لم يخلع أقباط مصر ثوب الحداد على ذويهم الراحلين طيلة الأعوام القليلة الماضية، إلا ليلبسوا غيرها على راحلين آخرين في حوادث دامية استهدفت الكنائس والأفراد، شهرا بعد شهر وعاما بعد آخر، في سلسلة من القتل والتشريد، أسفرت عن عشرات الشهداء ومئات المصابين على يد دعاة التطرف والإرهاب، وعلى رأسهم تنظيم "داعش" الإرهابي".
طنطا والإسكندرية
آخر الدماء التي سالت كانت في طنطا والإسكندرية، حيث استيقظ المصريون الأحد الماضي على صراخ وعويل ودماء متناثرة على جدران الكنائس خلال الاحتفالات بعيد أحد السعف "الشعانين" في الإسكندرية وطنطا، ففي كنيسة مارجرجس بالغربية تم زرع عبوة ناسفة داخل الكنيسة ومع تطاير أجزاء القنبلة خلال الانفجار تناثرت أشلاء أجساد المصلين في مختلف الأنحاء. توقفت الأجراس واتشحت الشاشات بالسواد.
وقبل أن يلتقط المصريون أنفاسهم من حادث طنطا، وقع تفجير آخر في الإسكندرية أمام مدخل الكنيسة المرقسية، ونتج عن التفجيرين 45 شهيدا و 126 مصابا.
تفجيرات "البطرسية"
و أعادت التفجيرات الأخيرة إلى الأذهان ما وقع من اعتداء غاشم على الكنيسة البطرسية بالقاهرة يوم الحادي عشر من ديسمبر لعام 2016، خلال الاحتفال بعيد الميلاد وتوفى على إثره 29 شخصا وأصيب 31 آخرين، وأعلن بعدها تنظيم "داعش" الإرهابي مسؤوليته عن الحادث، وأن التفجير تم بحزام ناسف نفذه انتحاري يدعى أبو عبد الله المصري.
لماذا يستهدف داعش الأقباط؟ سؤال نبحث عن إجابته في السطور التالية مع الخبراء المعنيين بملف التنظيمات المسلحة.
قال كمال حبيب الباحث في شؤون الحركات الإسلامية إن استهداف الكنائس تحديدا يقف خلفه عدد من الأسباب أهمها مساندة الأقباط لـ30 يونيو ودعم نظام الرئيس السيسي، إلى جانب وجود الفكر التكفيري في مناهج داعش تجاه الأقباط.
وأضاف حبيب لـ"مصر العربية" أن عقيدة التنظيمات الإرهابية تعتمد بشكل أساسي على مبدأ التكفير، والذي ينتج عنه إنزال عقاب بهؤلاء الكفار وفقا لمعتقداتهم.
وأشار الخبير في شؤون الحركات الإسلامية إلى أن استناد تلك الجماعات إلى ما كان يدور قديما خلال عهد الفتوحات الإسلامية غير صحيح، فالإسلام لم يكن يقتل من هم على غير عقيدته إذا لم يقاتلوه.
وأكد كمال حبيب أن الدين الإسلامي هو الدين الأول الذي أتى لينظم قواعد تحترم حق الإنسان المختلف في العقيدة، رافضا تحميل الإسلام كل شيء أو تحميل فئات محددة منها السلفيين مسؤولية نشر الفكر المتطرف.
وتابع: الأقباط يدفعون ثمن مساندتهم للنظام الحالي ووقوفهم في وجه جماعة الإخوان، وكذلك على دورهم في 30 يونيو.
من جانبه قال الخبير الأمني العميد حسين حمودة إن الدولة المصرية منهكة نتيجة استهداف داخلي وخارجي بسبب الإرهاب الذي تواجهه، لافتا إلى أن داعش أوضحت قبل التفجيرات أنها ستنفذ عمليات وتستهدف مزيدا من الأقباط لكننا لم ننتبه.
وأرجع حمودة في تصريخ لـ "مصر العربية" الأمر إلى غياب المراكز البحثية التي تعني بوضع دراسات حقيقية وتفصيلية حول الجماعات الإرهابية وتاريخها بحيث تكون قادرة على الوصول إلى إستراتيجية داعش وتتنبأ بخطواتها المقبلة قبل أن تعلن عنها.
وأكد الخبير الأمني أن تفجيرات الكنائس محاولة لإنهاك الدولة المصرية، وفي نفس الوقت معاقبة للأقباط على دورهم في تدعيم نظام الرئيس السيسي، وهذا المنهج موجود لديهم من القدم، لكن ما يؤخذ علينا عدم الانتباه، محذرا من تسميم المياه خلال الفترة المقبلة.
في السياق نفسه، قال أستاذ العلوم السياسية بجامعة الإسكندرية محمد السعدني إن الفكر المتطرف يتعامل مع أبناء دينه أنفسهم بمبدأ الكفرة إذا كانوا يخالفونه الرأي والمنهج، مضيفا: ما بالك بمن هم على دين مخالف.النتيجة استباحة دماءهم.