تُعيد إدارة ترامب إحياء علاقة واشنطن التي كانت مُعتلَّة مع المملكة العربية السعودية سريعاً، وسيجري هذا الأمر على قدمٍ وساق هذا الأسبوع.
ففي يوم الثلاثاء، 18 أبريل/نيسان 2017، زار وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، الرياض، مع مواصلة البيت الأبيض تقديم دعمٍ أكبر للحملة التي تقودها السعودية في اليمن، والتي خلَّفت ضحايا مدنيين، حسب تقرير لمجلة فورين بوليسي الأميركية.
وفي يوم الأربعاء، 19 أبريل/نيسان 2017، تحدَّث وزير الخارجية الأميركي، ريكس تيلرسون، أمام قمة أعمالٍ أميركية–سعودية في واشنطن، واصِفاً العلاقات التجارية الثنائية بأنَّها سبيلٌ "للارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستوياتٍ جديدة".
وخلال حديث تيلرسون في غرفة التجارة الأميركية الأربعاء، أخبر حشداً من المديرين التنفيذيين الأميركيين والسعوديين إضافةً إلى مسؤولين سعوديين بارزين، من بينهم وزير التجارة والاستثمار السعودي ماجد القصبي، بأنَّ مسؤولي وزارة الخارجية الأميركية في السعودية "رهن إشارتكم" لتعزيز التجارة والاستثمار.
وتعمل المملكة على إعادة تنظيم اقتصادها المُعتمِد كلياً على النفط عبر برنامجٍ طموح يُطلَق عليه "رؤية السعودية 2030"، والذي سيحتاج إلى الكثير من رأس المال الأجنبي.
اتفاقات ترامب
وقال تيلرسون إنَّ إدارة ترامب أوضحت أنَّ إحدى أولويات السياسة الأميركية تتمثَّل في عقد اتفاقاتٍ أفضل للولايات المتحدة.
وقال في بيانه أو بالأحرى إعلانه الترويجي حسب توصيف فورين بوليسي، إنَّ "المملكة ستجني فوائد ما يشتهر به قطاعنا الخاص... عن طريق اختيار الشركات الأميركية"، واصِفاً القطاع الخاص الأميركي بـ"الشركاء الذين يمكنكم الاعتماد عليهم للوفاء بالالتزامات".
وأوضح وزير الخارجية الأميركي أن واشنطن تدعم الخطة السعودية "رؤية 2030" الهادفة إلى إحداث تغيير في الاقتصاد السعودي وتحسين الأوضاع الاجتماعية للسعوديين.
وقال تيلرسون في خطاب أمام القمة السنوية الثانية للرؤساء التنفيذيين السعوديين والأميركيين بغرفة التجارة الأميركية في واشنطن، إن الرئيس دونالد ترامب عبر خلال لقائه ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في شهر مارس/آذار 2017 عن رغبته في السمو بالعلاقات بين البلدين إلى مستويات أعلى، حسبما ورد في موقع قناة الحرة الأميركية.
ويشير الظهور المتزامن لماتيس وتيلرسون إلى علاقاتٍ أميركية–سعودية دافئة تحت حكم إدارة ترامب بعد 8 سنواتٍ من التوتُّرات مع إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، وهي التوتُّرات التي غذَّاها جزئياً تواصل أوباما مع إيران من أجل التوصُّل إلى الاتفاق النووي في 2015، وفقاً لفورين بوليسي.
وتُبرِز الحملة الدبلوماسية كذلك ما يبدو أنَّه محور السياسة الخارجية للإدارة: منح الأولوية لقضايا مكافحة الإرهاب والتجارة على حساب المخاوف الأميركية التقليدية، بما في ذلك حقوق الإنسان.
ولنأخذ اليمن كمثال. فقد أثارت الحرب التي تقودها السعودية هناك ضد المُتمرِّدين الحوثيين المدعومين من إيران انتقاداتٍ من المراقبين الدوليين ومُراقبي حقوق الإنسان بسبب الاستهداف العشوائي للمدنيين.
واختلفت إدارة أوباما بقوةٍ مع الرياض بسبب تدخُّلها القوي، وحظرت مبيعات بعض الأسلحة، وانتقدت علناً غارات بعينها، وحدَّت من تبادل المعلومات الاستخباراتية بدعوى استخفاف السعودية بالضحايا المدنيين.
واختلف الأمر تحت حكم ترامب، الذي بدأ في توجيه الأوامر بضرباتٍ جوية ضد الأهداف الإرهابية في اليمن، ويبحث تقديم مزيدٍ من المعلومات الاستخباراتية والمعدات العسكرية إلى الحملة التي تقودها السعودية، بما في ذلك مساعدة محتملة للسعوديين في السيطرة على ميناء الحُديدة اليمني المهم.
وقال ماتيس للصحفيين الثلاثاء، إنَّ "هدفنا هو وضع الأزمة الموجودة، والمعركة المستمرة، هناك في اليمن، أمام مفاوضاتٍ تتوسَّط فيها الأمم المتحدة، ومحاولة تسوية الأزمة سياسياً في أقرب وقتٍ ممكن. فقد استمرت فترة طويلة".
وتمثَّلت إحدى نقاط الخلاف الكبرى بين واشنطن والرياض خلال السنوات الأخيرة في الاتفاق النووي مع إيران؛ إذ اعتبرت السعودية، التي تنظر إلى إيران الشيعية باعتبارها منافستها الإقليمية الرئيسية، أنَّ الاتفاق خطير. وتعهَّد ترامب من جانبه بتمزيق الاتفاق خلال الحملة الانتخابية.
لكن في يوم الثلاثاء، اصطدمت حملته، وكما حدث في قضايا أخرى كثيرة، بالواقع، فقد مدَّد ترامب تخفيف العقوبات بعد إعلان أنَّ إيران ملتزمة بشروط الاتفاق.
وقال وزير الخارجية الأميركي في إفادة من مقر وزارته، إن بلاده تجري مراجعة لسياستها تجاه إيران من خلال إعادة النظر في الاتفاق النووي ، معتبراً أن هذا الاتفاق بشكله الحالي لن يمنع طهران من الحصول على السلاح النووي وترامب لن يسمح بذلك.
وأعلنت السعودية "تأييدها الكامل" للضربات الأميركية على أهداف عسكرية في سوريا ووصفتها بأنها قرار "شجاع" للرئيس الأميركي دونالد ترامب رداً على استخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، حسبما جاء على لسان مصدر مسؤول بوزارة الخارجية في بيان نشرته وكالة الأنباء السعودية.
وسبق أن رفض تريلسون عندما كان مرشحاً لمنصب وزير الخارجية تصنيف السعودية كدولة تنتهك حقوق الإنسان.
واعتبر في رده على سؤال من قبل سيناتور أميركي خلال جلسة استماع، أن إطلاق مثل هذه التصنيفات على دول بعينها بالاسم يعتبر سياسة قصيرة النظر.
الاقتصاد
وفي غضون ذلك، تقوم السعودية بحملةٍ ترويجية لاقتصادها. فعلى مدى عقود، جذبت المملكة، التي تمتلك احتياطات نفطية هائلة، اهتماماً كبيراً من شركات النفط الأجنبية.
لكن منذ الثمانينات، حُظِرت حقول النفط على شركات النفط الأجنبية الرئيسية. (وتُخطِّط شركة أرامكو السعودية، عملاق النفط المملوكة للدولة، لعملية طرحٍ عام لأسهمها في العام المقبل 2018، وهو ما من شأنه أن يُمثِّل فرصةً للمستثمرين من أجل الحصول على حصةٍ مما قد تكون الشركة الأكبر قيمةً في العالم).
وتنوي شركة "أرامكو السعودية" طرح نحو 5 في المائة من أسهمها للاكتتاب العام، الذي من المتوقع أن يكون أكبر طرح عام أولي في العالم.
وتتنافس بورصتا نيويورك ولندن، بغية الظفر بالطرح الأول لأسهم شركة "أرامكو السعودية"، في الاكتتاب الأكبر، الذي ينتظر أن يطرح خلال عام 2018 . وأبرزت صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية، أنَّ "كلاً من بورصتي نيويورك ولندن، تعكف في الوقت الراهن، على إجراء مباحثات مكثفة مع مسؤولين من شركة (أرامكو السعودية للبترول)، بغية الاستعداد لخوض سباق الاكتتاب التاريخي، الذي ستطرحه الشركة العملاقة".
غير أن شبكة “CNBC” الأميركية، ذكرت أن بورصة نيويورك قد تكون بعيدة بشكل واضح عن إدراج اكتتاب شركة أرامكو، مشيرة إلى أن بعض الأمور السياسية قد تعوق استضافتها الطرح الأكبر في التاريخ.
صفقات رابحة
وحظيت السعودية ببعض الحظ الجيد لعقد الكثير من الصفقات الرابحة في قطاع طاقتها مع دولٍ أجنبية، بما في ذلك مجموعة من الصفقات بقيمة 65 مليار دولار مع الصين، وفقاً لفورين بوليسي.
والآن، تحاول السعودية جذب الاهتمام إلى قطاعاتٍ أخرى غير مُتطوِّرة لكنَّها قد تكون قطاعات واعِدة في الاقتصاد، بما في ذلك التصنيع المحلي والصناعة الدفاعية المُتقدِّمة. (يُعَد الجزء الأكثر أهميةً، وبصورةٍ كبيرة، في التحوُّل الاقتصادي السعودي هو إطلاق صناعة الترفيه، ووجود تغيير في مفاهيم جذرية مثل دور السينما، والحفلات الحيَّة، ومدينةٍ ترفيهية على غِرار لوس أنجلوس، رغم التحفظات من الجهات المحافظة بالمملكة .
وحازت تلك الخطط الاقتصادية ترحيباً كبيراً من تيلرسون الأربعاء 19 أبريل /نيسان 2017. وقال إنَّ السعودية سوف "تجد الكثير من الفرص الاستثمارية الواعِدة في الولايات المتحدة، وإنَّه حينما تستثمر الشركات الأميركية في الاقتصاد السعودي، فإنَّ الجميع يربحون".