الإثنين 6 يوليه 2026 — القاهرة

بالفيديو.. نهاية عصر «المحلة».. كيف عشّش العنكبوت فى ماكينات الغزل والنسيج؟

بالفيديو.. نهاية عصر «المحلة».. كيف عشّش العنكبوت فى ماكينات الغزل والنسيج؟
«قلعة الغزل والنسيج».. هكذا كانت تسمى مدينة المحلة، التى ضمت أعرق مصانع الغزل والنسيج فى مصر والعالم، لكن الصناعة تدهورت من جميع أطرافها، ابتداء بالتناقص الكبير الذى شهدته مساحة الأراضى المزروعة بالقطن، مرورًا بالمصانع التى أصبحت عاجزة عن الإنتاج، وانتهاءً بقوانين قيدت تطوير الصناعة وعقدت من مهمة القائمين عليها. 

«الدستور» استطلعت أوضاع صناعة الغزل النسيج بمدينة المحلّة الكبرى، بعد مرور شهر على إطلاق وزارة الزراعة حملة قومية للنهوض بمحصول القطن لموسم 2017، فالمصانع تقلّ تدريجيا وتغلق أبوابها، أفلس أصحابها وعشّش العنكبوت على ماكيناتها.. العمّال لم يعد لهم مكان، فمنهم من يجلس عاطلا ينتظر فرصة عمل، ومنهم من اتجه إلى أعمال أخرى. أما الفلاحون فيعيشون أجواءً من الترقب، فى انتظار إجراءات حكومية تشجعهم على زراعة الذهب الأبيض.

_ أصحاب المصانع: «بعنا المكن خردة.. كلنا هنقفل لكن بالدور»
أمام مصنعه، وقف محمد إبراهيم، الرجل الثلاثينى، ينتظر بفارغ الصبر أى أخبار قد تغير واقعا يعيشه منذ أشهر، لكن يبدو أن الخبر السعيد لن يأتي، فقط المزيد من الفواتير المتأخرة، والديون المتراكمة.

يبدأ «إبراهيم» حديثه منفعلًا: «الأعباء فضلت تزيد علينا تدريجيا منذ أعوام، بندفع ضرايب وأجرة عمال ومواد خام، وفي المقابل الدولة بتزود الحمل علينا كل شوية».

يوضح «إبراهيم» أن تكلفة الإنتاج ارتفعت بشكل جنونى خلال الفترة الأخيرة، فأسعار المواد الخام زادت بنسبة 300%، إلى جانب ارتفاع تكلفة الكهرباء والمياه والغاز المستخدم فى المصنع.

«ببيع المنتج عطشان».. هكذا وصف «إبراهيم» حاله، فالمنتجات صارت تباع بسعر التكلفة أو أقل فى كثير من الأوقات: «المنتج اللى بيكلفنى 5 ببيعه بـ4 جنيه.. يا ريتنى كنت اشتغلت بالجاز أحسن ما كنت صرفت 500 ألف جنيه فى إدخال الغاز للمصنع، وفى الآخر شكلى هقفله».

«إبراهيم» سمع هو وأصحاب المصانع الأخرى الكثير عن دعم الصناعات المتوسطة والصغيرة، لكنها تظل مجرد تصريحات تقال فى المؤتمرات- حسبما يصف: «الحكومة بتقول كلام لكن مفيش أفعال».

«بالدور.. كل المصانع هتقفل».. جملة بائسة من صاحب المصنع، فقد كان شاهدا على إغلاق عدد كبير منها فى منطقته، ولديه قناعة تامّة بأن دوره فى إغلاق مصنعه آت لا محالة: «كتير من المصانع دورها جه خلاص ودى أغلبية، والدور على اللى لسه بيكافح زى حالاتى»، ويتابع: «كل يوم خميس بييجى عليا أصعب من اللى قبله، لأنى ببقى مش عارف أجيب للعمال أجرتها الأسبوعية منين، لدرجة إنى بستلف فى أوقات كتير».

أما حامد وهيب، أحد أصحاب المصانع المغلقة، فجاء دوره ووقع فريسة لغلاء الأسعار: «الديون تراكمت علىّ لحد ما قفلت مصنعى، المواد الخام زادت من 17 ألف لـ 65 ألف للطن، وصبغة النسيج اللى كانت بـ3 جنيه بقت بـ12 جنيه، وده خلانا نرفع الأسعار وبالتالى تسبب فى رفض الطلبيات التى تم التعاقد عليها بالخارج بسبب الأسعار الجديدة». فكان لازم نقفل المصانع قبل ما نتسجن من كتر الديون اللى هتبقى علينا».

بأسى بالغ يتذكر «إبراهيم الصغير»، صاحب مصنع نسيج، ما كانت عليه الصناعة فى زهوها، وما حدث فى السنوات الأخيرة، فقد كانت المنطقة تعج بالعمال وأصوات الماكينات: «كان فيه هنا 65 مصنع بقوا 8 بس شغالين والباقى قفل، منهم اللى راحوا اشتغلو حاجات تانية، ومنهم اللى باع المكن وعايش بفلوسه».

يقول «الصغير»: «سرّحت كل العمال، وجبت ابنى يشتغل معايا فى المصنع، رغم أنه خريج حقوق، عشان أوفر فى فلوس العمال، وفى الآخر جبت خرفان ومعيز أربيهم فى المصنع، وأبيع منهم لما يخلفوا، أهو أى نشاط تجارى يجيب رزق بدل القعدة على الفاضى، وبعد ما كان المصنع مليان غزل بقى مخزن برسيم للخرفان».

فى مجال زوى الخيوط، لم يتبق فى المنطقة سوى مصنع واحد، يعمل بربع طاقته فقط نظرا لقلة الطلب.

طارق فهيم، صاحب المصنع، يكافح ليبقى مصنعه على قيد الحياة: «أصحاب المصانع باعوا المكن خردة بالكيلو، عشان مش بيلاقوا حد يشترى منهم المكن مستخدم بسعر مجزى». وبسبب الركود المسيطر على الأسواق تقلصت ساعات العمل من 24 ساعة إلى 8 ساعات يوميًا فقط: «بقيت أعمل 6 شكاير يوميا بالعافية، لأن مفيش طلب، حتى بقايا القطن بعد عملية تصنيع الخيوط، كان بيتم استخدامها فى صناعة مراتب يشتريها الفقرا، لكن الآن أصبحت تلقى فى القمامة».

العمال: المرتب مش مكفى ناكل عيش حاف
لم يكن يتخيل أحدهم أنه سيأتى اليوم الذى تغلق فيه المصانع بعدما ظلت مهنة معظم شباب ورجال المدينة لعقود. محمد الدسوقى أحد عمّال التدوير، يقول إن الحال تبدل بعد أن كان مزدهرا منذ بداية عمله فى مصانع النسيج: «طول عمرى شغال فى المصانع، لكن من سنة مبقاش عندى شغل وبقيت عاطل»، لكنه تعامل مع المشكلة بشراء «توك توك» ليعمل عليه بدلا من البقاء دون عمل.

محمود عبده، عامل فى مصنع صباغة، يقول إن الوضع أصبح سيئا، بعدما أصبح مدينا للعديد من الأشخاص، نتيجة عدم وجود أى عمل بالمصانع، وعدم قدرته على العمل خارج المصانع: «خبرتى كلها فى المكان ده، أطلع اشتغل إيه برة؟، بشتغل يومين فى الأسبوع والمرتب مش مكفينا ناكل عيش حاف، وعليا فلوس كهربا ومياه، لكن مش قادر أدفعها».

أما على السواح، أحد سائقى «التروسيكل»، فيقول إن عمله يرتبط بالمصانع، فكانت المصدر الأول فى ربحه اليومى: «الوضع اتغير، الأول كنت بعمل 15 نقلة فى اليوم، دلوقتى بعمل 5 نقلات بالعافية أجيب مصاريف اليوم».

الفلاحون: 6 مطالب حتى يعود
قبيل كل موسم لزراعة القطن فى السنوات الأخيرة، تبدأ المعارك فى الاشتعال، بين المزارعين والحكومة، بسبب إصرار الحكومة على شراء المحصول بسعر لا يتناسب مع تكلفته الواقعة على الفلاح، حتى ابتعد المزارعون عن زراعة القطن، خوفا من الخسائر الفادحة.

حسين عبدالرحمن، نقيب الفلاحين، يقول إن الأمر يحتاج إلى منظومة متكاملة تعمل على ذلك، قبل فوات الأوان: «أولًا محتاجين ماكينات تشتغل على القطن طويل التيلة، ولازم نكون فاهمين إن الوجه القبلى يقوم على زراعة طويل التيلة، أما الوجه البحرى فيختص بالنوع قصير التيلة، وكل منهما يحتاج إلى أنواع مصانع وماكينات مختلفة».

يضيف: «الاهتمام بسلالة القطن وتوفير البذور للفلاحين هيساهم فى زيادة الإقبال على زراعة القطن، وهذا الأمر لا يعود بالفائدة على محصول القطن فقط وإنما على التربة بجميع أنواعها، نظرًا لأن بذور القطن تتغلغل فى التربة وتتركها بحالة أفضل».

«أهم من كل اللى فات هو زيادة السعر للفلاحين عشان نشجعهم».. يرى «عبدالرحمن» فى زيادة السعر المحدد لشراء المحصول من الفلاحين أكبر حافز لزيادة المساحات المزروعة من القطن، ولهذا يطالب الحكومة بتسعير المحصول قبل انتهاء الموسم، وشرائه من الفلاح كما نص الدستور فى المادة 29 التى ألزمت الدولة بشراء المنتج الزراعى من الفلاح بسعر مناسب على أن يحقق هامش ربح مناسبا للفلاح.

ولا يريد نقيب الفلاحين للقطن أن يتوقف دوره عند شرائه من جانب الحكومة: «المفروض يكون فيه خطة تسويقية لتصنيع القطن وتصديره فى صورة منتجات نهائية، أقمشة وملابس جاهزة، وده مش هيحصل إلا بإعادة مصانع القطاع العام لصناعة الغزل والنسيج المتوقفة وإعادة هيكلتها مرة أخرى».

يؤكد «عبدالرحمن» أن الصناعات المعتمدة على القطن لا تتوقف عند الملابس: «كنا نستخرج من بذرة القطن الزيوت وندخلها فى أعلاف الحيوانات، ومن ثم تحقق اكتفاء ذاتى من الثروة الحيوانية».

نقيب العمال: إغلاق 900 منشأة من إجمالى 1200
«الحديث عن القطن المصرى طويل التيلة لا ينتهى أبدًا، فهو حبيب الملايين حتى وإن تدهورت صناعته فى السنوات الأخيرة، ولم يعد كسابق عهده، تحاصره المشكلات ويتكالب عليه المنافسون من أقطان الدول الأخرى».. هكذا يتحدث إبراهيم الشوبكى، أمين عام رابطة الصناعات النسيجية.

يضيف الشوبكى: بدأت المشكلات منذ سنوات طويلة وظلت تتراكم ولم تهتم الحكومة بالقضاء عليها من جذورها فاستفحلت، وبدأ الأمر عندما قررت إحدى الحكومات السابقة عدم زراعة القطن المتكيف مع المصانع الموجودة بمدينة المحلة، وهو القطن المتوسط وقصير التيلة، مما تسبب فى تقلص المساحة المزروعة بالقطن من مليون ونصف فدان إلى 130 ألف فدان فقط».

هذه الأفدنة القليلة التى خصصتها الحكومة قبل سنوات لا تكفى إلا 8% فقط من الاستهلاك المحلى، فكان الحل الوحيد هو الاستيراد: «بعد هذا القرار ارتبطت صناعتنا بأى تغير عالمى يحدث فى البلاد التى نستورد منها، وهى أمور لا يحمد عقباها نظرًا للبعد الاجتماعى والاقتصادى والأمنى لصناعة الغزل والنسيج».

يوضح الشوبكى: 25% من تعداد العاملين فى مصر يعملون فى مهن مرتبطة بصناعة النسيج، وهذه العمالة قد تتحول إلى أعمال خطرة مثل السرقة أو النصب والاستغلال، ولهذا نطالب بتدخل الرئيس شخصيًا لإنقاذ الصناعة والعاملين بها.

«نحتاج إلى زيادة المساحات المزروعة وتقديم دعم للفلاحين، فضلًا عن تطوير الماكينات والمحالج».. يرفع «الشوبكى» هذه المطالب إلى كل وزير زراعة جديد يتولى قيادة المنظومة الزراعية فى مصر، وقبل التغيير الوزارى الأخير حصل على وعد بزيادة الرقعة المنزرعة من القطن إلى نصف مليون فدان، لسد 50% من الاحتياجات المحلية، إلا أن الريح لم تأت بما تشتهى السفن.

تغير الوزير فتغير كل شىء: «ذهبت للوزير الجديد للتأكيد على تطبيق خطة الوزير السابق إلا أنه صدمنى وأبلغنى أن أكبر مساحة ممكنة هى 200 ألف فقط، لإنتاج ما يقرب من مليون قنطار فقط، من أصل 5 ملايين و800 ألف قنطار، احتياجات المصانع، أى أننا سنحصل على خمس احتياجاتنا فقط».

كل هذه المحاولات ليست من أجل الفائدة التى تعود على المصانع فقط وإنما يستطيع العمال توفير 30 مليار دولار تنفقها الدولة فى استيراد القطن، حسب «الشوبكى»، الذى حذر من تكرار الأزمات نفسها التى تحدث منذ سنوات بسبب تحديد الوزارة 7 دول فقط لاستيراد القطن، رغم وجود 59 دولة أخرى.

«الوزارة محددة دول معينة بحجة الخوف من انتقال الآفات الزراعية، برغم أن القطن مجرد ما يتبخر يكون نظيف تمامًا، ولكن هذا يؤثر سلبًا على المنافسة لأن الدول السبع تحدد سعرا معينا وتصر عليه فتضطر الحكومة للموافقة على السعر رغم ارتفاعه».. يعرض «الشوبكى» دولا أخرى تقدم عروضًا أفضل إلا أنه يلزم توفير 2 مليون جنيه للجنة من الوزارة تسافر لمعاينة القطن والموافقة عليه.

ونتيجة لكل هذه المشكلات أغلقت المصانع أبوابها: «900 مصنع بالمحلة توقف عن الإنتاج الفترة الماضية من إجمالى 1200 مصنع بالمدينة بسبب الأزمة، والمصانع المستمرة فى الإنتاج تعمل بطاقة إنتاجية أقل من 40%، ولم يعد أمامنا سوى إغلاق البقية وتسريح العمالة خلال الفترة القادمة».



بالفيديو.. نهاية عصر «المحلة».. كيف عشّش العنكبوت فى ماكينات الغزل والنسيج؟

بالفيديو.. نهاية عصر «المحلة».. كيف عشّش العنكبوت فى ماكينات الغزل والنسيج؟

بالفيديو.. نهاية عصر «المحلة».. كيف عشّش العنكبوت فى ماكينات الغزل والنسيج؟

بالفيديو.. نهاية عصر «المحلة».. كيف عشّش العنكبوت فى ماكينات الغزل والنسيج؟

بالفيديو.. نهاية عصر «المحلة».. كيف عشّش العنكبوت فى ماكينات الغزل والنسيج؟

مصدر الخبر
الدستور

أخبار متعلقة