لا تتوانى الحكومة كلما سنحت لها الفرصة في التأكيد على أن برنامجها الاقتصادي يستهدف كبح جماح التضخم، لإصلاح الأوضاع المتردية بما ينعكس إيجابيًا على المواطن في نهاية المطاف.
وعلى عكس ما تحاول الحكومة تأكيده، ذكر البنك الدولي، أن ارتفاع معدل التضخم ساهم في تدهور الأحوال الاجتماعية، خاصة مع استمرار ارتفاع معدل البطالة الذي بلغ 12.6% في 2016.
البنك الدولي، قال في تقرير له بعنوان «مصر.. الآفاق الاقتصادية»، إن إصلاحات الحكومة أدت لتفاقم الضغوط الاجتماعية في الأمد القصير، وأوضح أن تخفيف أثر الصدمات السلبية الأخيرة يتوقف على تطبيق آلية توجيه فعالة.
وفي الوقت نفسه أشار البنك الدولي، إلى أن برنامج الإصلاح الذي تم اعتماده مؤخرًا بذل جهوداً لتحسين شبكة الأمان الاجتماعي، من خلال إعادة تخصيص موارد تم توفيرها من خفض فاتورة الدعم، وتوسيع برامج الدعم نقدي، ومعاشات التقاعد.
ورغم الآثار الاجتماعية السلبية للإصلاح الاقتصادي حتى الآن، إلا أن هناك اتجاهًا من وزارة المالية لإلغاء الدعم على إسكان محدود الدخل وبرنامج تكافل وكرامة فضلًا عن الدعم على بنود محاصيل القمح وقصب السكر.
ويُظهر مشروع موازنة 2017-2018 أنه تم إلغاء دعم محصول القمح، مقارنة بتقديم دعم قيمته 3.4 مليار جنيه خلال العام الماضي، وألغت المالية أيضًا دعم محصول قصب السكر بعد أن قدمت دعمًا بقيمة مليار جنيه بالعام الجاري، ونحو 900 مليون جنيه بالعام السابق.
وبحسب بيانات مشروع الموازنة تم إلغاء دعم إسكان محدود الدخل، مقارنة بدعم متوقع يبلغ 1.5 مليار جنيه بالعام الجاري، وملياري جنيه بالعام 2015-2016، وإلغاء دعم برنامج تكافل وكرامة في موازنة العام الجديد، مقارنة بنحو 4.1 مليار جنيه بالعام الجاري.
الدكتور يسري طاحون، أستاذ الاقتصاد بجامعة طنطا، قال إن شبکه الضمان والأمان الاجتماعي لا تُبني بعد القيام بالإصلاح الاقتصادي وإنما قبله، مؤكدًا أن هذا لا بين ليلة وضحاها.
وأوضح في تصريحات خاصة لـ«مصر العربية»، أن عملية رفع الدعم تقلل من الأمان الاجتماعي، وأن التضخم الناتج عن تحرير العملة يلتهم أي زيادة في الدخول أو المعاشات أو حتى في الفوائد.
وأشار طاحون إلى أنّ النقود فقدت نحو 50% من قيمتها في الفترة الأخيرة، الأمر الذي يثقل كاهل المواطن، فضلًا عن أن تلمحيات حول رفع الأسعار الخاصة بالکهرباء والمياه والمواصلات، خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وأكد أستاذ الاقتصاد أن تحقيق الضمان الاجتماعي للمواطن في ظل الإصلاحات الاقتصادية الراهنة، يحتاج إلى حلول جبارة وخارج الفكر التقليدي، ولابد من ضخ اعتمادات هائلة بتفکير خارج الصندوق، لتعويض انهيار الدخول الحقيقية وليس من خلال الاعتماد على المسکنات.
وفي نوفمبر الماضي، وافق صندوق النقد الدولي على منح مصر قرضًا بقيمة 12 مليار دولار بعدما التزمت الحكومة بخطة إصلاحات، بما في ذلك تحرير سعر الصرف (تعويم الجنيه).
وكانت وثائق قرض صندوق النقد الدولي التي تمّ الكشف عنها في يناير الماضي خلت من أية إشارة إلى معدلات الفقر المستهدفة في مصر خلال العام المالي الحالي 2016/2017.
ولفتت الوثائق إلى أن برنامج الإصلاح الاقتصادي لمصر يركز على تقليص عجز الموازنة، ووضع الدين العام على مسار هبوطي واضح في الأجل المتوسط، بما يسمح بخلق مساحة أكبر للإنفاق على البنية التحتية، وتخفيف وطأة الفقر، وتحسين قطاعات الصحة والتعليم والإنفاق الاجتماعي.
الدكتور أحمد خزيم، الخبير الاقتصادي، رأى أن الإصلاحات الاقتصادية بالطريقة العشوائية والبطء في إصدار التشريعات المهيئة للمناخ الإنتاج والاستثماري أدخل الاقتصاد المصري في الدائرة الجهنمية.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ«مصر العربية»، أنّه ترتب عليه ارتفاع التضخم والركود التضخمي الذي يؤدي إلى زيادة عجز الموازنة وارتفاع للديون العامة وهو ما سيؤدي إلى زيادة نسبة الفقر، واختفاء الطبقة الوسطى تدريجيا واحتقانها.
وأكد «خزيم» أن كل هذا من شأنه أن يؤدي إلى انتشار الكثير من التأثيرات الاجتماعية من زيادة السرقة ومعدلات الجريمة والإدمان والعنوسة وارتفاع نسب الطلاق.
وتابع: فيما يخص تقديرات البنك الدولي فهي مؤشرات نظرية بناء على تقارير ترفعها الحكومة المصرية والمجموعة الاقتصادية لا تتم في الواقع، كما حدث في تقديراته عن سعر الجنيه الذي قدر توازنه عند 14 جنيه بعد التعويم وهو ما لم يحدث ولن يحدث.
وبالنظر إلى أرقام خط الفقر الرسمية نجد أنها اختلفت اختلافًا جذريًا في الوقت الحالي بعد تخطي سعر الدولار الـ 18 جنيها، ما يعني أن الفرد يحتاج إلى 1026 جنيها، لكي ينجو من الفقر، وهو الأمر الذي يثير التساؤل عن نسبة المواطنين الذين دخلوا تحت خط الفقر بعد التعويم.
وبحسب آخر تقرير صدر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد ارتفعت نسبة الفقراء إلى 27.8% خلال عام 2015 مقابل 25.2% عام 2010- 2011، وذلك وفقًا لبحث الدخل والإنفاق، ومن المتوقع أن تكون هذه النسبة قد ارتفعت بشكل ملحوظ خلال هذا العام، بحسب الخبراء.
ووصف رائد سلامة، الخبير الاقتصادي، برنامج الإصلاح الاقتصادي ببرنامج الخراب، لأنه لو كان إصلاحًا فعلاً لشعر المواطن العادي في الشارع به، ولكن التعويم وتحرير الأسعار والخصخصة ورفع الدعم وفرض الضرائب علي الفقراء لا يحمل الخير.
وأضاف سلامة، في تصريحات خاصة لـ«مصر العربية»، أن برنامج تكافل وكرامة هو استمرار لنهج الحكومة في عدم التدخل والانسحاب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتخلي عن دور الدولة، وأن اسم البرنامج في حد ذاته يرسخ لمفاهيم الاحسان والبر وهي مفاهيم لا بأس بها ولكن لا يجب أن تقوم بها الدولة فالمواطنون لهم حقوق من واجب الدولة توفيرها لهم لا مجرد عطايا تمنحهم إياها.
وأضاف سلامة، أن اتجاه الحكومة لإلغاء الدعم العيني وتوزيع دعم نقدي سيؤدي إلى زيادة معدلات التضخم ومزيد من تدهور الأحوال المعيشية للفقراء، لأن تلك الزيادات النقدية لن تتماشي مع ارتفاعات أسعار السلع والمنتجات خاصة واننا مازلنا نستورد كل شئ من الخارج.
وتابع: وبالتالي فسيظل هناك احتياج للدولار وهو ما سيؤدي الي مزيد من الارتفاع في سعره مقابل الجنيه الذي رفع محافظ المركزي كل حماية عنه كما قال بلسانه يوم الخميس الأسود حين أعلن التعويم الكامل.
وقال الخبير الاقتصادي: من يريد أن يعرف الوضع الاقتصادي في مصر فليمشي في الأسواق ويتعرف علي ردود افعال الناس علي الأسعار، فالاقتصاد ليس مجرد عمليات حسابية ولكن انحيازات لقوى اجتماعية وأظن أنه قد أصبح واضحًا الآن أن حكومة مصر ليست منحازة لفقرائها.