“عباس يتخلى عن غزة" هكذا عنون "يوني بن مناحيم" محلل الشئون العربية مقاله المنشور اليوم الخميس 6 أبريل، في مركز القدس للشئون العامة والسياسية، والذي تطرق فيه لأزمة تقليص رواتب نحو 60 ألف من موظفي السلطة الفلسطينية بقطاع غزة.
وخلص "بن مناحيم" إلى أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أقدم على تلك الخطوة، ينتقم من حركة حماس في القطاع على حساب موظفيه، في محاولة لإحداث حالة من الغليان داخل غزة، وتصدير أزمة جديدة للحركة.
إلى نص المقال..
موجة من الغضب العارم تسود قطاع غزة في أعقاب قرار الحكومة الفلسطينية برئاسة رامي الحمدالله تقليص رواتب موظفي السلطة الفلسطينية المحسوبين على فتح بقطاع غزة، والبالغ عددهم نحو 60 ألف شخص. بلغت نسبة التقليص 30%، وذلك دون المساس برواتب الموظفين المقيمين بالضفة.
تهدف الخطوة على ما يبدو للضغط على حكومة حماس وإحداث غليان بالقطاع، لأن حماس ترفض نقل أموال الضرائب التي تجبيها من المواطنين بالقطاع للحكومة الفلسطينية. من يدفع الثمن هم سكان غزة.
قبل بضعة أيام حذر محمود عباس من أن السلطة الفلسطينية سوف ترد بخطوات غير مسبوقة على تشكيل حماس لجنة جديدة لإدارة شئون القطاع، والتي هي بمثابة "حكومة ظل" تحل فعليا محل الحكومة الفلسطينية في رام الله. وتشكل مسألة إقامة اللجنة الجديدة خطوة جديدة نحو انفصال القطاع تمهيدا لاستقلال أحادي الجانب، أو ربما حتى إقامة دولة "حماستان" رغم نفي حركة حماس بشدة سعيها لذلك.
يميز قرار الحكومة الفلسطينية بشكل واضح بين الضفة والقطاع. بدأ الموظفون المتضررون ونشطاء فتح نشاطات احتجاجية تتضمن استقالات من قيادة الحركة بالقطاع، ومسيرات احتجاجية، ونشاطات معادية للسلطة الفلسطينية على شبكات التواصل.
“مذبحة الرواتب" هو الاسم الذي بات يطلق على تقليص الحكومة الفلسطينية. وقد جرى تنفيذه دون سابق إنذار وتبررها حكومة الحمد الله بالأزمة الاقتصادية الحادة. زعم أحمد المجدلاني عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أن عملية التقليص جاءت بالتشاور مع الاتحاد الأوروبي.
في قطاع غزة ليسوا مقتنعين بتبريرات الحكومة، إذ يرى المواطنون في التقليص خطوة سياسية من قبل محمود عباس تهدف للضغط على حماس على حسابهم. الرأي السائد أن محمود عباس يمارس حصارا ماليا واقتصاديا على القطاع منذ 2007 لزعزعة نظام حماس، ولجعل الحياة مستحيلة بالنسبة للسكان.
على شبكات التواصل انتشرت اتهامات ضد محمود عباس ونجليه بسرقة أموال الشعب الفلسطيني بعد وفاة ياسر عرفات، وتدميرهم المؤسسات الرقابية والمنظومة القضائية كيلا ينكشف أمرهم.
كُتب في بعض المنشورات على الفيسبوك، إن كان هناك فعلا أزمة مالية في السلطة الفلسطينية، فلماذا يتعرض قطاع غزة وحدة للظلم ولا يطبق تقليص الرواتب على موظفي السلطة بالضفة؟.
نشرت حركة فتح بالقطاع بيانا يدعو عباس لإقالة حكومة الحمد الله، وتشكيل حكومة وحدة وطنية بدلا منها. اتهمت فتح الحكومة بخلق الأزمات وقمع قطاع غزة.
رامي الحمد الله و"شلليته"
المزاعم تجاه رئيس الحكومة الفلسطينية لا تتعلق فقط بممارسة التمييز ضد القطاع لصالح الضفة، بل أيضا إعطائه أفضلية لشمال الضفة على باقي أجزائها كونه أساسا من مدينة طولكرم.
تشير عناصر في حركة فتح إلى أن رامي الحمد الله لا يتعامل بالشفافية اللازمة لرئيس حكومة. ويواصل السيطرة أيضا على منصبه السابق، كرئيس جامعة النجاح في نابلس، إلى جانب منصبه كرئيس للحكومة، وأقام "شللية" صغيرة إلى جانبه تضم الموالين له بشمال الضفة.
قبل عدة أيام عين صديقه سائد الكوني من نابلس في منصب مدير ديوانه العام بدلا من فواز عقل من نابلس أيضا. وتضم حكومته عددا من الوزراء من شمال الضفة:علي أبو دياك وزير العدل، وعلام موسى، وزير الاتصالات، وسميح طبيله وزير المواصلات والنقل. كذلك فإن يوسف المحمود المتحدث باسم الحكومة، وخيرية رصاص مستشارة رئيس الحكومة من نابلس أيضا.
تقول المصادر في فتح، إن رامي الحمد الله أدخل عشرات الموظفين من مقربيه بشمال الضفة للجهازين المدني والأمني، بل جاء بحارسه الشخصي إلى مكتب رئيس الحكومة، والذي كان في السابق حارسه الشخصي بجامعة النجاح.
منذ فترة طويلة يحاول مسئولان كبيران في حركة فتح هما محمود العالول وجبريل الجربوب الإطاحة برامي الحمد الله من منصبه من خلال مداولات تجرى في اللجنة المركزية لحركة فتح، وتعيين صبري صيدم وزير التعليم والثقافة الحالي، أو الدكتور محمد أشتيه عضو اللجنة المركزية لفتح بدلا منه، لكن الحمد الله يحظى بعلاقة شخصية مقربة من محمود عباس وأحد نجليه، الأمر الذي لا يسمح بالإطاحة به.
إلى أين تتجه الأمور؟
الاحتجاجات في قطاع غزة ضد قرار الحكومة تقليص رواتب الموظفين ستتواصل. وصف محمد دحلان، خصم عباس، والذي يحظى بنفوذ كبير بقطاع غزة تلك الخطوة بـ"الجريمة الخطيرة"، وأعلن أن النضال لإلغائها سوف يستمر بكل قوة. كذلك أدانت حركة حماس الخطوة ودعت الحكومة الفلسطينية للتراجع عن القرار غير المسئول والتوقف عن التمييز بين الضفة والقطاع.
على ما يبدو، لا يكترث عباس بموجة الاحتجاجات، إذ يستقوى بمغازلة إدارة ترامب له والنشاطات السياسية الجديدة، وقرر تصعيد الصراع ضد حركة حماس على حساب موظفي السلطة الفلسطينية بغزة.
ليس من المستبعد أن تتدخل دول الخليج في الأزمة وتضخ الأموال للسلطة الفلسطينية لدفع الرواتب كاملة خاصة مع اقتراب شهر رمضان ورغبة منها في تهدئة التوترات بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس.