الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

مقدمة فى تجديد نظام الشرعية السياسية

مقدمة فى تجديد نظام الشرعية السياسية
أحد أكبر المشكلات والمعضلات السياسية للنخب الحاكمة والأنظمة التسلطية تاريخيًا تتمثل فى الشرعية السياسية وشُح مصادرها، لأن غالبها اعتمد فى الوصول إلى الحكم على الاستفتاءات العامة، والانتخابات الرئاسية والبرلمانية التى شابها تزوير الإرادة العامة للأمة وللجماعة الناخبة .

وتحاول إسناد شرعية وصولها إلى قمة النظام على بعض المصادر، منها الكاريزما القيادية على مثال ناصر، أو الانقلابات العسكرية ذات التوجهات الاجتماعية الإصلاحية التى يطلق عليها الثورة الاجتماعية فى لغة جهاز الدولة الأيديولوجى ـ الإعلامى والدينى الرسمي- من خلال قوانين الإصلاح الزراعي، والتأميمات للشركات الصناعية والتجارية، والمصارف ثم اللجوء إلى سياسات التأمين والضمانات الاجتماعية فى الصحة، والتعليم، وأنظمة المعاشات ... إلخ. من ناحية أخرى اتخاذ سياسة عدم الانحياز، والاستقلال الوطنى فى ظل العالم ثنائى القطبية والحرب الباردة بين الإمبراطورية الماركسية السوفيتية، والكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة، بالإضافة إلى إيلاء عناية خاصة للثقافة الوطنية واستخدامها كإحدى استراتيجيات التعبئة الاجتماعية والسياسية، وراء النظام التسلطى وزعامته السياسية ونخبته الحاكمة. تم اتخاذ إصلاحات اجتماعية واقتصادية، وحقوق للفئات والشرائح الاجتماعية الشعبية العمال والفلاحين ـ والفئات الوسطى الوسطى-، والصغيرة، التى تشكل الأساس الاجتماعى للنظام التسلطى ونخبته، ناهيك عن التوظيف السياسى للدين كأحد مصادر الشرعية السياسية. شكلت هذه المصادر المتعددة والمتزاوجة الشرعية السياسية فى دول ونظم ما بعد الاستقلال، سواء فى ظل الدولة / الأمة كما فى المثالين المصرى والمغربى إلى حد ما، أو الدولة الهشة والانقسامية طائفيًا وقوميًا ولغويًا وعرقيًا وقبائليًا وعشائريًا، والتى لا تزال فى طور التشكيل، ولم تؤد إلى بناء تجانسات اجتماعية أو أبنية للتكامل والاندماج الوطنى على نحو ما ظهر فى عديد الأزمات والانفجارات الكبرى، وانكشافها الكبير فى أعتاب الانتفاضات الجماهيرية الثورية الكبرى الفاشلة فى مصر وتونس وسوريا واليمن وليبيا وأدت إلى انهيارات لدولة ما بعد الاستقلال ونظمها الشمولية والتسلطية معًا. 

أحد أبرز أعطاب أنظمة الشرعية التسلطية، هو هيمنة الثقافة السياسية التعبوية والإكراهية المؤسسة على الإكراه والإجماع القسري، والإذعان، وطاعة ولاة الأمر، أنها ثقافة الغلبة الأقرب إلى ولاية المتغلب فى الفقه السنى فى عديد الدول الإسلامية. 

من ناحية ثانية: شاعت معضلة الشرعية فى استمرارية القمع ومصادرة الحريات العامة، وتأميم المجال العام السياسي، والمعتقلات والسجون، وغياب حريات الفكر والرأى والتعبير والتدين والاعتقاد .... إلخ. من ناحية ثالثة: اعتمدت الأنظمة والنخب التسلطية على العنف الرمزى والأيديولوجى والدينى الرسمى فى سعيها إلى ضبط المجتمع وتفاعلاته، وعلى إشاعة الخوف لضمان السيطرة وفق هوبز. من ناحية رابعة: استمرت التسلطية ونخبها فى بناء تحالفاتها مع إحدى القوتين الأعظم آنذاك واستمرار الدعم والتأييد السياسى لها. مع انهيار نظام القطبية الثنائية والتوازن الدولي، وانهيار الكتلة السوفيتية، والتحول إلى اقتصاديات الإصلاح الاقتصادى والخصخصة، والسوق المفتوحة على مصراعيها أمام الفساد السلطوي، وفى الدولة والإدارة، ورجال الأعمال انهارت نظم الشرعية السابقة، لأن النخب الحاكمة أرادت أنه تستمر التسلطية السياسية والدينية، مع انهيار سياسات الدعم، والضمانات الاجتماعية، والاستقلال الوطنى إلى الانصياع لأمريكا، وتركت مساحة تحرك للقوى الدينية السياسية ـ الإخوان والسلفيين- بالتمدد الديني، وبناء حواضن اجتماعية، وتوليد مصادر تأييد لها شريطة القبول بشروط النخبة التسلطية وأجهزتها الأمنية، مع استمرارية الجمود السياسى والإقصاءات الجيلية للشباب فى ظل تسلطية وسيطرة عواجيز السلطة الحاكمة على نحو ما تم فى مصر. أدى الحراك السياسى الجيلى وتراكماته، إلى انتفاضات جماهيرية واسعة فى 25 يناير 2011، وسيولة وبعض من الفوضى والفجوات الأمنية، وفشل تاريخى مريع للإسلام السياسى المصري- الإخوان والسلفيين والجماعات- فى السلطة، لغياب الرؤى التاريخية. لم تستطع هذه القوى، مع السلطة الفعلية بناء نظام جديد للشرعية السياسية يتأسس على الإرادة العامة والحرة للأمة، ووظفت الدعاية الأيديولوجية الإسلامية الوضعية فى الهيمنة الرمزية وتشويه الوعى الدينى والسياسى والاجتماعى لقطاعات معسورة، وبعض أبناء الشرائح الوسطى، فى الأرياف المهمشة فى الصعيد، ومدن الدلتا، والمدن المريفة. من هنا لم تكن صناديق الاقتراع سوى محضُ آلية شكلية لبناء شرعية لا تستند إلى القيم والثقافة والتقاليد والآليات الديمقراطية. من ثم ظل نظام الشرعية مهتزًا، وإقصائيًا لقوى سياسية واجتماعية والأقباط ويحوطه عديد الشكوك، خاصة فى ظل وثائق دستورية تم هندستها لتحويل الدولة والسلطة إلى الانصياع إلى مرجعية دينية وضعية استبعادية، وتناهض القيم السياسية والاجتماعية الحداثية. عقب عملية خلع رئيس الجمهورية الإخوانى الأسبق، كان الخوف الجماعى من الفوضى والفجوات الأمنية والعنف الاجتماعى والسياسى الديني، هو من أعطى شعبية واسعة لعملية التغيير السياسي، والعبور إلى المرحلة الانتقالية الثالثة، والانتخابات الرئاسية والبرلمانية. من ثم شاع الخوف والحاجة الموضوعية للاستقرار الأمنى والسياسي، وتعافى الاقتصاد له الأولوية، ومن ثم لم يتم التنبه إلى مسألة نظام الشرعية السياسية الأكثر تعقيدًا من صناديق الاقتراع، فى ظل سعى بعض أجهزة الدولة إلى إعادة التسلطية السياسية، وتوتر وصراع السلطات الثلاث كما ظهر مؤخرًا فى تعديلات قانون السلطة القضائية، وردود الأفعال الغاضبة من الجماعات القضائية إزاء مجلس النواب، والحكومة من المساس ببعض معايير استقلال القضاء والقضاة. بعض الصراعات بين أجهزة الدولة، تشير إلى مخاطر عديدة فى أدائها لوظائفها وكفاءة أعمالها. من ناحية أخرى تتفاقم مسألة الشرعية فى ظل منذ تأسيس الجمهورية المصرية. من هنا يبدو من الأهمية بمكان الحاجة لإعادة الحيوية السياسية والجيلية إلى المجال العام السياسى وتحريره من قيوده فى ظل رؤية سياسية للإصلاح السياسى وتجديد النخبة السياسية ونظام التجنيد والانتخاب، والمزاوجة بين ذلك، وبين مواجهة ضارية لأشكال الفساد المنتشر والوحشى أيًا كان الثمن الاجتماعى للحرب عليه. من هنا تبدأ الخطوة الأولى فى بناء الشرعية السياسية الجديدة فى عالم متغير وسائل وضاغط ومتحول. 

مصدر الخبر
الأهرام

أخبار متعلقة