لقد كانت مساعي تركيا في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي ضربًا من ضروب الخيال. لكنها الآن مهزلة. فالرئيس التركي ربما ينفذ الآن التهديدات التي أطلقها في السابق بتطبيق عقوبة الإعدام- الخطوة التي من شأنها أن تغتال تلك الطموحات. ولكنه حال لم يفعل، ربما يضطر القادة الأوروبيون إلى أخذ زمام المبادرة ودراسة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.
جاء هذا في سياق المقالة التي نشرتها صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية تحت عنوان "انتصار مُر لسلطان تركيا الجديد" والتي سلطت فيها الضوء على نتائج الاستفتاء على التعديلات الدستورية بتركيا، والتي أعطت فرصة لظهور ديكتاتورية جديدة في أوروبا، مؤكدة أن حلم أنقرة بالانضمام للاتحاد الأوروبي لن يتحقق خصوصًا مع تزايد المعارضين للتعديلات حتى بين أنصار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وإلى نص المقالة:
لم يكن ثمة سؤال مكتوب في بطاقة التصويت التي قُدمت للناخبين الأتراك في استفتاء التعديلات الدستورية الذي جرى في البلاد أمس أول الأحد، واقتصرت البطاقة على التصويت بـ "نعم أو "لا." لكن النتيجة- الفوز المرير بفارق ضئيل للرئيس رجب طيب أردوغان- كانت بمثابة نقطة تحول في تاريخ الدولة التركية.
فالدستور الجديد سيحول أردوغان إلى سلطان عصري يمتلك كافة الصلاحيات التنفيذية دون أدنى رقيب، ما سيتيح له بالطبع فرصة كافية لإكمال عملية ترويض وإخضاع مؤسسات الدولة المختلفة.
ومع ذلك، فقد فاز أردوغان بالكاد بالتأييد الشعبي الذي طالما سعى إليه، إذ تعطيه النتائج الأولية للاستفتاء أغلبية ضئيلة- فاز الرئيس التركي بنسبة 51% من أصوات الناخبين.
وفي كل من أنقرا واسطنبول، صوتت الأعلبية بـ "لا"- حتى في المناطق التي تعتبر في العادة معاقل حزب العدالة والتنمية الحاكم، وهي نفي النتيجة التي صوت بها الأكراد في جنوب شرقي البلاد التي تمزقها الصراعات، برغم أن بعض المشردين جراء تلك الصراع لم يستطيعوا حتى المشاركة في الاستفتاء.
وتطالب أحزاب المعارضة بإعادة فرز الأصوات، بعد صدور قرار مثير للجدل من جانب اللجنة العليا للانتخابات بقبول بطاقات التصويت دون وجود أختام تصديق رسمية عليها. لكن من الصعب جدا أن تستجيب اللجنة التي عينتها الحكومة لمطالب المعارضين وتلغي نتائج التصويت.
لكن عملية التصويت في الاستفتاء شوهتها حملة غير نزيهة أجريت في ظل فرض قانون الطوارئ، وقمع الإعلام، وحرمان المعارضة من الظهور في القنوات التلفزيونية.
والطبيعة الهشة لانتصار أردوغان في الاستفتاء لا يترك سوى أمل ضئيل بأن الرئيس التركي قد يطبق استراتيجية تصالحية أكثر براجماتية، وينهي حملة التطهير لتي طالت الآلاف من خصومه ممن يصفهم بـ "أعداء الدولة، وأن يعيد إطلاق المباحثات مع المتمردين الأكراد، ويكرس الوقت الكافي للإصلاحات الاقتصادية التي أهملت منذ فترة طويلة. لكن أردوغان بدأ يدرك على الأرجح أن التكتيكات المثيرة للانقسام والمطالبات بالاصطفاف خلف الدولة التركية، قد أتت ثمارها.
والخطوة المتوقعة لتمديد حالة الطوارئ المطبقة فعليا منذ محاولة الانقلاب الفاشلة التي تعرض لها رجب أرودغان في أواسط العام الماضي، خير شاهد على ذلك. فبما أنه يتعين على الرئيس التركي الفوز بانتخابات أخرى – ستكون في العام 2019 إن لم تكن أقرب من ذلك- كي يأخد سلطاته الجديدة كاملة، فإنه سيرى ميزة في المواجهة، وليس في المصالحة. وهذا سيعمق بدوره المشكلة التي يواجهها شركاء تركيا الأوربيون.
فردة الفعل الأولى من بروكسل على نتيجة الاستفتاء التركي كانت حذرة، إذا طالبت انقرا بالتوافق قبل المضي قدما في تطبيق التعديلات الدستورية المقررة. لكن أيا من تلك التعديلات يمكن أن يتسق مع معايير الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي طالما تسعى إليه أنقرا.
لقد كانت مساعي تركيا في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي ضربًا من ضروب الخيال. لكنها الآن مهزلة. فالرئيس التركي ربما ينفذ الآن التهديدات التي أطلقها في السابق بتطبيق عقوبة الإعدام- الخطوة التي من شأنها أن تقتل مثل تلك الطموحات. ولكنه حال لم يفعل، فربما يضطر القادة الأوروبيون إلى أخذ زمام المبادرة ودراسة انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.
ومع ذلك، يجب على الدول الأوروبية أن تجد وسيلة لإعادة وضع إطار للمعاملات الأساسية بينها وبين أنقرا فيما يتعلق بالأمن والهجرة. ولا يتعين عليها أن تتخلى في الوقت نفسه عن قرابة نصف الشعب التركي الذي صوت بـ "لا"، برغم الضغوط وغياب المعلومات، والذي يتطلع إلى أوروبا لحماية حقوقه المهدرة وتعزيز القيم الديمقراطية.
وربما يكون ممكنا تعزيز العلاقات الاقتصادية مع أنقرة عبر النهوض بعمل اتحاد الجمارك الأوروبي مع تركيا- وهو الإجراء الذي يتطلب تكاملا سياسيا.
إن مسار تركيا إلى الغرب كان ولا يزال صعبا، لكن الآمال بقيت برغم عقود من الانتكاسات. والآن انطفأت تلك الأمال.
إن فوز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في استفتاء التعديلات الدستورية الذي شهده البلاد أمس الأول الأحد يمثل ضربة للديمقراطية في البلدان التي تقطنها أغلبية مسلمة، كما أنه يمثل خطوة إضافية في المسيرة العالمة صوب الاستبداد الاستباقي.