الإثنين 6 يوليه 2026 — القاهرة

كيف وصلت «الألغام الفارسية» إلى «مزرعة الموت» فى البحيرة؟ (تحقيق)

كيف وصلت «الألغام الفارسية» إلى «مزرعة الموت» فى البحيرة؟ (تحقيق)
"الدستور" تتبعت رحلة سير الألغام الأيرانية منذ تصنيعها ووصولاً إلي أيادي الإرهابيين في مصر

فى 17 أبريل الجارى، أعلنت وزارة الداخلية مداهمة مزرعتين تابعتين لقيادات جماعة الإخوان وعناصرها من أعضاء الخلايا العنقودية، عن طريق قوات مكافحة الإرهاب، مدعومة بوحدات فنية من قطاعات الوزارة، الأولى فى قرية «الإمام الغزالى» التابعة لمركز «الدلنجات» بمحافظة البحيرة، والثانية على طريق الإسكندرية. 

وكشفت الوزارة، فى بيان رسمى، أن المزرعتين مملوكتان للقياديين الإخوانيين «شكرى نصر محمد البر» و«رجب عبده مغربى»، مسئولى الجماعة فى محافظة كفر الشيخ، مشيرة إلى ضبط كميات كبيرة من الأسلحة والذخيرة والمواد المتفجرة، وألغام أرضية مضادة للأفراد مدون عليها عبارات باللغة الفارسية.

وفى ظل وجود 3 دول تتحدث «الفارسية» كلغة أم، أثارت تلك العبارات المدونة على الألغام تساؤلات عديدة حول علاقتها بأى من هذه الدول الثلاث على وجه التحديد.. «الدستور» تحاول تتبع رحلة وصول تلك الألغام إلى «مزرعة الدلنجات».. من أين جاءت؟، وكيف دخلت مصر؟، ولأى دولة تنتمى؟ ومتى تم بيعها؟، ولصالح من؟.

باحث أمريكى: المتفجرات إيرانية الصنع من إنتاج عام 1989
تشير العبارات باللغة الفارسية المدونة على الألغام المضبوطة فى «مزرعة الدلنجات» إلى أن مصدرها لن يخرج عن 3 دول تتحدث هذه اللغة، هى إيران وطاجيكستان وأفغانستان، والمعروفة بـ«بلاد الفرس».

وفنّد محمد محسن أبو النور، الباحث فى الشأن الإيرانى، مدى إمكانية تورط أى من الدول الثلاث، موضحًا أن «أفغانستان لا تصنع السلاح لأنها دولة فقيرة وذات إمكانيات ضعيفة، فيما تعتمد طاجيكستان على الزراعة فى اقتصادها ذى الطبيعة الجبلية».

وأضاف «أبو النور»: «إيران هى الدولة الوحيدة فى الثلاث دول تصنع الأسلحة وتمتلك العشرات من مصانع ووحدات إنتاج السلاح بكل أنواعه»، مشيرًا إلى أن مسئولين إيرانيين يكشفون أن عائدات بلادهم من الصناعات العسكرية حققت دخلًا يساوى 100 مليون دولار.

وتتبعت «الدستور» الصورة المرفقة مع بيان وزارة الداخلية، وتظهر مجموعة من الألغام الأرضية ضد الأفراد، مدون عليها عبارات باللغة الفارسية، واستفسرت عن طبيعة هذه الألغام من «سيس بيندر»، أحد كبار الباحثين فى معهد «السياسة الدولية» بالولايات المتحدة، المختص بالدراسات الأمنية المتعلقة بالبحث وتتبع ونزع السلاح.

وحلّل «بيندر» الأرقام والعبارات المدونة على الألغام المضبوطة فى «مزرعة الدلنجات» وهى « 74751.jpg..74725.jpg »، وقال: «هذه الأرقام تشير إلى أنها ألغام ضد الأفراد والمركبات من الإنتاج القديم، وذلك قبل أن تتحول إيران فى التدوين على أسلحتها وإنتاجاتها المسلحة من الفارسية إلى اللغة الإنجليزية فى أواخر التسعينيات».

وفيما يتعلق بالرقم المدون على الألغام «74718.jpg»، قال: «ليس المقصود منه أن هذا اللغم إنتاج عام 1968، لكنه يشير إلى العام الفارسى 1368، الذى يتوافق مع عام 1989 ميلادياً»، ما يشير إلى أن الصورة تظهر «لغمًا أرضيًا ضد الأفراد والمركبات إيرانى الصنع وتاريخ إنتاجه قبل نحو 28 عامًا فى 1989».

روايات ترجح خط سير «طهران - الخرطوم- غزة- سيناء».. وخبير: السلاح يخرج من ميناء «بندر عباس»
ثانى الأسئلة التى يثيرها ضبط هذه الألغام ذات اللغة الفارسية هى «كيف وصلت بعد 28 عامًا من إنتاجها إلى مزرعة الدلنجات؟».

رجح «جالين وايت»، الباحث الأمريكى، أن تكون هذه الألغام تم تصديرها من «طهران» إلى أحد البلدان الإفريقية، وهى فى الأغلب السودان، ثم مرت بـ«عمليات بيع ثانوية» بين مختلف تجار السلاح حتى وصلت إلى التنظيمات المسلحة فى قطاع غزة، وانتهت بطريقة أو بأخرى فى سيناء، وصولاً إلى مزرعة البحيرة، مضيفًا: «لا شىء يشير إلى أن تلك الألغام وصلت من إيران إلى مصر مباشرة».

ترتبط تلك الرواية بما حدث فى أكتوبر 2012، حين قصفت 4 طائرات حربية إسرائيلية مصنعًا للسلاح فى مجمع اليرموك بالقرب من منطقة «بور سودان» فى ظروف غامضة حتى تفحم، وحينها احتفظت السودان بعدم الرد، واتضح حينها أن المصنع كان يحتوى على أسلحة إيرانية الصنع وأبرزها صواريخ «شهاب».

وتناقلت وسائل إعلام غربية، نقلًا عن مصادر استخباراتية أن المصنع كان حصل على ترخيص من «طهران» لإنتاج صواريخ إيرانية «أرض-أرض» من نوع «شهاب»، التى كان من المنتظر أن تمثل احتياطيًا إستراتيجيًا للصواريخ الباليستية الإيرانية أثناء الحرب، وذلك وفقًا لمركز «الناطور للدراسات والأبحاث» السودانى.

ومن الوقائع الأخرى التى تدعم ترجيح مرور تلك الألغام عبر خط سير «السودان - غزة – سيناء»، ما أعلنته البحرية الإسرائيلية فى مارس 2014 عن ضبط سفينة إيرانية تحمل علم بنما وتُدعى «كلوس سى» على بُعد حوالى 1500 كيلومتر من سواحل «تل أبيب» فى البحر الأحمر، وكانت فى طريقها إلى قطاع غزة.

وبحسب ما أعلنه الإعلام العبرى وقتها فإن تلك السفينة كانت محملة بقذائف صاروخية من طراز «إم 302»، تم إخفاؤها داخل أكياس للأسمنت، وأبحرت السفينة من إيران إلى العراق ومنه الى ميناء بور سودان السودانى.

وأوضح بيان البحرية الإسرائيلية أن تلك الأسلحة والذخائر كانت فى طريقها لحركة الجهاد الإسلامى وفصائل أخرى فى قطاع غزة، التى تتمتع برعاية وتمويل إيرانى، وكان من المقرر أن يتم إيصال شحنة الأسلحة عبر البر، مرورًا بالأراضى المصرية، بهدف الابتعاد عن أعين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية.

ورجح الشيخ حسن خلف، شيخ مشايخ قبائل سيناء، كبير قبيلة «السواركة» بمنطقة «المقاطعة» فى مدينة «الشيخ زويد»، أن تكون الأسلحة الإيرانية المضبوطة فى «مزرعة الدلنجات» دخلت عبر طريقين لا ثالث لهما، الأول أنها كانت فى طريقها من سيناء لقطاع غزة، فوقعت فى يد الجماعات التكفيرية، مثل «أنصار بيت المقدس»، ورفضوا مرورها ودفنوها فى مخازنهم، أو من السودان مباشرة إلى مصر عبر المدقات الجبلية والصحراوية الوعرة، التى تتحكم فيها قبائل «العبابدة» و«الرواشدة» السودانية، ومنها إلى قلب العاصمة عبر الواحات.

ولم تختلف رؤية محمد محسن أبوالنور، الباحث فى الشأن الإيرانى، عن تلك الروايات، وقال: «طهران لها تواجد كبير فى جنوب السودان بداية من عام 1997، وذلك فى مطلع حُكم الرئيس محمد خاتمى، وفعلت ذلك ليكون لها وجود فى القرن الإفريقى، واستغلال موقعه، وإقامة مدارس شيعية هناك كواجهة لهم».

وأوضح أن السلاح يخرج بشكل غير علنى من ميناء «بندر عباس» فى إيران، ومنه يتم نقله لدول إفريقية، أشهرها جيبوتى والصومال المطلتان على ساحل البحر الأحمر، إذ تمتلك «طهران» ميليشيات على حدود ساحل تلك المناطق، تمكنها من تمرير هذه الأسلحة للسودان، ومنها عبر المدقات السرية إلى سيناء، ثم عبر الأنفاق إلى غزة.

ونوه إلى أنه خلال زيارته منذ عدة سنوات إلى قطاع غزة، رأى بعينه الصواريخ والأسلحة الإيرانية داخل القطاع بشكل علنى، مضيفًا: «إيران تتفاخر بأن المسلحين يضربون الاحتلال الإسرائيلى بصواريخ من صنعها».

أمنيون: صالحة للاستخدام بعد حشوها بالمواد الكيميائية
كشف المقدم محمد نبيل عمر، رئيس وحدة المفرقعات بمديرية أمن الإسماعيلية سابقاً، أنه يمكن استخدام الألغام مُجدداً حتى بعد مرور 27 عامًا من تصنيعها، وذلك من خلال إعادة استخدامها وحشوها بالمواد الكيميائية، مشيرًا إلى أن المواد الكيميائية المُخلقة ليس لها مدة صلاحية، مثل المواد الغذائية التى تفسد بعد مرور فترة زمنية محددة.

وعن القوة التفجيرية لهذه الألغام، يذكر أنه «يتم تحديد مدى قوة تفجير الألغام بحسب نوع المادة الكيميائية المستخدمة بها».

واتفق معه اللواء مصطفى حسين، الخبير الاستراتيجى الذى عمل فى سلاح المشاة بالجيش المصرى سابقًا، إذ أشار إلى أن الألغام تنقسم وفقًا لأغراض استخدامها إلى 5 أنواع رئيسية، منها «المضادة للأفراد» التى تم ضبطها فى مزرعة البحيرة، و«المضادة للدبابات»، و«الألغام الكيميائية»، و«الألغام النووية»، و«الألغام المتحكم فيها».

وأضاف: «الألغام المضادة للأفراد يتم استخدامها فى العمليات الإرهابية عن طريق زرعها فى الممرات، وتنفجر بمجرد عبور أى وزن أو كتلة عليها، وقد تقتل الأشخاص على بعد 100 متر منها».

العقيد عمرو عمار، الخبير الاستراتيجى والعسكرى، قال إن إيران تسيطر على مناطق فى السودان منذ 2008، وذلك من خلال إنشائها مراكز طبية وتعليمية هناك على غرار ما فعلته فى اليمن بالتحالف مع الرئيس المخلوع على عبدالله صالح.

ونوه إلى أن السودان تضم قواعد أسلحة إيرانية ضخمة التى تأتى فى بعض الأحيان عبر ليبيا من «مصراتة»، كما أن «طهران» تعد أكبر ممول لغزة فى بناء الأنفاق السرية هناك، فضلًا عن وجود فرق مسلحة شيعية تابعة لها فى القطاع، على حد قوله.

من جهته، قال يعقوب التسترى، الناشط الأحوازى، أحد مسئولى حركة «النضال العربى لتحرير الأحواز»، إن إيران لها مطامع فى إفساد الدول العربية واستمرار النزاع والاضطرابات، «وهى المسئولة عن الصراعات والانقسامات فى الوطن العربى وفى سوريا والعراق واليمن بسبب دعمها للشيعة بالسلاح والعتاد والذخائر المُهربة، وتعد المصدر الرئيسى والأول للقلاقل فى الوطن العربى» وفق قوله.

وأشار إلى أن الأمن العربى مهدد من إيران، وأكثر الدول المُهددة هى السعودية ومصر، لأنهما الدولتان المؤثرتان فى الشرق الأوسط، ويمثلان العمود الفقرى للوطن العربى.

وأضاف «التسترى»: «إيران تمول داعش بالرغم من اختلاف الأيديولوجية وتمول أى جهة لها دور فى زعزعة الأمن العربى، وهو ما يؤكده أن داعش لم يوجه سلاحه إلى إيران حتى الآن ولو لمرة واحدة»، ورأى أن إيران تمول أيضاً حركة «طالبان»، وذلك فى محاولة منها لخلق أزمة وطرح نفسها كحل لتلك الأزمة.

ويعتقد «التسترى» أن هناك طريقين لوصول الأسلحة الإيرانية إلى الإرهابيين أو الجماعات المتناحرة فى الدول العربية، إما عن طريق الصفقات السرية عبر مهربى السلاح، أو ميليشيات تشترى تلك الأسلحة الإيرانية بطريقة مباشرة.

سفارة طهران ترد 
حاولت «الدستور» التواصل مع السفارة الإيرانية فى مصر، فرفضت الرد وأعلنت الاكتفاء بالبيان الذى نشرته الأسبوع الماضى ردًا على الاتهامات الموجهة لها، وجاء نصه: «انتقد مكتب رعاية المصالح الإيرانية فى القاهرة، ما تداولته وسائل إعلام عربية عن دعم إيران للإرهابيين فى سيناء»، مضيفة: «المزاعم سخيفة وكاذبة».

وشدد مكتب رعاية المصالح الإيرانية، فى البيان، على أن مواقف «طهران» الراسخة والثابتة حيال المجموعات الإرهابية الصهيونية، بما فيها «داعش»، وفروع هذا التنظيم الإرهابى فى مختلف البلدان العربية، مثل سوريا والعراق ومصر «ثابتة لا تتغير».

وأضاف البيان أن «إيران لا تفرط ولا تألو جهدًا فى سبيل مكافحة الإرهاب والمجموعات التكفيرية، وحث العالم للتعامل مع الإجراءات اللا إنسانية التى يقوم بها الإرهاب».

الألغام التى عثر عليها بمزرعة الدلنجات مدون عليها عبارات باللغة الفارسية
كيف وصلت «الألغام الفارسية» إلى «مزرعة الموت» فى البحيرة؟ (تحقيق)
كيف وصلت «الألغام الفارسية» إلى «مزرعة الموت» فى البحيرة؟ (تحقيق)
مصدر الخبر
مصراوي

أخبار متعلقة