الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

من حافظ إلى بشار.. ماذا فعلت «جمهورية الأسد» في سوريا؟

من حافظ إلى بشار.. ماذا فعلت «جمهورية الأسد» في سوريا؟

لـ47 عامًا، يقبع السوريون تحت حكم عائلة الأسد -حافظ وبشار- لم تشهد خلالها البلاد ما شهدته طيلة الست سنوات الماضية، حين قرر بشار مواجهة سفينة الربيع العربي عندما حطَّت في القلب السوري، فأسفر الأمر عن مئات آلاف القتلى وملايين المشردين ودمار هائل في البنى التحتية.

 

في سبت العاشر من يونيو لعام 2000، وبينما كان يهاتف الرئيس اللبناني إميل لحود، فاجأت أزمة قلبية الأسد الأب أودت بحياته، مكنت ابنه بشار من مقاليد الحكم، رغم جمهورية الدولة وليس ملكيتها.

توريث تعدَّل من أجل الدستور، فبينما اشترط أن يكون عمر الرئيس لا يقل 40 عامًا، تعدَّلت المادة ليصبح بشار وهو في عامه الـ34، جائزةً رئاسته.

 

ينقلب على السلطة.. ثم ينقلب على زملائه

 

عام 1963، نفَّذ حافظ الأسد الذي اعتنق فكر البعث مع أربعة ضباط انقلابًا في سوريا أطاح  بالقيادة القومية المدنية للحزب وحكم الفريق أمين الحافظ.. الضباط الخمسة، وكانوا جميعًا من الطائفة العلوية، التي تمثل أقلية وسط أكثرية للمسلمين السنة، تمكَّنوا من الوصول إلى دائرة السلطة.

 

تباعًا، تخلَّص الأسد من رفاقه، وأدرك أهمية الولاء المسلح فشن حملةً لتطهير الجيش منتصف الستينات، شملت مئات الضباط، أكثرهم من السنة، وما أن حلَّ عام 1970 حتى دخلت سوريا رسميًّا عصر "جمهورية الأسد".

 

 

استلهم الأسد "الأب" تجربة كيم إل سونج في كوريا الشمالية قبل عشرات السنوات، فأحاط نفسه بأجهزة أمنية واستخباراتية، لكنَّه راعى كذلك توازنات دقيقة، قادته إلى حكم أقلية بنكهة أكثرية، ودخل في تحالفات مريحة له، تحافظ على هيكل دولته.

 

تجربة "حافظ" حكت عن سوريا غير التي كان يحلم السوريون، تجلَّت في صمت الجدران  التي شهدت على نظام حكمٍ اعتبره حقوقيون وناشطون "يقع ضمن أعتى الأنظمة العربية استبدادًا في القرن الحديث".

 

سيَّجت جمهورية الأسد نفسها بنحو 17 جهازًا أمنيًّا، بينها أمن الدولة والأمن السياسي والأمن العسكري، بينما اقتصرت الرتب العليا في الجيش على الأقرباء منه ومن يراهم مخلصين له، بينما

 

حافظ.. القتل بالظن

 

الناشط السياسيالسوري ميسرة بكور مدير مركز الجمهورية للدراسات وحقوق الإنسان قال إنَّ حافظ الأسد بدأ عصره بما أسماها "المناورة السياسية"، مرجعًا ذلك إلى أنَّه كان من الأقلية وحاول إيجاد قاعدة شعبية من الأغلبية العامة "السنية".

 

وأضاف أنَّ "حافظ" حينما تولى الرئاسة وضع دستورًا دائمًا لسوريا، حيث ألغى شرط "الديانة المسلمة"، فخرجت احتجاجات ضد ذلك، لافتًا إلى أنَّه استوعب هذه الاحتجاجات فألغاها، واصفًا الرئيس الراحل بـ"الذكي".

 

 

"حافظ" - كما يقول ميسرة – شدَّد قبضته الأمنية والعسكرية على سوريا، وعمل على تصفية الضباط غير الموالين له، وأنشأ مراكز أمنية خاصة به، عيَّن عليها مقربون منه.

 

ميسرة أوضَّح أنَّ حافظ الأسد اقتاد كثيرًا من المعارضين وزجَّ بهم في السجون، لافتًا إلى أنَّه في حقبة الثمانينات وإبان الأزمة مع جماعة الإخوان المسلمين دمَّر مدينة حماة بشكل كامل بقيادة أخيه رفعت الأسد، حسب اتهامه.

 

رفعت الأسد حاول في هذه الفترة - والكلام للمحلل السوري – منع الحجاب في دمشق إلا أنَّ "حافظ" استخدم ذكاءه وألغى الفكرة.

 

دخل الأسد "الأب" في خلافات مع "رفعت" فقرر الرئيس الإطاحة بشقيقه، بعد مصادرة كافة الأموال في خزينة الدولة، كما يقول ميسرة.

 

الناشط السوري ذكر أنَّ حافظ الأسد اتبع عقيدة "القتل بالظن"، في إشارة إلى أنَّه كان يقتل أي شخص يظن فيه، مشيرًا إلى أنَّ المخابرات كان تسيطر على الأمن بشكل كبير.

 

الأسد وضع قانونًا للمخابرات، يخلص إلى أنَّه لا يمكن محاكمة أي عنصر من أفراد المخابرات إذا تورط في انتهاك إلا بموافقة رئيس الجمهورية.

 

القبضة الحديدية لحقبة حافظ الأسد، كما يصفها بكور، لم يغب عنها ذكاؤه في تعامله مع القضايا المختلفة، إلى حدٍ وصل به أن جعل سوريا هي المحرك لإيران وليس العكس.

 

 

بكور اتهم الأسد بارتكاب مجازر، قائلًا: "حافظ ارتكب مجزرة حماة ومجزرة حي المشارقة في مدينة حلب، ومجزرة مدينة جسر الشغور، وكل ذلك في الثمانينات أثناء حربه على جماعة الإخوان، وكذلك المجازر في دير الزور.. سجن تدمر تحوَّل إلى محرقة إنسانية طيلة عهد حافظ الأسد".

 

تعيين السوريين في الوظائف لم يكن سهلًا بل معقدة، فالأمر - كما يوضح "بكور" - يعود إلى الموافقة الأمنية وذلك بعد مراجعات كبيرة تجريها المخابرات العامة، حيث كانت تصل إلى "الجد السابع" لكل شخص يتقدم على وظيفة.

 

بعد الثمانينات، وتحديدًا بعد كبح جماح جماعة الإخوان، يقول ميسرة إنَّ الأمر بات مستتبًا لحافظ الأسد للسيطرة على البلاد بشكل مغاير، حيث بدأ في إنشاء مؤسسات بينها تعليمية داعمة له.

 

"المحلل" أوضح أنَّه خلال هذه الفترة توجهت سوريا نحو الاكتفاء الذاتي، غير أنَّ ذلك جاء  بـ"حصار الشعب"، حيث اختفت لوازم المواطنين.

 

النفط في سوريا لم يكن يدخل ضمن موازنة الدولة كما تحدث بكور، الذي أشار إلى أنَّ 99%  من الميزانية كانت تدخل إلى الجيش.

 

في ثمانينات وتسعينات الأسد، وصف بكور الوضع في سوريا اقتصاديًّا ومعيشيًّا بأنَّه كان  "الأسوأ".

 

 

بشار.. ميراث الحكم القمعي

 

يقول بكور إنَّ بشار الأسد اعتمد في بداية حكمه على شركات علاقات عامة تسوِّق قربه من الشعب، مستشهدًا بسير الأسد عبر دراجة هوائية أو دخوله المطاعم العامة، لافتًا إلى أنَّ كل ذلك كان مدفوع الأجر من قبل شركات علاقات عامة أجنبية، رتبتها لها زوجته التي كانت تعيش في بريطانيا.

 

منح بشار الاقتصاد لابن خاله رامي مخلوف، الذي وصفه بكور بأنَّ "عراب الاستيراد والتصدير"، لافتًا إلى أنَّ امتلك شركة الطيران السورية ومحطات تلفزيونية وسيطر على قطاع الاتصالات الذي يدر ملايين الدولارات سنويًّا.

 

وأضاف: "الأسد سلَّم كل الاقتصاد لأبناء خاله وأبناء خالته.. كل الشركات ورجال الأعمال هو شركاء الأجهزة الأمنية ولكبار الضباط الأمنيين".

 

بكور قال إنَّ الجنرالات الكبار مثل رستم غزالة زوج أخت بشار، الذي قُتل فيما بعد، كان مسؤولًا عن عملية تهريب الآثار في درعا، فضلًا عن أبناء عمومته "أبناء جميل الأسد" كانوا مسؤولين عن تهريب المخدرات، حسب اتهامه.

 

استلهم الأسد الابن عن الأسد الأب – كما يذكر بكور – ما أسماه الفكر القمعي، وذلك الضرب بيد من حديد، وذلك بعد أن حاول إظهار نفسه على أنَّه رئيس متحضر قادم من أوروبا.

 

 

ويضيف: "بشار رفض الإصلاحات وأخذ برأي الحرس القديم أو الدولة العميقة جفَّف منابع الحرية وعمد إلى ملاحقة الناس بالظن كما كان يفعل أبوه، كما ارتكب شقيقه ماهر مجزرة سجن صيدنايا بعد بضع سنوات من تولي الأسد الرئاسة لإنهاء حالة تمرد في السجون".

 

وتابع: "حافظ كان يعتمد على أخيه رفعت الأسد نائب رئيس الجمهورية وقائد سرايا الدفاع، وأيضًا بشار يعتمد على ماهر قائد الفرقة الرابعة بالحرس الجمهوري.. بشار يتبع نفس سياسة والده ويرتكب نفس المجازر".

 

حقبة بشار الأسد شهدت شيئًا من النهضة كما يقول بكور، ومن ذلك إنشاء ثلاث مدن صناعية كبرى في دمشق وحمص وحلب، والتطور في مجال معالجات المياه ومحطاتها، والتطور في خدمة الكهرباء، وإنشاء العديد من الجامعات ومنها الجامعة الإلكترونية الافتراضية، وهي الوحيدة في المنطقة.

 

يضيف المحلل السوري: "هذا التطور لم يكن مِنة من بشار الأسد، لكن طبيعة المرحلة والظروف هي من فرضت نفسها لأن الشعب السوري كان مفتحتًا على الجميع لا سيَّما تركيا ولبنان، وعاصر الإنترنت، لكن كل ذلك كان بتدخل من الأمن حتى في الجامعات نجد أنَّ إنشاءها كان نوعًا من الاستثمار".

 

القيم السورية أخلاقيًّا وإنسانيًّا يقول "بكور" إنَّها شهدت انحطاطًا في حكم "بشار"، وقال: "الإنسان لم تكن لديه أي قيمة في دولة البعث".

 

بشار الأسد استخدم الدراما لخدمة مصالحه، فيقول بكور: "الشركات التي تنتج الدراما السورية معظمها مرتبط بالأمن والمخابرات، ونلاحظ ذلك مثلًا في تهميش الفنانين الذين رفضوا نظام بشار".

 

 

وأعطى بكور مثالًا، فقال: "عندما كانت العلاقات مع تركيا سيئة كانت هناك مسلسلات تهين الحقبة العثمانية وتعتبرها حقبة سوداء، حتى أن كتب التاريخ انتقلت من الفتح العثماني إلى الاحتلال العثماني.. مسلسل إخوة التراب كان يصوِّر العثمانيين على أنَّهم متوحشون قادمون مما وراء التاريخ بسبب الخلافات مع الحكومات التركية السابقة".

 

ويضيف: "عندما تغيرت الأمور وأصبح بشار الأسد وأردوغان صديقين، منح بشار تركيا مميزات اقتصادية هائلة أثرت على الاقتصاد السوري وكادت تدمره، وخاصةً صغار الصناع والحرفيين، الكثير منهم حاول الاعتراض لكن من يعترض فمصيره معروف من هذا النظام".

 

وتابع: "في فترة التصالح هذه، استخدم بشار الدراما لخدمة مصالحه، فرأينا مسلسلات تمجد تركيا ومنها مسلسل أهل الراية فتناول كرم العثمانيين ونبل جنودهم، والآن في فترة الثورة، أصبحت تركيا عملية وعدوًا متآمرة رغم أنَّه سلَّمها مصالح اقتصادية كبيرة".

 

من خربها؟

 

نظاما حافظ ومن ورائه بشار اتهمها الخبير الأمني اللواء محمد نور الدين قائلًا: "الاتنين خربوها".

 

نور الدين أضاف: "من كان يتصور أن يحدث ذلك في بلاد الشام.. أجمل دولة عربية، وكان فيها اكتفاء ذاتي للمواد الغذائية، لكنَّها تحولت حاليًّا إلى أطلال، وتحتاج 20 عامًا و200 مليار دولار لتعود كما كانت".

 

حكم الأسد "الأب" وصفه نور الدين بـ"الديكتاتوري الشمولي"، لافتًا إلى أنَّه كان خاليًّا من أي نوعٍ من أنواع الديمقراطية، متابعًا: "أي حد كان بيتكلم في سوريا أو يعترض كان بيروح ورا  الشمس".

 

وتحدَّث عن أنَّ حافظ ورَّث الحكم لابنه بشار رغم أنَّ سوريا جمهورية وليست ملكية، منتقدًا  أن يكون طبيبًا "يقصد بشار" رئيسًا للجمهورية.

 

 

وعن الوضع الأمني في حقبة حافظ، يقول: "الدول المستبدة يكون فيها الوضع الأمني مستتب جدًا بسبب خوف الناس من قبضة الأمن".

 

الدمار في سوريا يرى نور الدين أنَّ حلَّ على يد بشار الأسد، ليس أمنيًّا فقط بل في كافة  القطاعات، وصولًا إلى قتل مئات آلاف السوريين.

 

واعتبر أنَّ ما يجري في سوريا هو مثال حي على الأنظمة الشمولية التي لا تنتهي إلا بالموت،  متابعًا: "حافظ انتهى حكمه بالموت، وبشار سينتهي حكمه بالقتل أيضًا.. هذه الأنظمة لا تعرف الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة".

 

أمريكا ترى حافظ.. كيف؟

 

أحد ممن قاربوا حافظ الأسد كان هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي في عهد الرئيس نيكسون، حيث دخل معه في وساطة للسلام بين سوريا وإسرائيل عقب حرب أكتوبر 19733،  ولم تنقطع صلته بالأسد حتى وقت متأخر من التسعينيات.

 

تحدَّث كيسنجر عن حافظ الأسد، لمجلة نيوزويك، ونشرته الطبعة العربية من المجلة في عدد 20 يونيو 2000 عقب وفاة حافظ، فقال: "لم يكن الأسد ملمًا بالغرب جيدًا، وأعتقد أنني كنت أول شخص من الغرب يتفاوض معه بشكل منتظم، وكان يتمتع بذكاء فوق العادة، وبحس للدعابة، وكان أيضًا قاسيًّا لا يرحم، وتتملكه المشاعر القومية".

 

 

ولدى سؤاله عن أسلوبه في التفاوض يقول كيسنجر، كما نقلت "الجزيرة" عن المجلة: "كان يتعامل بطريقة تجارة المفرّق، فوجب عليه إثبات أنَّه لم يعط شيئًا دون مقابل، وأعتقد أنَّ وضعه الداخلي والمخاوف من القوميين العرب لم تمكنه من كسر جمود المفاوضات.. واتصلت به بعد أن وقع الرئيس السادات اتفاق فك الاشتباك بين مصر وإسرائيل وقلت له: ليس أمامك خيار الآن وعليك أن تفعل الشيء نفسه بلباقة أو بطريقة تعوزها الكياسة، فرد الأسد عليَّ بقوله: أنت مخطئ، فقد فشلتم في فيتنام، وسوف تبيعون تايوان في يوم ما، وسنظل نحن باقين عندما تتعبون من إسرائيل فقلت له إن هذا لن يحدث".

 

وعن حكمه لسوريا على مدى 30 عامًا، يقول كيسنجر في الحوار نفسه لم يكن الأسد رجل  التغيرات الكبرى، ولكنه كان رجل البقاء مع الإضافات الصغيرة.


مصدر الخبر
مصر العربية

أخبار متعلقة