الإثنين 6 يوليه 2026 — القاهرة

قراءة في استراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه سوريا

قراءة في استراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه سوريا

أصدر المكتب الإعلامي للسكرتارية العامة لمجلس الاتحاد الاوروبي في بروكسل الإثنين الماضي الاستراتيجية التي أقرتها السكرتارية بخصوص سوريا، والتي تم استخلاصها مما انتهت إليه أعمالها في مايو وأكتوبر وديسمبر من عام 2016 من خلاصات في سبيل وضع وتحديد استراتيجية للاتحاد في سوريا.

الإصدار الذي جاء في صفحات ثلاث احتوى على 6 بنود رئيسية أطلق عليها “الأهداف الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي في سوريا”، وجاءت في سياق طويل تضمّن التأكيد على الجانب “الإنساني” الذي افتُتِح الإصدار بالتركيز عليه، منطلقا من واقع وجود 13.5 مليون سوري بحاجة للمساعدة الإنسانية داخل البلاد منهم 6.3 مليون مهجّر في الداخل و1.5 مليون يعيشون تحت ظروف الحصار، فضلا عن 5 ملايين لاجيء في دول الجوار وغيرها، وتلا ذلك صياغات خطابية مطوّلة تساوي بشكل كامل بين الدولة السورية وأعداء شعبها حول نبذ العنف وفك الحصار عن أي محاصَر وإدانة انتهاكات حقوق الانسان، بلا ذكر جاد لأي دور سلبي فاعل في بداية الحرب وتداعياتها سوى الدولة السورية وحلفائها، وهو ما لا يثير العجب، إذ يُعَد الاتحاد في صدارة الفاعلين بخصوص غض الطرف عن إغراق أراضي سوريا بالمقاتلين الأجانب الذين توجهوا إليها من أراضيه، والضغط السياسي والدبلوماسي على الدولة هناك والذي بدأ برفضه لمجرد مبدأ الحل السياسي في أوائل الحرب (ومن ثم إصراره على خيار إسقاط الدولة)، وصولا إلى تلك الاستراتيجية الموضوعة علنا التي تؤكد كما سيبدو في السطور المقبلة على حتمية الحل السياسي واستحالة الحل العسكري.

البنود الستة الرئيسية:

1-  إنهاء الحرب بانتقال “حقيقي” للسلطة في إطار قرار الامم المتحدة ومجلس الأمن رقم 2254 وبالتفاوض بين أطراف الصراع برعاية المبعوث الخاص للامم المتحدة إلى سوريا، وبمشاركة الأطراف الفاعلة دوليا واقليميا.

ويتضمن البند التأكيد على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في سوريا، وأن الاتحاد يلتزم بوحدة وسيادة الدولة السورية وسلامة أراضيها، مع أهمية الدفع في اتجاه حل سياسي قائم على قرار الأمم المتحدة 2254 مضافا إليه بيان جنيف 2012 باعتبارهما الكفيلين وحدهما بهزيمة داعش والفصائل المصنفة إرهابية من قِبل الأمم المتحدة.

يغفل البند بطبيعة الحال الفصائل الإرهابية فعليا وسياسيا وفكريا والمتوحدة مع تلك المصنفة إرهابيا إلى حد التطابق وبشكل عضوي وبنيوي، ولكنها لم يتم تصنيفها من الأمم المتحدة أو سواها كإرهابية، وهي كيانات تتلقى حتى الآن السلاح من أمريكا وحلفائها بشكل معلن وترتكز في محافظة إدلب منفذة إرهابها تجاه محيطها الجغرافي والسكاني تحت أنظار العالم أجمع، وطلبت منها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية منذ أيام أن تتوحد جميعا في ائتلاف تحت قيادة حددتها الأخيرة، إذا ما أرادت استمرار صرف الرواتب والسلاح لها.

2-  تطوير انتقال سياسي جاد وشامل للسلطة في سوريا في إطار قرار مجلس الأمن رقم 2254 وبيان جنيف ويتحقق من خلال دعم وتقوية المعارضة السياسية السورية.

ويؤكد البند على دعم الاتحاد الكامل للـ”معارضة السورية”، بتعبير مرسل فضفاض للوهلة الأولى، ثم يحدد ما تُسمى بـ”الهيئة العليا للمفاوضات” على وجه الخصوص كمدعوم مثالي سيساعده الاتحاد على تطوير رؤاه بخصوص المرحلة الانتقالية بعد أن ساعده بالفعل، وفق تعبير الإصدار، على تحسين مواقفه التفاوضية ومواقف المعارضة السورية المتفاوضة عموما، مثنيا على إقامة الهيئة للجنة استشارية نسائية لها، والمنحى التقدمي الذي تسلكه الأولى بإجراء كهذا إلى جانب مشاركتها الكاملة والفعالة في المفاوضات، مع التأكيد على أن العملية السياسية لمستقبل سوريا يجب أن تضم كل مكوّنات المجتمع السوري المتنوعة.

الجدير بالذكر أن “الهيئة العليا للمفاوضات” تمثل السياسات السعودية ضمن وفود المعارضة السورية المتفاوضة في جنيف، ومقرها الرئيسي الرياض عاصمة مملكة آل سعود، ويُطلق عليها “منصة الرياض”، المدينة الممنوع فيها قانونا وعُرفا أن تقود النساء السيارات أو تمارس حرية الانتقال والسفر داخل أوخارج المملكة بدون رقيب ذَكَر، في البلد المحظور فيها ليس فقط تشكيل الأحزاب وإنما إبداء أي رأي سياسي أو حتى ذكر الحاكم بالقول فقط.

3-  إنقاذ حياة السوريين بتحديد الاحتياجات الإنسانية للمجموعات والشرائح الأضعف والأكثر تأثرا بالأوضاع في كل ربوع سوريا، بشكل يراعي التوقيت والفاعلية والكفاية والمبدأية.

ويتضمن البند توصيف الاتحاد لنفسه كأكبر الممولين للمساعدات والإغاثات الإنسانية داخل سوريا، مشددا على نيته في استكمال ما سماه “الدبلوماسية الإنسانية” المكثفة التي يتبعها هناك بالإضافة لإيجاد طرق تكفل تحسين المباديء الإنسانية، وتمكين ممثلي الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية من الوصول إلى كافة الأراضي السورية والعمل بأمان وإتمام أعمال كاملة غير منقوصة.

ولم يشر الإصدار إلى العشرات من النماذج لمدن وبلدات وقرى سورية – لا يتناول الإعلام الغربي ولا العربي شأنها – تغص بالمدنيين ويحاصرها الإرهابيون لأشهر وسنوات، مانعين أي جهة كانت من الوصول إليها لتقديم الغذاء والعلاج على اعتبار أن من بداخلها “نظاميون” أي مؤيدون للدولة السورية، وأبرز تلك النماذج بلدتا “كفريا” و”الفوعة” اللتان استلزم إدخال المساعدات إليهما أشهرا طويلة من محاولات إقناع الفصائل الإرهابية بذلك.

4-  تطوير الديموقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي عن طريق دعم منظمات المجتمع المدني السورية.

ويذهب البند إلى أن منظمات المجتمع المدني لابد أن يكون لها دور بارز ورئيسي في فترة ما بعد الصراع في سوريا، باعتبارها إحدى قاطرات المصالحة الوطنية المأمولة داخل المجتمع هناك، وأن مجلس الاتحاد الأوروبي قد أقر زيادة المخصصات والجهود من أجل إقامة حرية التعبير في سوريا من خلال “دعم” إعلام حر و”مستقل”!

من المعروف استخدام الاتحاد الأوروبي بالذات للعديد من منظمات المجتمع المدني الممولة منه مباشرة في تحقيق سياساته، بدورها ليس فقط كـ”قوة ناعمة” له ولكن كمنفذة لأهداف سياسية وإعلامية وثقافية يضعها هو ويطلِق عليها بوضوح صفة “أجندة”، وينفق عليها مبالغ ضخمة سنويا بشكل ينفي عنها أي “استقلالية” سواء كانت تلك المنظمات ذات طابع إعلامي أو غيره، ولا يُفهم كيف سيكون الإعلام المذكور في الإصدار “مستقلا” في حين أنه سيتشكل وينطلق ويعمل بفعل الاتحاد الأوروبي وفق قول الإصدار.

5-  ضمان المساءلة القانونية بخصوص جرائم الحرب مع وضع رؤية للمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية.

ويتضمن البند التأكيد على ملاحقة الاتحاد الأوروبي لكل من استخدم أسلحة محرمة دوليا خلال فترة الحرب أو انتهك حقوق الإنسان وصولا لعرض المتهمين على محكمة العدل الدولية، مشجعا تشكيل لجنة استقصاء في هذا الإطار لجمع المعلومات وتحديد المسؤولين عن أفعال كتلك، وتوفير كافة الإمكانات لتلك اللجنة، مدينا استخدام كل من داعش، والدولة السورية على حد زعمه، للأسلحة الكيميائية، بالإضافة إلى دعم الاتحاد لأي جهود نحو المصالحة الوطنية ولمبدأ العدالة الانتقالية الذي لم يحدده تفصيليا.

قد يلتقى هذا الملمح مع الدعوات المتكررة للدولة السورية للأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية إلى العمل على المزيد من الاستقصاء والبحث الميداني المدقق بخصوص استخدام الأسلحة الكيميائية، التي صرحت إحدى هيئات الأمم المتحدة منذ أكثر من عامين بأن داعش قد استخدمتها، في ظل حملة إعلامية عالمية شُنت وقتها لإلصاق الاتهام بذلك للدولة السورية.

6-  دعم إعادة تشكيل الشعب والمجتمع في سوريا

ويتضمن البند أن الاتحاد الاوروبي سيستكمل دعمه لجهود تطوير التعليم وخلق الوظائف، ودعم هيئات الحكم المحلي في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة (أي الفصائل الإرهابية)، وإقامة عمل مشترك مع الحكومة الانتقالية السورية بهذا الشأن وبشأن منع انهيار مؤسسات الدولة السورية، وشدد البند على أن الاتحاد الاوروبي لن يعمل في “الإجراءات المبكرة والأوليّة” المؤسِسة للوضع الاجتماعي والديموغرافي.

يحفل البند السابق بالتناقضات التي قد يشير وجودها إلى رغبة الاتحاد الأوروبي في الموازنة بين وجود دولة سورية “واحدة” ومتماسكة ومن ثم تضمن عدم اجتياح داعش والنصرة – الطرفين الإرهابيين الوحيدين في سوريا بمنطق الاتحاد – للبلاد من ناحية، ومن ناحية أخرى بقاء وجود الفصائل الإرهابية التي يدعمها الاتحاد وسيطرة ولو نسبية لها على ما احتلته من أراض سورية.

مصدر الخبر
البديل

أخبار متعلقة