يبدو أن الفلاح يعيش بمشكلاته في وادِِ والحكومة تعيش في وادٍ آخر، فعلى الرغم من صدور عدة قرارات جمهورية، عقب ثورة 25 يناير، بشأن إعفاء الفلاحين المتعثرين في سداد قروضهم لبنك التنمية والائتمان الزراعي، إلا أن ما زال عدد كبير من الفلاحين لم يستفيدوا من القرارات التي أطلقها الوزراء المتعاقبون خلال السنوات السبع الماضية بداية من عهد المجلس العسكري، مرورًا بفترة المعزول محمد مرسي، والمؤقت عدلي منصور، وحاليًا في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
سجن الفلاحين
ولا يزال مئات الفلاحين مهددين بالسجن، بسبب تراكم فوائد الديون على قروضهم التي لا تمثل أكثر من 5% من قيمة الدين الحالي.
بنك التنمية
يقول محمد أحمد سيد أبو الليل، فلاح، من قرية الميمون، التابعة لمركز الواسطى ببني سويف، إنه بدأ رحلته الأليمة مع بنك التنمية والائتمان الزراعي عام 2008 بسلفة زراعية قدرها 25 ألف جنيه، لاستغلالها في تنمية العملية الزراعية وتربية المواشي للمساهمة في خطة الدولة لخفض أسعار اللحوم، وبسبب ارتفاع أسعار الأسمدة الزراعية وارتفاع تكلفة زراعة المحاصيل ما أدى إلى ارتفاع تكلفة أي منتج زراعي، مضيفًا: «وصلنا إلى أن تكلفة المنتج أعلى من تكلفة بيعه، وهو ما عرضنا لخسائر فادحة، فضلًا عن خسائرنا للمبالغ التي تم استغلالها في تربية المواشي، فبسبب الأمراض التي انتشرت بين الماشية في هذه الفترة منها الحمى القلاعية والجلد العقدي، ما نتج عنه نفوق الماشية، وتعرضنا لخسائر إضافية».
أسباب التعثر
وتابع «أبو الليل»:« لهذه الأسباب وغيرها تعثرت عن سداد قيمة الأقساط، فتراكمت عليَّ الديون، وتم إضافة فوائد كبيرة على مبلغ القرض نتيجة عدم السداد، وفتعدت القيمة الحالية للقرض مبالغ 50 ألف جنيه، أي ضعف القيمة الأصلية على الرغم من أن نسب الفوائد من المفترض أنها لا تتعدى الـ15% من القيمة الأصلية لمبلغ القرض».
دعاوى قضائية
وأشار إلى أن البنك رفع ضده عدة دعاوى قضائية، وحصل على أحكام بالسجن تجاوزت الـ9 سنوات، وهو يعيش مطارد حاليًا من شرطة تنفيذ الأحكام التي تلاحقه يوميًا، وهو ما يضطره للمبيت خارج المنزل والسهر ليلًا والنوم نهارًا، بسبب عجزه عن السداد، قائلًا: «مبقيناش بنعمل حاجة في حياتنا غير أننا بندور على طريقة نهرب بيها من أحكام السجن».
حيرة الفلاح
وأضاف ربيع حسان، فلاح، من قرية منهره بمركز إهناسيا: «الفلاح المصري يعيش الآن في حيرة من تصريحات المسئولين على مدار السنوات الماضية، حيث يخرج المسئولون بتصريحات بإسقاط ديون الفلاحين، ثم ما نلبث أن حتى نجد الملاحقات القضائية تطارد المتعثرين من الفلاحين للبنك، وقرار إسقاط الديون حتى 10 آلاف جنيه عن الفلاح لم يتم تنفيذه حتى هذه اللحظة، إلا على عدد قليل من المتعثرين، على الرغم من كل التصريحات التي صدرت في هذا الشأن، وتقوم البنوك بملاحقة الفلاحين قضائيًا، بسبب هذه المديونيات دون النظر إلى الظروف التي يتعرضون لها».
قرار الإعفاء
وأوضح «حسان» أن القرار الذي صدر في عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، كان قرارًا غير مدروس، حيث أعفى كل من يقل مبلغ قرضه عن 10 آلاف جنيه، دون النظر للمتعثرين من غيرهم، وهو أمر فوضوي، حيث أعفى القرار كل من حصل من البنوك على هذا المبلغ أو أقل منه، ولم يتطرق إلى المتعثرين الفعليين عن السداد منذ سنوات.
وعود الرئيس
وطالب عبد الهادي طه، فلاح من قرية قمبش، مركز ببا، الرئيس عبد الفتاح السيسي بتحقيق وعوده التي قطعها على نفسه قبل الانتخابات الرئاسية بتحسين وضع الفلاح المصري، لافتًا إلى أن الوضع الحالي هو وضع "مؤقت" حيث تم تجميد الوضع على ما هو عليه، ولكني أطالب الرئيس بالعودة إلى مبادرة الرئيس الأسبق حسني مبارك التي أطلقها في عام 2007، بإعفاء جميع المتعثرين في بنوك التنمية من الفوائد ونصف قيمة القرض وجدولة النصف الباقي، وتم ذلك خلال مدة زمنية محددة "من سنة كذا لسنة كذا" وهذه كانت المبادرة الأفضل التي أنهت على مشكلات عدد كبير جدًا من المتعثرين.
عمليات تلاعب
وقال علي علوان، فلاح، من قرية الحمام، مركز ناصر: نتعرض لعمليات تلاعب من الأنظمة والحكومات المتعاقبة، فتسببت سياسة وزراء حقبة مبارك في طلبنا للقروض والاستدانة، وبسبب تدني الحالة الاقتصادية وارتفاع الأسعار عجزنا عن سداد تلك المديونيات، وجاءت الثورة وأطلقنا العنان لأحلامنا مثل باقي فئات الشعب، ولكن جاء قرار الرئيس المعزول محمد مرسي "غير مدروس" وزاد المشكلة لأضعاف، وخلال فترة حكم الرئيس المؤقت عدلي منصور، لم يتطرق لمشكلات الفلاح، وأملنا الآن في الرئيس عبد الفتاح السيسي، من أجل انتشالنا من الديوان المتراكمة والملاحقات القضائية التي تهددنا بالسجن في أي وقت.
تهديد البنوك
من جانبه، قال أحمد الشريف، نقيب الفلاحين ببني سويف، إن بنك التنمية الذي أنشئ في حقبة الستينيات، بهدف تنمية الفلاح ودعمه، خرج عن مساره وأصبح سببًا في تشريد وتهديد الفلاحين بالسجن، بعدما حول نشاطه إلى بنك تجاري لمنح القروض الاستثمارية وبيع السيارات والأجهزة الكهربائية، التي تتراوح نسب فوائدها ما بين 20%: 50%.
وطالب نقيب الفلاحين، بعودة سياسة البنك لما أنشئ من أجله لخدمة الفلاح وتنمية الثروة الزراعية والحيوانية، ومنح الفلاحين قروضًا لا تتزايد نسبها عن 5% للقروض الزراعية و9% لقروض التنمية الحيوانية.
دور الدولة
وأكد الشريف، أنه آن الأوان أن تتجه الدولة بكامل أجهزتها للفلاح الذي يمثل العمود الفقري لها، وعلى البرلمان والنواب تشريع قانون يعفي المزارعين من أي قروض أقل من 10 آلاف جنيه، وإعفاء الفوائد ونصف القروض للمبالغ الأعلى وإعادة جدولتها.
مديونيات الفلاحين
فيما أكد النائب رائف تمراز، وكيل لجنة الزراعة والري بمجلس النواب، في تصريحات صحفية، أن لجنة الزراعة اجتمعت منذ شهور بحضور رئيس قطاع الائتمان ببنك التنمية والائتمان الزراعي، لمناقشة مشكلة مديونيات الفلاحين لدى بنك التنمية والائتمان الزراعي والأحكام الصادرة ضدهم، وتم الاتفاق على بعض النقاط المهمة، بشأن حل أزمة تعثرات الفلاحين.
وأشار "تمراز" إلى أن اللجنة تواصلت مع رئيس قطاع الائتمان ببنك التنمية، عدة نقاط لحل الأزمة وهى: تشكيل لجنة مشتركة بين أعضاء البرلمان وممثلي بنك التنمية لبحث أزمة قروض الفلاحين على أرض الواقع من خلال زيارة البنوك المتعثرة، لإعداد مذكرة بمن يستحق إسقاط فائدة الديون عنه، ومطالبة الحكومة بمنع مقاضاة الفلاحين المتعثرين لمدة عام لحين تسوية أوضاعهم.
إسقاط الفوائد
وأكد وكيل لجنة الزراعة، أنه تم الاتفاق أيضًا على إسقاط فائدة الديون المتعثرة على الفلاحين، ودفع أصل الدين بالقسط من 5 إلى 7 سنوات ووضع نظام إسقاط جميع الديون حال دفع الفلاح أصل الدين نقدًا، وإمكانية تقسيط أصل الدين إلى 5 سنوات من خلال دفع 20% من أصل الدين عليه بفائدة 7%.
فيما أكد النائب مجدي السعداوي، عضو لجنة الزراعة بالمجلس، أن طلب ملف مديونيات الفلاحين لدى بنك التنمية والائتمان الزراعي ووقف الأحكام الصادرة ضدهم، وإلغاء الديون كاملة، فهذا يحتاج قرارًا من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء فقط، لأن الحكومة هى من تتحمل تلك الديون".



