السبت 4 يوليه 2026 — القاهرة

معارك الاستنزاف بين المطلقين

معارك الاستنزاف بين المطلقين
ما أن يطوي المأذون دفتره، منهيا العلاقة الزوجية بالطلاق، ويظن كل طرف أنه أنهي معارك طالما اتعست حياته، حتي يجدا أنهما دخلا معارك أكثر ضراوة، كل الأسلحة فيها مشروعة، ولا يوجد من يتدخل لمنع تجدد الاشتباكات، فمن حول الزوجين انقسم كل في جهة، وأصبح شريكا في المعارك، سواء بالتحريض أو المساعدة في التنكيل بالطرف الآخر، وكل منهما يدعي أنه خسر الكثير في هذا الزواج التعس، سواء من سنوات عمره أو من أمواله أو استثمار وقته فيما هو أجدي، ويعدد كل منهما حسابات الخسائر الطويلة، فالمرأة تركت زوجها أو فقدت ترقياتها وصعودها الوظيفي، والرجل أنفق الكثير من المال وأنهكه الزواج وكان لديه الكثير من الفرص الأفضل ... 

يدخل المطلقان في معارك استنزاف لا تنتهي، وكل منهما له هدف واحد، وهو ألا يهنأ الآخر بحياة أفضل من دونه، ويجعله يندم علي قرار الطلاق، ويشحذ كل إمكاناته ومهاراته ووقته في التخطيط والتنكيد علي الطرف الآخر. 

تدور معارك المطلقين علي عدة محاور، الأول هو القضاء، وينظر في النفقة ومؤخر الصداق وعفش منزل الزوجية، وحتي لو كان الطرفان قد عقدا اتفاقا حول هذه المسائل، فإن أجواء المعارك تعيدها إلي ساحة القضاء من جديد، وأحدهما علي الأقل يكون مستعدا للإنفاق علي القضايا أكثر من قيمة المستحقات محل الخلاف، لأن الهدف يكون تنغيص حياة الآخر، وجره من ساحة محكمة إلي أخري، هنا قضية تبديد، وهناك قضية نفقة ومؤخر، وطعن هنا واستئناف هناك. 

أما المحور الثاني فهو الإضرار بسمعة الآخر، وقد تبدأ المعارك من هذا النوع علي استحياء، وفي حدود الأصدقاء والأهل، لكنها تمتد تدريجيا إلي باقي المعارف، وقد تصل إلي محل العمل والجيران، حتي إن بعضها يصل إلي صفحات التواصل الاجتماعي، وأدهشني أن مطلقة كتبت ما يسيء إلي زوجها، ووجدت تعليقات كثيرة تعلن التأييد والتعاطف، أو علي الأقل تحاول التخفيف عنها، ولم أقرأ من ينصحها بعدم تناول العلاقة الزوجية السابقة علي الملأ، ويفلت الزمام أحيانا ليصل التشهير إلي إفشاء أسرار زوجية، أو إلصاق تهم وصفات غير موجودة، ونسج قصص ملفقة تسعي إلي التشويه وهدر كرامة الآخر، والنيل من سمعته وشرفه، حتي إن بعض المطلقين نشروا مقاطع من غرف نومهم. 

المحور الثالث يدور حول منع الطرف الثاني من الزواج، ومطاردته بالشائعات لدي الطرف الذي ينوي الزواج به، وفي حالة الفشل يتم إدخال الطرف الجديد في المعركة ليناله بعض الضربات والشظايا، ويتحول أحيانا إلي العدو الرئيسي، لأنه شريك عدوه، ولم يتأثر بالمعركة، وتعبير عن خسارة محور أساسي منها، لأنها شهادة غيابية للآخر بأنه جدير بالزواج، وقادر علي إقامة حياة هادئة، وهو ما يحمل الطرف الآخر «ضمنيا» السبب في الفشل والطلاق، وإدانة له، لا يمكن أن يغفرها. 

أخطر معارك الطلاق تدور حول الأطفال، فعادة ما يتم استخدام الأطفال كأداة مؤثرة في المعارك، ويتحول الأطفال إلي ساحة نزال، بل يتم استخدامهم كأسلحة أو منصات تصويب في معارك فاقدي الصواب. 

يجد الصغار أنفسهم بين حجري رحي وليس أحضان أبوين، ويسمعان السباب والإهانات للطرف الغائب الذي يجري تشويهه، ويضطر إلي كراهيته تحت وطأة الضغوط المباشرة أو سماع الحكايات البشعة، والروايات المجتزأة أو الملفقة، حتي تنمو الكراهية لأحد الأبوين، ليشعر الطفل بأنه يعيش حياة مليئة بالأحقاد والضغائن وانعدام الثقة. 

للأسف ليس لدينا ثقافة طلاق، ولدينا ميراث طويل عن سبل إشعال وإذكاء حروب استنزاف المطلقين، بينما الطلاق في الكثير من المجتمعات أقل كلفة، وأكثر احتراما، ويكون فرصة لتأمل الأخطاء، إما لترميم الحياة الزوجية وتجديدها، أو اختيار شريك آخر فيه الصفات التي كان يتمناها، ويكون نصب عينيه أن يبدأ حياة ناجحة، تعوضه عن الفشل، وليس الثأر من شريكه السابق. 

قبل ثقافة الطلاق لدينا مشكلة ضخمة تؤدي إلي زيادة معدل الطلاق وهي طريقة الزواج، التي لا تنم علي معرفة كافية بالطرف الآخر، ويتم فيه إخفاء الكثير، ولا يظهر منها إلا القليل، وسرعان ما يتكشف الوجه الحقيقي للطرفين بعد الزواج، لتبدأ مشكلة بل مشكلات، وتحت عنوان القسمة والنصيب تصمد بعض هذه العلاقات دون سعادة، وتستمر لمجرد إخفاء الفشل، أو صعوبة هدم الأسرة، وإقامة حياة جديدة، وهو ما يمكن أن نسميه النجاح القسري للكثير من العلاقات الزوجية، التي تستمر بالإكراه النفسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي. 

إننا بحاجة إلي منظومة جديدة للزواج والطلاق تبدأ بثقافة جديدة، وإطلاع المقبلين علي الزواج والخريجين ببعض الجوانب المتعلقة بكيفية اختيار الشريك، وضرورة الاطلاع الكامل علي طبع كل منهما وعيوبه، وأي أمراض أو عادات قد لا تكون مستحبة، وكذلك تعريفهما بالمسئوليات الملقاة علي كل منهما، وكيفية حماية العلاقة الزوجية. 

كما نحتاج إلي منظومة قضائية مختلفة، يمكنها أن توفر مرشدا نفسيا واجتماعيا، ومحاولة رأب الصدع في الزواج، وألا يقع الطلاق إلا بمروره بعدة مراحل، وأن يتم حل مشكلات النفقة والمؤخر والأثاث والحضانة وغيرها، والاتفاق علي كل التفاصيل قبل الطلاق، وأن تتولي جهة حكومية متابعة الصحة النفسية لأطفال المطلقين، والتأكد من إبعادهم عن أي مشكلات. 

لمزيد من مقالات مصطفى السعيد
مصدر الخبر
الأهرام

أخبار متعلقة