قال الدكتور طاهر أحمد صلاح الدين، مدير مركز مصطفى السيد لبحوث النانوتكنولوجى، والأستاذ بالجامعة البريطانية في القاهرة، إن الدول التي ستمتلك النانوتكنولوجى سوف تتحكم في العالم كما حدث مع الدول التي امتلكت الطاقة النووية في الستينيات، وأصبحت الآن مسيطرة على العالم.
وأضاف صلاح الدين في حواره لـ"الوفد"، أن مصر تعتبر من أكثر الدول إنفاقًا على البحث العلمى ولكن للأسف دون عائد أو مردود اقتصادي، مشيرًا إلى أن نجاح أكاديمية البحث العلمي لا يتعدى 1% في الأبحاث التي تقوم بها.
وكشف صلاح الدين، استخدامات النانوتكنولوجى المتعددة، موضحًا أنها في مجالات الزراعة والطب والأسلحة والإلكترونيات وغيرها من المجالات التي قد تغير قوانين العالم في الفترة المقبلة.
وإلى نص الحوار ..
ما هو النانوتكنولوجى؟
هو علم جديد وبسيط جدًا ولكن من يمتلكه سيتحكم في العالم .. كلمة "نانو" هي مقياس حجم ألف ميكرومتر ووجد العلماء أن الصفات الموجودة في النانو متغيرة عن الصفات الموجودة في المتر أو السنتيمتر أو المليمتر أو الميكرومتر رغم أن تركيبها الكيميائى يرجع إلى العنصر الأساسى المكون لها .. مثلا ممكن الرمل يكتسب صفات الذهب أو الحديد في حجم النانو .. وبذلك فإن النانوتكنولوجى تتحكم في المادة وتغير صفاتها ما يؤدي إلى توافرها بالشكل الذي نريده ونحتاجه.
وكيف يتم ذلك؟
من خلال طرق التصنيع في البحث العلمي عن طريق التفاعلات الكيميائية المتعددة والقياسات .. وهذه هي الفكرة التي نطالب المجتمع العلمي بالعمل عليها لأنها سر النانوتكنولوجى .. نحن ندرس ذلك للطلبة الصغار والباحثين الجدد حتى يخرج منهم ولو عدد بسيط لديه القدرة على امتلاك أسرار النانوتكنولوجى .. الدول التي ستمتلك النانوتكنولوجي ستتحكم في العالم بالضبط مثل الدول التي امتلكت الطاقة النووية في الستينات هي حاليًا المسيطرة والمتحكمة في العالم .. بدليل كوريا الشمالية حاليًا لا يستطيع أحد المساس بها رغم أنها دولة صغيرة لأنها تمتلك طاقة نووية .. ونحن نريد لمصر أن يكون لها السيادة في هذا العلم لأن آخر مرة سمعنا عن قيادة مصر في العلم كانت أيام الفراعنة .. لماذا لا تعود هذه القيادة حاليا فى النانوتكنولوجى.
وكيف سيؤدى النانوتكنولوجى إلى التحكم فى العالم؟
سأقول لك مثالا بسيطا سوف يغير قوانين العالم نتيجة النانوتكنولوجى .. رخصة المرور يكون مكتوبا فيها رقم ولون السيارة وحاليا تم عمل نوع من الدهانات بتقنية النانوتكنولوجى يتغير معها لون السيارة وفقا لضوء الشمس .. وبالتالى السيارة ستكون فى الصباح بلون وآخر النهار بلون ثانى وفى الليل بلون ثالث .. وفى هذه الحالة كيف سنكتب لون السيارة فى الرخصة؟ إضافة إلى أنه من الممكن أن يحدث كوارث بسبب ذلك ولذلك سيتم تغيير القوانين إجباريا ويجب أن نستعد لذلك من الآن.
وأين نحن فى مصر من هذا العلم بالنسبة للعالم؟
هذا العلم بدأ فى التسعينيات ومن الممكن أن نلحق بالتطورات العلمية الخاصة به ولكن مشكلتنا فى مصر إننا لا نمتلك خطة قومية للبحث العلمى تعمل للمصلحة العامة بل للأهواء الشخصية .. كما أن الباحثين أصبحوا يحصلون على الأموال الخاصة بأبحاثهم ويعلنون أن هذه البحث سيفيد البلد ويحقق كذا وكذا وبعدما تصل إليهم الأموال يختفوا سنتين وعندما نسألهم ماذا فعلتم في أبحاثكم يقولون أننا نشرناها فى الدوريات العلمية .. وبذلك أصبح أمل الباحثين هو النشر في الدوريات العلمية فقط .. ولذلك لابد من تغيير هذه الخطط والملايين التى تصرف على الأبحاث دون استفادة من خلال وضع شروط قبل البدء في البحث العلمى توضح أسباب هذا البحث ومدى استفادة البلد منه في التطوير وزيادة إيرادات الدولة وإلا نتوقف عن البحث العلمى ونصرف أمواله على الفقراء والمحتاجين .
وأطالب الباحثين وحملة الماجيستير بدلا من التظاهر للتعيين في الحكومة والجلوس على مكاتب أن يقوموا بعمل شركات خاصة بالمنتج الذى توصلوا إليه من البحث العلمى ..حاليا 90% من الباحثين في الخارج بعدما يحصلوا على الدكتوراة يقوموا بإنشاء شركات خاصة بهم وبمنتجاتهم و10% فقط يعملوا فى الجامعات والحكومة ويطلق عليهم فاشلون .. أبرز مثال على ذلك أصحاب الشركات في كوريا الجنوبية حاليا علماء وباحثين وفي ظرف سنتين أو ثلاثة يصبحون مليارديرات.
وبماذا تطالب أكاديمية البحث العلمى في هذا الشأن؟
دعنا نعترف إن هناك شيئا خاطئا فى منظومة البحث العلمى بمصر وفجوة كبيرة حيث إننا نمتلك أبحاثا فى الأدراج وشركات تستورد منتجات من الخارج وأصحاب العلم يقولون إننا من الممكن بهذه الأبحاث ألا نستورد من الخارج ولذلك اقترح البعض أن تكون أكاديمية البحث العلمى الوسيط في حل هذه المشكلة وبالفعل قامت بهذا الدور منذ أكثر من 30 عاما ولكن نسبة النجاح لم تتعد 1% ولذلك لابد علينا عندما نسجل للطالب والباحث أن نسجل له فى مشكلة بحثية ونقوله "ابقى افتح بيها شركة علشان هتكسبك دهب ومتستناش وظيفة الحكومة" .. وتتم محاسبة هذا الباحث بعد انتهاء البحث الخاص به سواء بالإيجاب أو السلب.
ما هى استخدامات النانوتكنولوجى وتطبيقاته؟
النانوتكنولوجى حاليا يستخدم في مختلف المجالات منها مجال الطب والذي نحتاجه كثيرًا في مصر بسبب ملايين المرضى بالسكر وضغط الدم والسرطان حيث يعالج النانوتكنولوجى الخلية المصابة بالمرض فقط بدون آثار جانبية سواء في الكبد أو الكلى أو السكرى وغيرها كذلك خلال أعوام قليلة سيكون لدينا في مجال الطب شىء اسمه "نانو دكتور" يتم من خلاله بلع الفرد مادة معينة تدخل في الجسم حتى تصل إلى الجزء المصاب فقط وتقوم بمعالجته دون آثار جانبية.. وفي مجال الزراعة يتم استخدامه في صناعة الأسمدة المفيدة عكس المبيدات الحشرية التي تحتوى على مواد خطيرة على صحة الإنسان، كما أن النانوتكنولوجيا بدأ في انتاج مواد غذائية يمكن للإنسان أن يأكلها وبعض أنواع السيليكا التى تستخدم في قتل الحشرات من خلال تغيير صفات المواد بها.. كذلك النانو تكنولوجى له استخدامات في مجالات الأسلحة والإلكترونيات والملابس والسيراميك ويسمونه "ever clean" أى نظيف دائما وغيرها من المجالات.
وما هى تكلفة استخدام النانوتكنولوجى؟
التكلفة عالية ولكنها ليست المهم وإنما العائد من وراء استخدام النانوتكنولوجى هو الأهم.
كم تحتاج مصر من الوقت لكى تواكب العالم فى النانوتكنولوجى؟
من الممكن أن نكون مثل أمريكا وروسيا وألمانيا والصين من بكرة في حالة وجود خطة استراتيجية قومية للبحث في هذا المجال لأنه مجال جديد ومن السهل علينا الوصول للمستوى الذي وصلوا إليه .. نحن لدينا ثروات هائلة ولكننا لا نعرف كيف نستفيد منها.
ما هى جهود مركز النانوتكنولوجى الذي أسسته فى 2010؟
بما إن المركز تم إنشاؤه في مركز البحوث الزراعية فقد بدأنا بإنتاج بعض المبيدات غير السامة للنبات والإنسان وتسجيل براءة اختراع لعلاج مرض الأنيميا المنتشر بين المصريين وكانت أول براءة اختراع مصرية تسجل فى النانو تكنولجى وأول براءة اختراع فى العالم تعالج الأنيميا بالنانوتكنولوجى، ومازالت الجهود مستمرة فى المركز عن طريق الأبحاث العلمية.. كما تم إنشاء مدرسة بدأت بـ 8 طلاب سجلوا ماجيستير ودكتوراه وحاليا وصلوا إلى 45 طالبا فى كافة المجالات.
ولماذا لم تطبق الحكومة هذا الاختراع في مصر؟
"الحكومة مش فاضية للعلم .. عندها مظاهرات ومشاكل وناس عاوزة تاكل وحوادث القطارات والمصايب اللى موجودة في مصر .. الحكومة بقت عاملة زى موظف تنفيذى تحل مشاكل حالية وصغيرة" .. أصبحت حكومة خدمات ولم تعد تخطط للتنمية الواسعة والتطوير.. ولذلك لابد من وجود مؤسسة تتشكل من عقلاء يخططوا للبحث العلمى ولو لم نفعل ذلك سنضمحل.
كيف ترى مستقبل النانوتكنولوجى في العالم ومصر؟
العالم عرف طريقه الصحيح في النانوتكنولوجى ومن يمتلكه سيتحكم فى العالم قريبا وسوف نرى فى عام 2050 ما لا عين رأت ولا أذن سمعت بسبب النانوتكنولوجى .. أما فى مصر مازلنا تائهين ولم نعرف قدر هذا العلم الذى نتمنى أن يكون هناك دعم قوى من الحكومة له حتى نستفيد منه بأكبر قدر ممكن.
ما رأيك في جهود وزارة التعليم العالى والبحث العلمى في مصر ؟
مصر من أكبر الدول التى تصرف أموالا على البحث العلمى ولكن العائد منها يكاد يكون صفر .. مصر تعطى للباحث مليون جنيه ولا تحصل منه على مليم أما أمريكا فإنها تعطي له نفس المبلغ ولكنها تحصل على 100 ألف .. الدولة تصرف أموال البحث العلمى هباء وكل أمل الطلاب فى مصر الحصول على شهادة الماجيستير أو الدكتوراة أما الباحثين فكل همهم هو عمل الأبحاث للحصول على الترقية وأصبح دافعهم الأساسى الترقية وليس العلم فى حد ذاته والاستفادة به.. العلم لابد أن يكون له مردود وفائدة اقتصادية وإلا نتوقف عن الأبحاث العلمية.