هنا.. أبدان سكنت فلا ضجيج، وأنفاس غيبتها فراق الأرواح، وعيون جفت بها الأضواء، و «عم عطية» و «عم محمد» فقط.
بين الأجساد المستلقية تحت الأغطية البيضاء، يتجول الرجلان في صمت رهيب، احتراما لقدسية الموت وحرمة الموتى، ولنفس السبب آثر الرجلان اللذان يعملان بمشرحة المستشفى العام ببني سويف، إجراء المقابلة مع محرر "صدى البلد" على أبواب المشرحة، دون الإنصراف الى ماهو أبعد من ذلك.
وقبيل التصريح بكلمات، تفاجأ "عطية أيوب، ومحمد عبد الحليم" عاملا المشرحة بوصول جثمان شاب يعمل عمل في جمع الخردة ولقي مصرعه صعقا بالكهرباء.
"خلاص قلبي مات زي الجثث ومبقيتش أخاف".. بهذه الكلمات بدأ عم عطية عريان أيوب 47 عاما حديثه، قائلا "بقالي 22 عاما ,عامل بالمشرحة، وقال إنه كان خائفا منذ تعيينه عام 1995 بالمشرحة، ولكن وبعد مرور عام على عمله بدأ يتعود على مناظر الجثث والموتى قائلا "مرة في مرة قلبي مات .. وكنت أرى حوادث قطارات وحرائق وتفحم جثث بني آدمين".
وتابع "كنت بقضي اليوم هنا، وبصراحة في الأول كان شعر جسمي يقشعر لوحده، وأوقات أسمع حاجات وأتهز، لكن كنت بجمد قلبي وأقول هما لما يلاقوني جامد مش هيخوفوني، وبعد كام عام اتعودت على الموتى، وبقيت كأني في بيتي.. ولا فيه خوف ولا أي حاجة تقلقني".
ويقول أكثر منظر للجثث، كان يوم حادث حريق قصر الثقافة حيث كانت توجد أكثر من 50 جثة مابين متفحمة ومجهولة.
تذبل ملامح عم عطية فجأة، ويبدو على وجهه أثر الجزع: "المناظر دي بتأثر على نفسيتي .. أنا في الأول والآخر إنسان".
الرجل صرح بأنه متزوج ومعه 4 أبناء والجميع في المنزل يقدرون ظروف عمله ويتجنبوه في حالة الضيق مقدرين ما يتعرض له من ظروف بحكم عمله.
وإلى ما هو أصعب من رائحة الجثث ومرافقة الموتى، يضطر الرجل الى حضور التشريح الخاص بالجثث من قبل النيابة، ويجمل الأشلاء التي تتناثر جراء الحوادث وغيرها.
ورغم ما يعانيه الرجل من مهام عمله قال " لو عاد بي الزمن سأعمل في نفس المهنة".
قصة عم محمد كانت الأغرب على الإطلاق، حيث يخفي طبيعة عمله عن أبنائه الخمسة، ويحلم بحالات الجثث التي تأتي للمشرحة قبيل ورودها.
"أول حالة دخلت المشرحة كانت لحادث أودى بحياة 7 حالات.. ودخلنا من المغرب حتى آذان الفجر، رأيت أشكالا وألوانا من الموت والجثث، لكن عمري ما أقدر أنسى جثث الأطفال الذين يأتون لحمة حمرا مثل الفراخ، وهم أكثر الفئات التي يصعب علي العمل خلالها وممكن دموعي تنزل عند رؤيتهم".
ويقول عم محمد معظم الحالات بحلم بيها قبل ماتيجي مقسما بأن معظم الحالات يراها في الحلم قبل حدوثها تحدث , ويفاجأ بها قادمة للمشرحة علي أرض الواقع .
وعن التعامل مع أهالي الموتى، يقول "نحاول نهدئ أهالي المتوفي قدر الإمكان خشية فضح المتوفي، وبعض الأهالي يخرج من المشرحة يعلن أسرار المتوفي وهذا لا يجوز شرعا فالمطلوب ستر الميت أيا كان".
ويقول عم محمد: "افصل بين عملي وبين المنزل حتى لا يتأثرون بقصص الموتى وأقضي يومي طبيعي في المنزل حتى لا يشعرون بأي مشكلة في العمل".
وتابع: أول قبض ليا أنا فاكره تمام.. كان 115 جنيهًا، وكنت طاير بيهم علشان كان بقالي مدة من غير شغل، ولولا واحد معرفة الله يباركله هو اللي جابني هنا لما عرف إنهم محتاجين حد في المشرحة"؛ يوضح الرجل الخمسيني: "كنت محتاج أي شغلانة أكل منها عيش وقبلت الوظيفة من غير شروط ومخوفتش".
ويضيف: "كنت بقضي اليوم هنا، وبصراحة في الأول كان شعر جسمي بيقف لوحده، وأوقات أسمع حاجات وأتهز، لكن كنت بجمد قلبي وأقول هما لما يلاقوني جامد مش هيخوفوني، وبعد كام يوم اتعودنا على بعض وبقيت كأني في بيتي.. ولا فيه خوف ولا أي حاجة تقلقني".
وعن أغرب المواقف، قال "بعد يومين ليا هنا دخلت علينا أول جثة للمشرحة.. بصراحة اتفاجئت لما لقيت إن الميت معرفة قديمة، كان مُدرس من عندنا من البلد، وكان مات من حوالي شهر، لكن حد من أهله شك في إنه مات مقتول، وخلى النيابة تستخرج جثته ويشرحوه من جديد علشان يحققوا في كلامه".
يتنهد قبل أن يتابع: "وقتها الطبيب الشرعي جه وفتح مكان الخبطة اللي كانت موجودة في الجثة وقفل في ساعتها وصرح بالدفن تاني، ومشي على طول".
وفجأة تصلبت عين عم محمد قبل أن يتابع: "على قد ما قعدت هنا وشوفت أشكال وألوان من الموت والجثث لكن بصراحة عمري ما أقدر أنسى جثة الطفل الرضيع اللي أمه اتنزع من قلبها الرحمة ورمته وسط الزراعات للكلاب تنهش فيه.. وقتها جابوا لنا اللفة اللي كان فيها الطفل وفيها حتة لحمة هي اللي بقيت منه".
وعن أوقات الذروة في المشرحة، يوضح: "أوقات الحوادث بيبقى الجو هنا مُلك ولا المولد من الخلق الموجودين، كله بيبقى مستني اللي له، وأوقات بنستقبل 15 جثة وساعات 20 لما بتكون الحادثة كبيرة، لكن بصراحة كلهم بيخلصوا في وقتهم علشان أهاليهم بيبقوا خدوا خبر ومستعجلين على دفن اللي ليهم.. إنما الوضع بيبقى مختلف في الجثث المجهولة".
ويستطرد: "الجثة مجهولة الهوية بتفضل في المشرحة من يوم لأسبوعين تحت تصرف النيابة، وبعدها لو معرفوش يستدلوا على أهل الميت بيتدفن في مقابر الصدقة، وتبقى "ليلة سودة" لو حاجة تخص المتوفي ضاعت، سواء هدوم أو متعلقات.. بيبقى فيها سين وجيم وبلاوي ربنا يبعدنا عنها".
ويتابع "زمان كان الحال غير الحال، كان الطبيب الشرعي بييجي يشرح الجثة ويكتب تقريره عن كل حالة، إنما الوضع اتغير وبقينا مجرد ثلاجة واستراحة للجثث"؛ يواصل: "دلوقتي مفتش الصحة بييجي وقت ما الجثة توصل هنا، يعاين ويصرح بالدفن على طول علشان مفيش حاجة تفضل في المشرحة.. وكله ببلاش، الكفن والغسيل، ولما بيكون العدد كبير كل ميت أهله أولى به، يغسلوه ويكفنوه وكله بيخلص في وقته".
ويستطرد: "بصراحة عندنا كل حاجة زي ما بتدخل زي ما بتخرج.. من وقت ما اشتغلت ولا في حاجة بتضيع ولا بتتباع زي ما بنسمع في الصحافة.. الجثث دي أمانة وهنتحاسب عليها أمام الله.. لو كل واحد يعرف آخرته مش هتشوف حد يتمعظم فيها.. لا القاتل ولا المقتول عارف إن اللي هيحصل هيحصل.. كل واحد بيجري على أجله واللي مكتوب له وفي الآخر التراب بيداري والجثث بتتساوى جنب بعضها".
ينهي العامل حديثه: "أصعب جثث بتيجي لنا اللي راحت حياتهم في حادثة، وجرائم القتل بتكون أهون في بشاعتها.. تسرح عيون الرجل تجاه الفراغ.. والله بنشوف أهوال في الجثث اللي بتيجي لنا يوماتي.. أشلاء وعظم وحاجات كتير، لكن ربنا أمر بالستر، وربنا يخرجنا منها على خير".





