برغم إيمانه الكامل بأن مصر تعيش أفضل حالاتها على الإطلاق فيما يتعلق بالمواطنة بسبب الخطوات التى أقدم عليها الرئيس عبدالفتاح السيسى، فإنه لم يخق تخوفه بسبب انتشار الأفكار الداعشية فى المجتمع المصرى.
المفكر والكاتب هاني لبيب، تحدث في حواره مع «الدستور»، عن ثورة تشريعية وعدالة ناجزة وإلغاء الجلسات العرفية، ومنظومة تعليمية جديدة، وغيرها من الأطروحات والرؤى التى رأى أن تحقيقها يقرب الدولة من مفهوم المواطنة.. وإلى نص الحوار:
البابا تواضروس رفض وصف ما تعرّض له الأقباط فى العريش بالتهجير.. هل تتفق معه؟
- ما حدث تهجير بكل تأكيد، لكن لابد أن نوضح أنه تهجير دون رغبة الدولة أو أوامرها، فهناك تهجير قسرى مثلما حدث مع أهل النوبة وقت بناء السد العالى، أو ما حدث مع أهل القناة خلال الحرب، وذلك لحماية الأمن القومى للبلاد.
لكن ما حدث مع المسيحيين المصريين تهجير فقط برغبة الأقباط أنفسهم ولم يدفعهم أحد للإقبال على تلك الخطوة، لأنهم خافوا على حياتهم، وهو ما فعله مسلمون أيضًا.
يقول البابا إنه يرفض مصطلح التهجير لتعارضه مع المواطنة.. مصطلح شعب الكنيسة الذى يستخدمه القيادات الكنسية ألا يتعارض مع مفهوم المواطنة أيضًا؟
- أرفض تمامًا كل المصطلحات التى تعارض المواطنة، مثل الشعب المسيحى وشعب الكنيسة، الشعب هو شعب مصر، أنت مواطن مصرى بصرف النظر عن كونك معاقًا أو سليمًا، مسلمًا أو مسيحيًا، من النوبة أو البدو، الدين واحد من 6 أو 7 عناصر، المواطنة الحقيقية لا يوجد فيها تمييز بين هؤلاء جميعًا، والمواطنة أساسها العدالة والمساواة بين كل الناس دون استبعاد أو إقصاء أو تهميش.
كيف ترى أوضاع المصريين الأقباط فى الفترة الحالية؟
- لكى نصل لرؤية صحيحة لابد من العودة إلى الخلف، وبداية من ثورة يوليو سيتضح لنا أن العلاقة بين الكنيسة والدولة علاقة شخصية بين البابا والرئيس، وكان بسبب هذه العلاقة الجيدة يتم حل أى مشكلة للأقباط أو تجاوزها، فى عصر الرئيس السادات كانت العلاقة بين الرئيس وزعيم، لأن البابا شنودة كان شخصية قوية والرئيس السادات كان ثوريًا، فلم تكن العلاقة فى وضع جيد، وفى عهد مبارك تحولت العلاقة بين الدولة والكنيسة إلى علاقة مؤسسية، لكن سرعان ما تحكم فيها الأمن.
كيف؟
- بسبب الصدام الحاصل فى الشارع والأزمات والتوترات الطائفية التى حدثت فى عهد مبارك، كان دور الأمن أن يوقف الأزمات أو التوترات الطائفية، ثم تكون الحلول السياسية مع الدولة وليست مع الأجهزة الأمنية، لكن للأسف كانت الأزمة تبقى لفترات طويلة تحت يد الأجهزة الأمنية، أشياء كثيرة كانت جيدة وأشياء كثيرة كانت سيئة لكن المجمل كان جيدًا.
وكيف الحال فى عهد الرئيس السيسى؟
- حدث تطور كبير فى عهد الرئيس السيسى فيما يتعلق بمفهوم المواطنة، لأنه وللمرة الأولى يأتيك رئيس يهتم بالمرأة وبالمواطن العادى، مسيحى أو مسلم، رئيس لأول مرة يذهب للكنيسة ليهنئ الأقباط، ذلك أعطى انطباعًا للجميع بأن المسيحيين مواطنون وليسوا رعايا.
فى عهد الرئيس السيسى تحوّل مفهوم المواطنة للمعنى الإيجابى، فما يفعله الرئيس يترجم إلى وجود نوع من التقدير من الرئيس للأقباط، فعندما يسأل الرئيس عن سيدة قبطية تعرّضت لاعتداءات، هذا لم يحدث سوى مع الرئيس السيسى، ويعطينا دلالة بأن المواطنة تسير فى الطريق الصحيح، فاهتمام الرئيس أمر إيجابى جدًا، والرئيس يخدم مجتمعًا ولا يخدم أقباطًا فقط، لأن المواطنة تحقق إيجابيات للجميع، فمثلًا عندما تريد خدمة المعاقين وتنشئ لهم رصيفًا خاصًا بهم، فهذا سيُفيد السيدة العجوز أو الشيخ الكبير، أو المريض، فالرئيس يخدم المجتمع بتلك الممارسات وليس الأقباط وحدهم، والمواطنة منظومة متكاملة لكل المصريين.
تعتقد بأن المواطنة فى أفضل حالاتها مع الرئيس السيسى؟
- طبعًا.. وهذا يترتب عليه أن التحديات أكبر، فما يحدث رد على ذلك، مثلًا أزمة سيناء تخص جماعات متطرفة موجودة فى المكان، تسببت فى تهجير المسلمين أو المسيحيين، لأن الطرفين خافا على حياتهما بصرف النظر عن الديانة، فمثلًا بم تفسر قتل تلك الجماعات شخصًا مسلمًا، لأنه يرشد عنهم وفق مزاعمهم، فهذا مسلم وليس مسيحيًا أيضًا، هم هنا يريدون ترويع الجميع، ويضايقهم خطوات تدعيم المواطنة ونجاح النظام فى تحقيق مساعيه بضربهم.
هل لديك تخوفات على مستقبل الأقباط؟
- شىء واحد.. محاولة البعض خلق حالة الاستقطاب، هذا شىء خطير جداً، تقسيم المجتمع لأطراف أخطر شىء، فمثلاً ما حدث فى سيناء يوضح أن الدولة أدارت الأزمة بشكل رائع وسريع، لكن الخطأ أنه لم يتم توضيح ذلك إعلاميًا ولم يتم تسويقه، نحتاج أن تكون لدينا سرعة فى الحل، إذا كنت تريد ألا يشعر المواطن العادى بكلمة مسيحى ومسلم، فيجب أنت ألا تُشعره بالتمييز.
العلاقة بين الدولة والكنيسة.. شخصية أم مؤسسية؟
- أظن أنها بدأت تتحول لعلاقة مؤسسية بالكامل.
بدأت.. أتقصد أنها لم تكن كذلك فى البداية؟
- بدأت تتحول لمؤسسية، لأن مشهد 30 يونيو كان مشهد مؤسسات قبل أن يكون مشهد أفراد، فى 30 يونيو الصورة الأهم فيه عبدالفتاح السيسى، وزير الدفاع، البابا تواضروس، بابا الكنيسة الأرثوذكسية، الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر.
ألا ترى فى هذه الصورة تعارضًا مع مفهوم الدولة المدنية وترسيخًا للدولة الدينية؟
- لا، لأنها أقدم مؤسسات تنتمى للشعب، هذه مؤسسات ليست حكومية بما فيها الجيش، القوات المسلحة مؤسسة وطنية والأزهر والكنيسة مؤسستان شعبيتان، الجيش كان هدفه الحفاظ على أمن مصر، مع أقدم مؤسستين، الأزهر صاحب المكانة الكبيرة وتاريخه الكبير والعريق ومنارة المسلمين حول العالم، وكذلك الكنيسة المصرية أقدم كنيسة فى العالم، على مستوى العالم لا يوجد سوى البابا فى مصر وبابا الفاتيكان.
ألم يضفِ ذلك صبغة دينية على الحدث؟
- لا، هذه صبغة شعبية وليست دينية، ولابد أن نأخذ فى الاعتبار ما كان يحدث قبل 30 يونيو، عندما تولى الإخوان الحكم تمت إهانة جميع مؤسسات الدولة، واختراق بعضها، فكانت هناك مشاكل ضخمة فى وزارات الداخلية والعدل والتعليم، لكنهم فشلوا فى اختراق الأزهر والكنيسة والجيش، فأهانوهم عندما خرجوا بمظاهرات لأول مرة أمام مكتب شيخ الأزهر، ولأول مرة يتم التعدى على مقر البابا ويتم حرق البوابة، فى محاولة للتعدى على الكاتدرائية، هذا لم يحدث تحت أى ظرف من الظروف، اليوم نستعيد مكانتهم الشعبية.
بماذا تصف البابا تواضروس فى كلمة واحدة؟
- عاقل.
والبابا شنودة؟
- زعيم.
يقال إنك قريب من البابا تواضروس.. ماذا عن البابا الذى لا يعرفه الإعلام؟
- هناك أشياء أختلف معه فيها، أتمنى أن يقوم بطفرة فى التعليم والإعلام الدينى، أنا أرى أن الأزهر والكنيسة يحتاجان لمنبر إعلامى واحد لكل منهما، وهذا المنبر يكون منبرًا دينيًا يقوم بدوره بالكامل دون التدخل فى السياسة، لكنه يقوم بدوره الوطنى، والفارق بين الدور الوطنى والسياسى مثلًا أن تشجع على المشاركة السياسية فى الانتخابات، لكن الدور السياسى يعنى توجيهًا للاختيار باتجاه بعينه.
تطالب بتطوير التعليم الدينى.. ألا ترى أن التعليم الدينى يزيد الطائفية؟
- لا توجد مدارس مسيحية فى مصر، مدارس الأقباط تقبل المسلمين والمسيحيين، أنا ضد أى مدرسة أو حضانة دينية.
وماذا عن مدارس الأحد؟
- هذا اجتماع مدته ساعتان مرة فى الأسبوع، هذه ليست مدرسة إلزامية، لو هناك مدرسة ترفض شخصًا على أساس دينى أنا ضدها، ولذلك أطالب بعودة الأزهر جامعًا وليست جامعة، الأزهر كان منارة السُّنة عندما كان اختصاصه فقهًا وشريعة، لكن ليس دوره أن يعتمد نتيجة طب الأزهر أو الثانوية أو الإعدادية.
كيف نحقق المشاركة؟
- بدأت بالفعل، أرقام المشاركة بعد 25 يناير أكبر كثيرًا من الماضى، كلنا حصلنا على درس خصوصى فى السياسة وتعلمناها، فهذا دعم للمواطنة والمشاركة، ويبقى الدور الإعلامى للحث على المشاركة.
هل يحصل المسيحيون على حقوقهم كاملة؟
- لا.
ماذا ينقصهم؟
- ينقصهم أن يعيشوا فى أمان بعيدًا عن الأفكار المتطرفة، خطورة داعش إذا كانت تظهر فى العريش فى شكل أشخاص يقتلون، لكننا نحن نعيش هنا وسط أناس أفكارهم داعشية، فمازال هناك من يتحدث عن تهنئة الأقباط من عدمها، أو قبول مدير مسيحى من عدمه، وبالمناسبة الدواعش يهددون الجميع وليس الأقباط فقط.
ولابد من إعادة النظر فى المنظومة التعليمية، والمناهج بالكامل، ودور الإعلام فى تناول ما يمس الأزمات والتوترات الطائفية، وأعطيك مثالًا على ذلك، زمان كنا نتعلم لغة عربية، وعندما يتم وضع آيات قرآنية كانت آيات بسيطة واضحة تدعو للقيم، لكن اليوم نسير على نظام أمريكى غير مفهوم، ثم يضع لك آيات قرآنية يصعب على الأطفال حفظها، فأنا مررت بتجربة شخصية، إذ فشلت فى تحفيظ ابنتى آية قرآنية.
ولماذا نجبر شخصًا على حفظ شريعة غيره؟
- لنعتبر أن تلك الآية سبيلٌ لتعليم اللغة العربية، كيف سنعلم أبناءنا اللغة بهذه الطريقة، ونستخدم الآيات الصعبة التى لا تناسب سنهم، المصرى العادى بسيط، يحتاج أن يأكل ويشرب ويصلى ويجلس على المقهى ولا يحتاج لمن يعقده ويوجهه دينياً، المصرى الحقيقى يستمتع بشهر رمضان، مسلم أو مسيحى، الجميع يستمتع بالفوازير، الكل يشتهى أطعمة رمضان كنافة وقطايف، هؤلاء هم المصريون الحقيقيون دون فلسلفة، إذا كنت تريد قياس درجة الأمان فى مصر، انظر هل يأكل المواطن على عربة الفول صباحاً ويجلس على المقهى ليلاً، إذا غاب عن ذلك فهذا يؤكد أن هناك شيئًا خاطئًا.
هل هناك حقوق أخرى؟
- دور الإعلام وتناوله للتوترات الطائفية، المسألة تحتاج لتوعية حقيقية للشعب، بناء حديقة جيدة لا تكلف المواطن، ليتنفس فيها، أفضل من بناء المسجد والكنيسة، ويدعم المواطنة أكثر من أى شىء آخر، من يريد الصلاة يعرف أين يصلى.
وكيف يحدث التمييز؟
- هناك تمييز فكرى وفى الإعلام أيضًا، كنا نقول إن التطرف يأتى من الجهل، اليوم أكثر من يفجرون أطباء ومهندسون، هناك فرق سرعات بين توجه الرئيس لتوجيه الفكر الدينى وبين توجه المؤسسة الدينية، فإلى الآن أعتب على شيخ الأزهر، فكيف يتحدث عن رفض تكفير داعش لمجرد أنه مسلم، كيف وهو يهدر الدم، أوافقه على ذلك إذا أوجد لنا حلاً، لكن لا يتركنا كذلك، أنا لدى عتاب شديد له، أشعر أن لديه نوعًا من التراجع فيما يتعلق بتجديد الفكر الدينى.
أتقصد أنه لا يمتلك إرادة؟
- نعم.. كل مرة يتحدث أن الأزهر لا يوجد به إرهابيون. نعرف أن الأزهر مؤسسة عريقة وليس إرهابيًا، لكن المصدر الرئيسى الفكر الوهابى، منذ أن ذهب المعلمون إلى الخليج ببدلة وعادوا بالجلباب والشبشب، المناهج لا تزال بنفس الطريقة، والفكر سار بنفس الطريق، بسبب ذلك يكون الجميع ضد تجديد الفكر الدينى.
هل ذلك يستدعى وجود خطر؟
- نعم، على المؤسسة الدينية، فالفكر الدينى ليس مسؤولية الأزهر وحده، فهو مسئولية الجميع، والإعلام ووزارات أخرى، بالأخص، لكن الأزهر يقود كل ذلك.
هل المواطن المسيحى العادى متخوف؟
- طبعًا.. ومحق فى ذلك؛ لأنه يتلقى السلبيات والصدمات ولا يرى الإيجابيات.
كيف نقضى على هذا الخوف؟
- بأن يكون هناك تطابق بما يحدث فى الشارع والإعلام، هناك أشياء فيما يتعلق بين المسلم والمسيحى لابد من إعادة النظر فيها، لابد من القضاء والعدالة الناجزة، لابد من إيجاد حلول سريعة إذا اختلفنا، وإلغاء كل ما يتعلق بجلسات «التهريج العرفى» وتطبيق القانون وحده، لأنه يستبعد دولة القانون ويرسخ منطق القوة، لأن القوى سيجبر الضعيف على تنفيذ ما يريد.
نحتاج لثورة تشريعات وإرادة حقيقية فى تجديد الفكر الدينى، وليس عيبًا الاستفادة من أوروبا، المجتمع المدنى أو الدولة المدنية هو من يفصل الدين عن الدولة، من يقول لك كيف تصل الشيخ أو القس، الزواج المدنى مرفوض فى الشريعة المسيحية، لكن أنا أرى إتاحة الحرية لمن يريده مع وجود زواج كنسى، الدولة موجودة والمؤسسة الدينية موجودة، وعلى المواطن الاختيار.
ما أهم التشريعات التى نحتاج إليها لترسيخ المواطنة؟
- كل ما يمنع التمييز بين المصريين، التعيين لابد أن يخضع لمعايير واضحة قبل التعرف على اسمك أو دينك أو واسطتك، لو طبقنا ذلك، سيحصل الجميع على حقوقهم دون تمييز، وذلك سيدفع الناس لتطوير قدراتهم، عندما لا يجد المعاق من يسخر منه سنصل إلى ما نريد.
قانون بناء الكنائس.. هل تراه كافيًا؟
- أنا ضد وجود قانون بناء الكنائس.. ونحن اضطررنا إليه بسبب دستور عمرو موسى، أنا مع قانون دور العبادة وليس قانون بناء الكنائس أو المساجد، دور العبادة حجر أو جماد، فعندما نأتى لبناء مدرسة أو مستشفى، فهناك مواصفات هندسية لها معايير لابد من تحقيقها، فكان علينا الذهاب إلى الكنائس والأوقاف للحصول على نماذج للمساجد والكنائس ونعطيها لوزارة الإسكان، هنا تتحول الكنيسة والمسجد من شىء طائفى إلى بناء تقوم به الدولة وتكون الشروط هندسية.
وماذا عن الأحوال الشخصية؟
- نفس الوضع، مرفوض، أنا مع قانون للأسرة المصرية، أن تقول بقانون أحوال شخصية للمسيحيين فذلك ضد المواطنة وترسيخ للطائفية، يجب أن نتحدث عن قانون للمصريين.
هل المجتمع المصرى طائفى؟
- الطائفية موجودة عنده طبعًا.
الشريحة الأكبر أم الأقل؟
- الأقل، لكن صوتها عال وتعمل دوشة، ودعك مما يحدث من الشيخ والقس عبر الشاشات، نعم المجتمع المصرى نتيجة الثقافة الوهابية التى أعتبرها مضادة للثقافة المصرية هى من تسببت فى مشاكلنا، وهنا لا أتحدث عن علاقتنا بالسعودية، فلا بد من الفصل بين العلاقة السياسية وتبنى الأفكار، هناك مصريون تبنوا ثقافة وهابية متشددة.