الخميس 2 يوليه 2026 — القاهرة

فرنسا ومفاجآتها

فرنسا ومفاجآتها
بعد أقل من أسبوعين، يتوجه الفرنسيون لاختيار رئيسهم الجديد. وفرنسا من البلاد المعروفة بازدهار السجال السياسى بها، وبالوزن الكبير الذى تحتله الحركات الاجتماعية فى المشهد السياسى. ولهذا تكون الحملة الانتخابية مجالاً لمعرفة اتجاهات الرأى العام، وتأثير ذلك على مستقبل فرنسا بل والاتحاد الأوروبى أيضاً. ولكن الحملة هذا العام تحمل فى طياتها ملامح ذات دلالات غير مسبوقة فى تاريخ فرنسا المعاصر. 

أول هذه الملامح هو تقدم مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن لتحتل مقدمة السباق وتضمن الوجود فى انتخابات الإعادة، بل وترجح استطلاعات الرأى فوزها بالرئاسة. وقد ظهر اليمين المتطرف كقوة سياسية وحزب سياسى شرعى هو حزب الجبهة الوطنية فى أواخر السبعينيات من القرن الماضى. وكان حزباً ضعيف التمثيل فى البرلمان وفى المحليات، ويتجاوز رصيده فى الانتخابات الرئاسية بالكاد 5%. وفى بعض الأحيان كانت تحدث طفرة ويحقق رقماً غير متوقع، كأن يصل إلى 10% مثلاً، كان ذلك يفسر بأنه انتخاب عقابى ومؤشر على عدم رضا المواطنين، لكنه ليس تصريحاً بالوصول إلى الحكم. 

رغم أن مرشحة اليمين المتطرف تحاول أن تقدم برنامجاً شاملاً يتعرض للتعليم والصحة والضرائب، إلا أن هناك نقطتين تشغلان بال أنصارها وخصومها على السواء، وهما الهجرة ومستقبل الاتحاد الأوروبى. ويمكن أن نستنتج بسهولة، انطلاقا من تعبيرها عن وجهة نظر اليمين المتطرف، أنها تعد بإغلاق باب الهجرة وطرد المهاجرين غير الشرعيين وحرمان الأجانب الذين يعملون فى فرنسا من مزايا المواطنين الفرنسيين، مثل مجانية التعليم والتأمين الصحى. وبالنسبة للاتحاد الأوروبى، فهى تنوى أن تتفاوض من أجل زيادة الحماية الجمركية وتقترح إجراء استفتاء للخروج من العملة الموحدة اليورو. 

هذا الكلام ليس جديداً. الجديد هو أنه يصبح يتمتعا بشعبية ويلقى قبولا لدى قطاعات كبيرة من السكان مما قد يحمل صاحبته إلى دفة الحكم. الملمح الثانى أن المنافس لزعيمة اليمين المتطرف هو إيمانويل ماكرون وهو من رجال البنوك حيث كان يعمل فى بنك روتشيلد ثم أصبح وزيراً للاقتصاد فى عهد الرئيس هولاند. وهو ليس عضواً فى أى حزب سياسى، لا من اليمين ولا من اليسار، ويقدم برنامجاً يطلق عليه: يسارى ليبرالى. ويبرز برنامجه مهاراته الاقتصادية لكنه لا يبين أى توجهات سياسية واضحة. ولاشك أن هذا الموقع المتقدم بين المرشحين يعبر عن ميل المواطن الفرنسى إلى الإتيان بوجوه من خارج محترفى السياسة فى الأحزاب التقليدية اليمينية أو اليسارية والذين يتبادلون مواقع الرئاسة والوزارة والدبلوماسية فيما بينهم. 

الملمح الثالث هو الموضع المركزى الذى يحتله الحديث عن الفساد فى هذه الحملة حتى أنه غطى على الحديث عن البرامج السياسية. لقد كان فرنسوا فيون رئيس وزراء فرنسا السابق فى فترة رئاسة ساركوزى متقدماً فى بداية الحملة، ثم بدأت التسريبات التى تتهمه بالفساد. من بين هذه التسريبات أنه عيّن ابنه وابنته مستشارين قانونيين فى البرلمان أثناء الصيف ليحصلا على مبلغ كبير من المال، وكذلك عيّن زوجته فى وظيفة صورية لتحصل على مرتب كبير لسنوات. الغريب أن فيون لم ينكر ذلك، ولكنه ندد برئيس الجمهورية الذى يترصد له ويكشف المستور فى الوقت الحرج. المهم أن الجمهور الفرنسى مقتنع بأن ما فعله فيون، يفعله كل رجال السياسة الكبار من اليمين ومن اليسار على السواء. الجديد فقط هو أن الرئيس أولاند قد أعطى للقضاء الضوء الأخضر للمضى فى التحقيقات، ولم يتحفظ عليها باسم مصلحة الدولة العليا كما كان يحدث فى السابق. 

الملمح الرابع هو أن مرشح الحزب الاشتراكى لرئاسة الجمهورية بونوا هامون وزير التعليم السابق تبين استطلاعات الرأى أنه لن يتجاوز 10% من الأصوات، وهى أول مرة ينحدر ممثل الحزب الاشتراكى إلى هذا المستوى. فالحزب كان فى جميع الأحوال قادرا على تعبئة أنصاره ومؤيديه ليضمنوا لمرشحه الوصول للجولة الثانية. ولكنه الآن قد تراجع وتحول إلى حزب هامشي. ورغم أن برنامج هامون طليعى ويتجاوب مع التطورات العلمية والمعلوماتية فى العالم، فهو يقترح أن يطرح البرلمان عدم الثقة فى الحكومة إذا طالب بذلك عبر الإنترنت 1% من أصحاب الحق فى التصويت. وينشغل بالاهتمام بالبيئة وإدماج المهاجرين فى المجتمع إلا أنه يتهم بأنه حالم أكثر من اللازم. اعتبر الكثير من المحللين أن موقعه المتأخر هو دلالة على انهيار الحزب الاشتراكى ذاته. 

ترى أى مفاجأة سوف يحملها الناخب الفرنسى إلى العالم؟. 
مصدر الخبر
الأهرام

أخبار متعلقة