصة للدرجة الأعلى، وعربتان درجة ثانية، وعربة درجة ثالثة، وقد تكون هناك عربة لنقل الموتى. أما اليوم فهناك ثلاث عربات، الأولى للسيدات والثانية والثالثة للعائلات. ويتناول المعرض أيضاً اختلافات ميكانيك القطار وتحوله من مرحلة الخيول والبخار إلى اعتماد قاطرات تعمل بالكهرباء عام 1902، كما يقدم نموذجاً مصغراً للترام.
يذكر أن ترام الرمل أو الترام الأزرق (الألماني) يتكون من ثلاث عربات منفصلة ويربط شرق المدينة (محطة فيكتوريا) بغربها (محطة الرمل) ويمر على 37 محطة.