الخميس 2 يوليه 2026 — القاهرة

“الجوانب الغامضة” في دماغ الرئيس

“الجوانب الغامضة” في دماغ الرئيس

حينما أقسم الرئيس ثلاث مرات متتالية بأنه “لن يزور الانتخابات الرئاسية المقبلة، ولن يبقى في منصبه ثانية واحدة رغما عن إرادة المصريين”، ردا على سؤال طرحه أحد المشاركين المجهولين في مؤتمر الشباب بالإسماعيلية حول ما الذي سيفعله لو خسر الانتخابات المقبلة، فإن الرئيس قدم لنا نصف إجابة فقط، وليست إجابة كاملة عن هذا السؤال الذي بدا مفاجئا لجميع الحاضرين وأولهم السيسي نفسه!

لا أحد يملك أن يشكك في نية الرئيس في بره لقسمه، ولا في صدقه في تركه منصبه فورا إذا خسر الانتخابات، لكن القضية أكبر وأخطر من أن نتركها للرئيس ونياته الطيبة، فالمناخ العام الذي يحيط بالانتخابات المقبلة يثير قلقا بل إحباط ملايين الناخبين في إجراء انتخابات حرة، للعديد من الأسباب، وهي:

** تآكل مساحات الحريات العامة خلال سنوات حكم الرئيس، والسعي المتواصل لتضييق المجال العام، ومصادرة حق التظاهر بالقانون، والنكوص عن حرية التعبير التي وصلت خلال الثلاث سنوات التي تلت ثورة 25 يناير لسقفها الأعلى ربما منذ يوليو 52.

** سعي السلطة التنفيذية للهيمنة على السلطات والمؤسسات الأخرى بممارسات وقوانين غير ديمقراطية، يقرها مجلس النواب بلا مناقشة حقيقية، كان آخرها قانون الهيئات القضائية الذي أثار غضبا عارما داخل صفوف القضاة.

** الانتهاكات المستمرة للدستور وعلى رأسها التوسع في مفهوم “السيادة” رغم أن المادة
“4” منه تؤكد أن السيادة للشعب وحده، وأنه مصدر السلطات، في نفس الوقت الذي تؤكد فيه المادة “5” على أن نظامنا السياسي يستند إلى التعددية السياسية والحزبية والتداول السلمي للسلطة والتوازن بين السلطات، في حين يطالبنا الخطاب الحكومي بأن نقف صفا واحدا خلف الرئيس في انتهاك فاضح لنص المادة، أما المادة 27 التي تؤكد على أن هدف نظامنا الاقتصادي تحقيق الرخاء والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، فقد جاءت قرارات حكومة الرئيس المؤلمة لتضرب بهذه النصوص الدستورية عرض الحائط، بعد الارتفاع الفلكي في الأسعار وانفلات السوق وزيادة معدلات التضخم والبطالة والفقر بنسب جنونية، أما المواد من “146” حتى “150” والتي تنص فيما تنص على اشتراك رئيس الجمهورية مع رئيس الوزراء في وضع السياسة العامة للدولة ويشرفان معا على تنفيذها، فإن المهندس شريف إسماعيل يؤدي عمله في الظل، وكأنه لم يسمع عن هذه المواد شيئا!

** عودة الشرطة إلى ممارساتها القديمة، وانحياز أفرادها للسلطة وليس للقانون الذي ينبغي أن يكون ولاءهم الأول والأخير له، في نفس الوقت الذي تزداد فيه ضربات الإرهاب بشكل متزايد، كشف عن تدني الأداء المهني للكثير من ضباطها، رغم التضحيات الكبيرة التي يقدمها العديد منهم.

كل هذه السلبيات التي تنتشر كالسرطان في جسد نظامنا السياسي، لا توفر أية شروط موضوعية لإجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة كما يريد الرئيس والذي يرى العديد من معارضيه أن هناك اتجاها ما داخل أروقة الحكم يسعى لوضع كل الخيوط بين يديه، ليمسك وحده كل مفاتيح الحياة السياسية.

هناك جوانب غامضة في دماغ الرئيس لا ندري ما الذي يدور فيها بالضبط، وكيف يتخذ قراراته المصيرية من خلالها، وهناك أمثلة عديدة على ذلك منها ما يتعلق بصفقة القرن الذي ألمح إليها خلال لقائه الشهر الماضي نظيره الأمريكي، ومنها ما يرتبط بملف تيران وصنافير والتي قال منذ حوالى سنة إنهما سعوديتان بعد أن بحث كل تفاصيلها مع أجهزة الدولة، مطالبا المصريين بعدم التحدث في الموضوع مرة أخرى، ثم أطلق تصريحات منذ عدة أيام قال فيها إن ملف الجزيرتين بين يدي القضاء والبرلمان، أو اتفاقه مع صندوق النقد الذي حصلت حكومته بمقتضاه على قروض بـ21 مليار دولار، رغم تعليماته للحكومة قبل أسابيع قليلة من هذه الاتفاق، بالحد من الاقتراض من الخارج، أو وعوده للمصريين بالرخاء خلال العامين الأولين من حكمه، ثم زادت معدلات الفقر بنسب متسارعة وغير مسبوقة طوال أكثر من 60 عاما.

الطريق الوحيد المتاح أمام الرئيس لكي ينفذ وعوده بإجراء انتخابات حرة نزيهة، هو أن يوضح لجمهور ناخبيه الذين أعطوه أصواتهم عام 2014، أو الذين يستهدف أصواتهم في انتخابات العام المقبل، كيف سيغير سياساته التي اتبعها خلال الأعوام الثلاثة الماضية، لكي يؤكد لنا أنه غير “متشبث بكرسي الحكم” على حد تعبيره، في مؤتمر الإسماعيلية، وهى تغييرات تفرض عليه اتخاذ عدة خطوات مبدئية على رأسها تخفيف القبضة الحديدية للسلطة على المجال العام، وإطلاق حق التظاهر، وإفساح المجال لحرية التعبير، وإطلاق سراح كل المعتقلين أو تقديمهم لمحاكمات عادلة وعاجلة، وقبل ذلك أن يقدم لنا الرئيس كشف حساب لمجمل القرارات التي اتخذها بسلبياتها قبل إيجابياتها.

الانتخابات النزيهة التي يؤكد الرئيس على إجرائها العام المقبل تتطلب منه اتخاذ “قرارات مؤلمة” لإجراء إصلاحات سياسية حقيقية في مصر، تماما مثل “القرارات المؤلمة” التي فرضتها حكومته على المصريين، لتحقيق ما تسميه إصلاحات اقتصادية تأخرت كثيرا، وإلا فإن توقع إجراء انتخابات رئاسية تتوافق مع المعايير الديمقراطية الحقيقية التي تحدث عنها الرئيس، سيكون مجرد سراب ودخان في الهواء!

مصدر الخبر
البديل

أخبار متعلقة