دائما وأبدا تبحث الحكومة عن بدائل لسد عجز الموازنة في سكة "ضلمة"، تتجول في حارات وشوارع الخسائر دون أن تختار بذكاء طرق ومسالك المكسب وجمع الملايين لسد أزمة العجز، هي كذلك حكومة "مغيبة، طُرق كثير لحل أزماتها الاقتصادية لكنها مُصرة على الغرق في وحل الأزمات والدوامات، أكثر من 40 مليار جنيه في الصناديق الخاصة بالمحافظات دون رقيب لا تراها الحكومة وربما ترى لكنها تتجاهل الأمر، في الحالتين الأمر كارثة ويفتح باب التساؤل لماذا تصر الحكومة على ترك ملف الصناديق الخاصة دون الالتفات إليه؟!، البعض يوصفها بـ"المال السايب بالمحافظات"، فيما أكد برلمانيون أنها تحتاج وسريعًا إلى تشريع خاص ينظمها، وقال عنها تنفيذيون إنها باب خلفي للفساد.
كان مجلس الوزراء قد تسلم حصرًا شاملًا للصناديق الخاصة من وزارة المالية فى نهاية ديسمبر الماضى، قدرت حجم الأموال بها بـ 22 مليار جنيه، تمهيدا لتقديم هذا الحصر لمجلس النواب لمناقشته واقراره فى صورة مشروع قانون لضمه للموازنة العامة للدولة.
البرلمان من جانبه شكك فى هذا الحصر، وقالت اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب أن وزارة المالية لم تتمكن من جمع كل البيانات والحسابات المتعلقة بالصناديق الخاصة، مطالبين كلالوزارات والهيئات بالالتزام بتعليمات رئاسة مجلس الوزراء لجمع وحصر أموال الصناديق الخاصة، لكن هل تخضع الصناديق الخاصة إلى رقابة حقيقية؟ ومَن يُشرف عليها؟.
ويرد أشرف الليثي، الباحث والخبير فى التنظيم والإدارة، يوجد فى ديوان عام كل محافظة صندوق اسمه حساب الصناديق والمشروعات الخاصة وهو يتبع المحافظين مباشرة وعلى نفس الغرار يوجد فى الوزارات والهيئات صناديق خاصة وتكون تحت سلطان الوزير، مضيفا أن صناديق المحافظات على الاقل فى كل محافظة يوجد من 20 الى 30 مشروعا وفى الوزارات كوزارة الصحة يوجد بها كم من الصناديق الخاصة التى ليس له نهاية ولكن التى تؤرق الدولة هى صناديق المحافظات التي انشئت فى بداية السبعينيات وعلى مدار السنوات تزيد المشروعات الخاصة بالتمويل والتنمية داخل المحافظات وهناك مشروعات تدر دخل كبير جدا في بعض المحافظات التي لها ظهير صحراوي كمشروع المحاجر تدر دخل كبير جدا المفترض أن ينفق منه على التنمية المحلية، متسائلا رغم كثرة المشروعات فى المحافظات لماذا لم تتحقق التنمية بها ؟ ولماذا يشكوا المحافظين بعدم كفاية الموارد فى حين أن القيمة التى قدرت لدخل المشروعات على مستوى الدولة تتجاوز مليارات الجنيهات سنويا ؟.
أضاف الليثي، ان الدولة سعت كثيرا للسيطرة على هذه الصناديق ولكن من المؤكد أن جبهة الخصومة فى رفص هذا الاقتراح يأتي من داخلها لأن الصناديق بالنسبة للمحافظين هي نهر يسيل مالا، موضحا أن من المشروعات الخاصة بالصناديق صندوق النظافة ياتى منه دخلا شهريا رغم أن مستوى النظافة في المحافظات متدنى جدا فأين تذهب اموال النظافة ؟، أيضا صندوق المحاجر امواله كثيرة جدا وامواله مهدرة، مضيفا أن مصادر اهدار هذه الاموال ياتى فى أن عدد العاملين فى هذه المشروعات اكثر من الاحتياج الفعلي لإدارة كل مشروع وهذه العمالة تتمتع بمزايا مالية اكثر مما يتقاضاه نظرائهم من العاملين فى الجهاز الإداري للدولة رغم أن كل محافظ يستعين بالعاملين بالجهاز الادارى للدولة للعمل داخل محافظته فى اوقات العمل غير الرسمية فما الداعي لذلك رغم وجود بطالة فى كل محافظة يمكن القضاء عليها بتعيينها فى هذه المشروعات ؟، لافتا إلي أن الازمة فيمن يدير هذه المشروعات والصناديق، مؤكدا أنه في الغالب يتم الاستعانة بمن بلغوا سن التقاعد من القيادات والحاقهم بهذه الصناديق كمهمة شرفية، إضافة الى ان الهدف بمن يلحق بهذه المشروعات هو العطايا المالية التي سيحصل عليها من وجوده بهذا المشروع ولكن لو تم ادارة هذا المشروع بشكل جيد والارباح التى اتت لهذا المشروع تصرف على التنمية فى المحافظات الريفية بالأخص فهنا سنستطيع ان نأخذ من اموال الصناديق وننفق على التنمية.
تابع الليثي، أن الحاصل هو أنه كلما تعثرت الحكومة فى عجز الموازنة تنشط فكرة ضم الصناديق لموازنة الدولة وتأتى الاعتراضات من المحافظين نفسهم لأنها ستخرج من تحت ولايتهم، مشيرًا الى أن وجود الصناديق الخاصة دون رقابة حقيقية من جهات الرقابة الفعلية يعتبر احد ابواب اهدار المال العام وبوابة خلفية للفساد المستتر وبالتالي لا بد من وجود تنظيم وآلية موحدة لإدارة هذه الصناديق بدايتها بتقنين العاملين فيها لأنها تعتبر ملجأ لمن احيلوا للمعاش لان المكافآت التى يحصلون عليها مبالغ فيها ويدعون انهم اصحاب خبرة وهذا غير صحيح.
وقال الدكتور صلاح هاشم، خبير التخطيط والتنمية،، أن الصناديق الخاصة بها عيوب ومزايا، مشيرا إلي انها خارج الموازنة العامة للدولة فمنها صناديق الجامعات التي تذهب لدعم الكتب او للتطوير او بعض الموظفين بالمكافأة، لافتا إلي ان ضم الصناديق الخاصة للموازنة العامة قد يوقف كثيرا من المشروعات الانتاجية لصعوبة الصرف من الموازنة، فمثلا لو ارادت الجامعة شراء كتب او ورق فهل سيأخذونها من الموازنة العامة للدولة ؟ واوضح ان وجودها الحالي يسمح بمرونة للمديرين من الصرف منها على بعض النشاطات والتطوير المؤسسي، موضحا ان عيوبها هي المكافآت الكبيرة التي تخرج منها للمديرين وهذه لابد من وجود قرار حاسم او قانون يحدد هذه المكافآت فى الصناديق الخاصة.
اضاف هاشم، أن حجم الاموال فى كل صندوق يختلف حسب طبيعة وظيفة المؤسسة فالجامعات غير المحافظات وهكذا، مضيفا أن الصناديق الخاصة لها مجلس ادارة خاص بها يشرف عليها ولا يراقبها الجهات الرقابية كالجهاز المركزي للمحاسبات وغيرها ولكن لو فيها مخالفات قانونية قد يشرف عليها ولكن لا يمكن تحديد تلك المخالفات لأنه ليس هناك قدر محدد للمكافآت، مؤكدا أن الصناديق الخاصة من المفترض انها تابعة للدولة ولا تحصل الا 10 % فقط من أجمالي ما يتم تحصيله ولو تم ضمها للدولة ستزيد الموازنة العامة للدولة من 2 الى 2.5 مليار جنيه ولكن هناك بعص الصناديق لا يمكن ضمها للدولة صناديق الجامعات، وتابع: "لو ضمت للدولة ستتوقف الجامعة ونشاطاتها "، مشيرا الى أن مصر بها حوالى 625 صندوقا خاصا عدد المشتركين فيهم حوالى 4.6 مليون مشترك 49% منهم جهات حكومية وسيادية 13% قطاع اعمال وقطاع عام و425 % نقابات و12 % بنوك ومؤسسات صحفية وقطاع خاص اموالهم تتجاوز 43 مليار جنيه.
تابع هاشم، انه عند حدوث عجز بالموازنة بدأت الدولة تبحث عن ضم الصناديق الخاصة بعد 2014 لأنه بلغ قيمة ايرادات الصناديق الخاصة لعام واحد فقط 21 مليار جنيه انفقت منهم 15 مليارًا، وبعد مراجعة الصناديق الخاصة وجدت مخالفات تقدر بـ 9 مليارات جنيه بما يعادل 43 % من قيمة الايرادات وهذا ما ادى الى فتح ملف الصناديق الخاصة، قائلا:" لست مع ضمها لموازنة الدولة العامة لأنه سيؤثر على العمليات الانتاجية وعلى مرونة المديرين ويضع المؤسسات فى مأزق وسيولد مشاكل كثيرة ولكن لا بد من عمل قانون لها يحدد المكافآت ويحجمها بدلا من تركها لمجالس الادارات الحالية، قائلا:" هناك من يتقاضى 200 الف جنيه مرتبا ويتقاضى الباقى من الصناديق الخاصة".
وكشف الدكتور مجدى عبد الفتاح، مدير مركز البيت العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، ان الصناديق الخاصة ملك من أنشأوها ولا يمكن الحجز عليها، ولكن هل عليها رقابة ؟ بالطبع ليس عليها رقابة فما اقرته الدولة فى انشاء هذه الصناديق هو السبب المباشر فى فساد هذه الصناديق بمعنى أن المسؤولين عن هذه الصناديق هم اصحابها ومموليها الاساسيين الذين يتم استقطاع جزء من رواتبهم فعليهم أن يشرفوا عليها ويتابعوها وهذا الموجود فى نص القانون ولكن تطبيقه بأن المدير ومعه اخرين هم المشرفون عليها ولا يعرف اخر كيف تدار هذه الصناديق، موضحا ان الدولة تستدين من الصناديق الخاصة فقد حدث ذلك فى صندوق المعاشات وصندوق البريد ولم يتم استرجاع ما تم اقتراضه منها وهذا من الفساد ايضا، مضيفا ان عائشة عبد الهادي وزيرة القوى العاملة السابق اصدرت قرارا بأن الوزير يحق له نسبة 2 % من صندوق الطوارئ الخاص بالعمال وتابع أن أصل هذا الصندوق أن كل عامل يدفع جنيه من راتبه، وغرض هذا الصندوق أنه عندما يترك العامل عمله يأخذ منه راتبا مؤقتا لحين الحصول عمل اخر.
أضاف عبد الفتاح، أننا بحاجة لتعديل القانون واعادة صياغته بحيث يكون كل صندوق يقدر المال الموجود به والخدمات التى يقدمها للمواطنين او لأصحابه ويتم الاشراف على تقديم هذه الخدمات بشكل جدى فمثلا صندوق الطوارئ يعتصم العمال كثيرا ولا أحد يستجيب لهم، مشيرا الى، ليس لدينا تقارير وافية عن حجم الفساد فى هذه الصناديق ولا حجم الاموال الموجودة بهذه الصناديق وكيف تستغل، موضحا، هذه الصناديق مخفية وكل الارقام المعلنة لا تعبر عن الرقم الحقيقي.
ورأى الدكتور عادل عامر، أستاذ القانون العام، ان فكرة انشاء الصناديق الخاصة بدأت فى زمن الحرب وجاءت الفكرة لتوريد بعض الموارد المالية للإنفاق منها على النشاطات المختلفة بالمحليات من خلال انشاء صناديق خاصة ورسومها من رسوم الخدمة التى تقدمها من مصالح للجمهور وتكون هذه الاموال بعيدة عن الموازنة العامة للدولة ولكن الآن اصبحت الصناديق الخاصة الباب الخلفي للفساد حيث يتم الصرف منها مكافئات على القيادات المستفيدة من هذه الصناديق الخاصة اضافة الى ان هذه الصناديق غير خاضعة لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات فيجب ان يصدر قانون لضم هذه الصناديق الخاصة الى الموازنة العامة للدولة وتدرج ارقامها فى الموازنة العامة للدولة حتى تراقب.
اضاف عامر، أن المبالغ المقدرة فى الصناديق الخاصة لا تقل عن 7 مليارات جنيه وهذا المبلغ كفيل بسد عجز الموازنة العامة للدولة اذا تم دمج هذه الصناديق للموازنة العامة للدولة وتكون تحت رقابة مجلس النواب والجهاز المركزي للمحاسبات ولها بنود صرف محددة بعد ان انتفى الغرض الأساسي من إنشائها.