الأرزاقية في مصر بالملايين، حزب العرق في مصر، عمال وصنايعية وحرفيين، يعيشون رزق اليوم بيومه، لا يعرفون بدلات ولا مرتبات ولا تأمين صحي، شعارهم: إعرق تاكل، الأغرب إن حياتهم خارج خدمة الحكومة تمامًا وهمومهم مرفوعة دايمًا من أجندة اهتمام البرلمان وجمعيات حقوق الإنسان، دون اهتمام بقضاياهم وأنينهم
كل يوم المشهد يتكرر، مطرقة وشاكوش وأجنة وأزاميل، صور تدمي القلوب، هروب من الفقر، تضحية بالصحة والعرض مقابل المال، مفردات متناثرة عند تجميعها وترتيبها تتضح معالم صورة مأساوية لملايين من العمال في مصر مهضومي الحقوق والرعاية من الذين يذكرهم المسئولون في تصريحاتهم بأنهم ضمن نسبة 26% "تحت خط الفقر"، ربما يكونوا أبشع صورة للفقر نفسه، على الرغم من توكلهم على الله وسعيهم "المضني" في سبيل لقمة عيش تسد رمق أسرة وأطفال لا ذنب لهم غير العيش في مجتمع "بلا قلب".
ليست المرة الأولى وقد لا تكون الأخيرة التي نتناول فيها "مأساة" الأرزاقية، قبل أن أخطو أي خطوة استحضرت لحظات عشتها بنفسي منذ ما يزيد على 15 عامًا تقريبًا في بداية عملي الصحفي مع تلك الفئة "المهمشة"، عندما استهوتني فكرة معايشة بعض الذين "يتاجرون بصحتهم" من العمال في مجال البناء والمقاولات، فلا رأس مال لديهم ولا حرفة أو شهادة جامعية يعملون بها، رأس مالهم "الصحة" فقط.
أن تشعر بالضغط العصبي الشديد والقلق من تحصيل لقمة العيش لأنك تخرج من بيتك "على الله" حاملًا مطرقة وشاكوش وأجنة وأزاميل، ولا تعلم إذا كنت ستعود بما يحتاجه بيتك وأفراد أسرتك من مأكل ومشرب، أو سترجع إليهم بخفي حنين كما يقول المثل العربي الشهير فهذا شيء مرعب، وربما لا يخفف هذا الضغط إلا الإيمان واليقين بأن الزرق مقدر لكل إنسان وما عليك غير السعي، كان اتفاقي وقتها مع شخص "مكافح" أعرفه وكان خريج إحدى الكليات يدعى محمود أبو رحمة الشهير بـ"القمة"، معروف عنه أنه يعمل "في الفاعل" في بعض الأحيان عندما تسد أمامه أبواب الرزق حيث لم يحصل على وظيفة ثابتة "ومقضيها شوية في مطعم وشوية ينتظر مساعدة والده"، وطلبت منه أن يصطحبني معه في أي "شغلانة" قريبة بحجة أني أمر بضائقة مالية وأريد أن أشتري لنفسي بعض الأشياء ومرتبي لا يكفي.
مرت أيام إلى أن وجدته يمر عليّ في البيت ويخبرني أنه في الغد سيعمل في "مقاولة" صغيرة في إحدى المناطق المجاورة وهي رفع كمية من الرمال إلى الدور الثالث في إحدى البنايات الجديدة التي يتم تشطيبها، واتفقنا على مكان اللقاء والموعد والأجر الذي كان وقتها 15 جنيهًا، لأني مستجد وليس عندي خبرة كافية تجعلني أقوم بنفس الجهد الذي سيقوم به هو، وكما شرح لي أنه في الوقت الذي سيرفع هو "شيكارتين" سأرفع أنا واحدة بالكاد، وهو ما حدث بالفعل.
بدأت المهمة وهممت برفع أول حمولة على كتفي وزنها في حدود 15- 20 كيلو، كدت أسقط بها أرضًا لولا أني تحاملت وقررت أن أثبت له أن عزيمتي وإصراري ستغلب ضعف قوتي وقلة خبرتي، فبنيان جسدي لم يكن مؤهلًا لتلك المهمة العنيفة، وبالفعل ساعدني في رفع أول "شيكارة" على كتفي وتحركت نحو السلم أجر قدماي وأتسند على الحائط حتى لا أقع على الأرض، فأخسر المهمة والتجربة وأتعرض للسخرية، لكني كنت خلال دقائق معدودة منذ أن خطوت أول درجة حتى نزلت أنها "أول وآخر شيكارة" قد أخذت قراري بالانسحاب، فليس لدي استعداد أن أصاب بأي شيء غير متوقع لأني أدركت أن تلك المهنة الشاقة لها أصول وقواعد وتحتاج لتدريب وبناء جسدي ملائم لا يتوفر لدي، فاعتذرت له أني سأتركه يعمل وحده باقي "المقاولة" لأني شعرت بدور برد "داخل عليّ" ويجب أن أرتاح قبل أن تزيد أعراضه كما أن المبلغ المتفق عليه لا يرضيني، فتقبل اعتذاري على مضض وكأن لسان حاله يقول "طالما مانتش أدها بتقول ليه عاوز اشتغل في الفاعل".
عدت أدراجي وأنا أشعر بفرحة غامرة أني كسرت حاجز الخوف وخضت تجربة لا يفكر غيري مجرد التفكير فيها، واقتربت من عالم فئة "كادحة" بكل معنى الكلمة حاملا لهم كل التقدير والاحترام، على عكس ما كنت أشعر به تجاه عشرات أصادفهم كل يوم ممن يعملون في هذا المجال ممن يهدمون الجدران أو يحملون "أكياس الرمل وشكاير الأسمنت" على أكتافهم ولا حيلة لهم في الرزق ولا رأس مال غير صحتهم وعافيتهم.
دفعتني تلك المشاعر المتضاربة تجاههم من العطف والاحترام والتقدير لأن أبحث عن أصل تلك التسمية "عمال التراحيل" فوجدت أنها في الأصل كانت تخص الفلاحين الذين كانوا ينتقلون من مكان إقامتهم في مطلع اليوم للعمل في مكان آخر والعودة في آخره حيث لا توجد أي فرص عمل في بلدهم، وكانت في الغالب تقتصر على العمل في أعمال الزراعة في الريف المصري ما قبل يوليو 1952، وربما اقتبست من كلمة ترحيل أي نقل الشي من مكانه لمكان آخر، وقد رأينا رائعة يوسف إدريس "الحرام" والتي ناقشت تلك القضية والتي وصلت فيها البطلة "عزيزة" والتي قامت بدورها الفنانة الراحلة "فاتن حمامة"، أن أجبرتها الظروف للتضحية بشرفها إضافة إلى استقرارها في بيتها وراحة بالها بسبب مرض زوجها "عبدالله" ما جعلها تغادر القرية مع عمال التراحيل، وتحمل في الحرام.
بمرور الوقت توارى هذا النوع من العمل وتغير المسمى بسبب تفتيت الملكية الزراعية بعد 1952 فلم يعد هناك حاجة لأن يتم جلب فلاحين من قرى مجاورة وأصبح كل فلاح يكتفي ذاتيا بأعمال حقله بمساعدة أفراد أسرته، وظهر نوع جديد موازٍ لتلك الفئة أصحبت تسمى "الفواعلية أو الأرزاقية" ازدهر نشاطها على الرغم من أنه موسمي وغير دائم مع انتشار حركة البناء على الأراضي الزراعية أو حركة العمران التي شهدتها محافظات ومدن مصر خلال 60 سنة مضت.
تغيرت المسميات لكن بقيت الظروف كما هي، فلا دخل ثابت ولا رعاية صحية مناسبة ولا تأمينات تمنحهم الحياة الكريمة عند كبر سنهم، لأنها مهنة ضد "العجز" بفتح الجيم، وكبير السن فيها يعامل معاملة خيل الحكومة ويحكم عليه بالاعدام حتى لو ظل حيا، فلا أحد يقبل أن يمنحه فرصة عمل يومية لهدم جدار أو نقل الأثاث ومواد البناء وخاصة حمل الرمل والطوب والبلاط أو ورمي خرسانات في الأسقف التي لا تستطيع الميكنة الدخول إليها لضيق شوارعها، ويضطر العمال إلى حملها على أكتافهم.
حكاياتهم لا جديد فيها وتحمل نفس الرتوش ووجوههم لها نفس الملامح حتى مع أشخاص مختلفين، بؤس وإجهاد وحملان الهم والتفكير في بكرا، وشكاوى من العمل يوم والمكوث في البيت أيام، وحوادث قد تجعلك تبكي، فقد يكون أبسطها كسر في الساق يستوجب تركيب مسامير وشرائح معدنية يستدين صاحباها لتركيبها إضافة إلى استدانته للإنفاق على أسرته بعد أن أصبح عاطلا طريح الفراش.
نفس التفاصيل التي تسمعها من "حسين" الذي ترك قريته في قنا وسكن منطقة فيصل حيث اكبر تجمع للفواعليه، أو "محمد" الذي جاء من سوهاج قاصدا وجه كريم للبحث عن لقمة عيش حلال في "أم الدنيا" لكن تفاجئه قسوة الدنيا وفقر أمها وتقصيرها مع أبنائها، وكذلك دموع حبيسة تراها في أعين سمير الذي يقف مع زملائه تحت كوبري أبو الريش منذ الصباح الباكر وعيونهم مركزة على السيارات المارة أمامهم، حتى إذا ما وجدوا سيارة تتباطأ أمامهم هبوا إليها هبة رجل واحد مندفعين إلى صاحبها لا يملكون غير عبارة واحدة "مش عاوز رجالة يا بيه؟!".
ينتشر الفواعلية في كل مدينة وفي كل محافظة في مصر سواء في الوجه البحري أو القاهرة والجيزة والإسكندرية أو الفيوم، ما بين تقاطع شارع نصر الدين بمنطقة الهرم، أو شوارع منطقة فيصل أو على كوبري المريوطية وفي أرجاء مدينة أكتوبر وزايد، وعلى الأطراف الأخرى من القاهرة الحي العاشر ومدينة السلام، أو عند كوبري أبو سرحة شرق الإسكندرية، وميدان الصينية بالورديان، أو بميدان الجمهورية، أو بالقرب من المحطة أو الحكمة بطنطا وميدان الشون بالمحلة، أو بالشارع الرئيس لكوبري السنترال بمدينة الفيوم، هم بمثابة "ملح الأرض" ويقدر عددهم بحوالي 6 ملايين عامل بحسب أخر الاحصائيات عام 2011 بنسبة 40% من عمال مصر، يعيشون بدون مظلة اجتماعية.