الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

د.خالد فهمي يكتب عن الجندي الذي عثروا على رفاته في سيناء: كيف نكرم الشهيد عبدالحميد طه؟.. افرجوا عن وثائق الحرب

د.خالد فهمي يكتب عن الجندي الذي عثروا على رفاته في سيناء: كيف نكرم الشهيد عبدالحميد طه؟.. افرجوا عن وثائق الحرب

كتب الدكتور خالد فهمي، أستاذ التاريخ بالجامعة الأمريكية، مقالا مطولا على مدونته بعنوان "كيف نكرم الشهيد عبد الحميد طه عبد الحميد"، الذي عثر على رفاته في وسط سيناء قبل يومين أثناء أعمال تمهيد الطريق الدولي.

وتحدث فهمي في مقاله، محاولا البحث عن ملابسا استشهاد الجندي "عبد الحميد"، مشيرا إلى أن المنطقة التي عثر فيه على رفاته "التمد"، كانت جزءا من تحركات الجيش في حرب يونيو 67 وليست حرب أكتوبر المجيدة 1973.

وبعث فهمي رسالة في نهاية مقاله: “إن أفضل وسيلة لتكريم شهدائنا الذين سقطوا في حرب 1967 التي تمر على ذكراها خمسون سنة هو أن تفرج القوات المسلحة عن وثائقها، وأن تفتح دار المحفوظات المركزية بوزارة الدفاع أبوابها للمواطنين حتي يقرأوا تاريخهم من مصادره، وحتى لا يستقوا معلوماتهم من مصادر العدو، وحتى يعتبروا ويتعظوا من الماضي. فمن لا يقرأ تاريخه لا يفقه حاضره ولا يملك مستقبله".

 

وإلى نص المقال :

نشرت الكثير من المواقع الإخبارية أمس خبر العثور على رفات أحد الجنود في منطقة التمد في وسط سيناء أثناء تمهيد  الطريق الدولي بجنوب سيناء.

وعُثر مع الرفات على البطاقة الشخصية للجندي، وتبين منها أن اسمه “عبد الحميد طه عبد الحميد”، وأنه من مواليد 25 يونيو 1942، من محافظة الفيوم، وأن مهنته مدرس.

كما عُثر معه على مبلغ 35 قرشا، وأمر الاستدعاء، وخزنتني سلاح.

 

 وبالرغم من أن منطقة التمد التي عثر فيها على الرفات تقع في وسط سيناء وهذه المنطقة لم يتقدم إليها الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973 وبالتالي فمن المؤكد أن هذا الشهيد من شهداء حرب 1967، إلا أن إحدى الفضائيات صممت على أن الجندي عبد الحميد طه عبد الحميد  من شهداء حرب أكتوبر 1973. بل زايدت هذه الفضائية بأن اعتبرت أن هذه فرصة  مناسبة للهجوم على “الخونة اللي بيبيعوا ضمايرهم وشرفهم ووطنهم زي الخاين البرادعي،” وقرر المذيع الوقوف احتراما وتأدية التحية العسكرية للشهيد. ولكنه عندما فعل ذلك الذي أخطأ ليس فقط في الحرب التي سقط فيها شهيدنا، بل في اسمه أيضا (الاسم الصحيح، كما يتضح من صورة البطاقة الشخصية، هو”عبد الحميد طه عبد الحميد” وليس “عبد الحميد محمد عبد الحميد”) .

وبما أن أيا من المواقع التي تداولت الخبر لم تنشر نص خطاب الاستدعاء الذي قد يكون مذكورا فيه رقم وحدته العسكرية ومكان تواجدها (غالبا اعتقادا منهم أن هذا يعد إفشاء لأسرار حربية)، فقد حاولتُ اعتمادا على الكتب المنشورة أن أحدد أرقام الوحدات العسكرية التي تواجدت في هذه المنطقة في حرب يونيو  67 التي راح ضحيتها شهيدنا “عبد الحميد طه عبد الحميد.”

والحقيقة أنه من الصعب بمكان معرفة تفاصيل الحرب والوحدات العسكرية بالرغم من مرور خمسين عاما بالتمام والكمال، فالوثائق الرسمية لتلك الحرب ما زالت حبيسة أرشيف القوات المسلحة ولم يُفرج عنها بعد.

إلا أنني بالاعتماد على الشهادات المنشورة (شهادة قائد الجبهة الفريق أول عبد المحسن مرتجي، الفريق مرتجي يروي الحقائق، طبعة الوطن العربي 1977 ، وشهادة الفريق صلاح الدين الحديدي ، شاهد على حرب 67” ، طبعة الشروق 1974، ودراسة العميد الركن حسن مصطفى، حرب حزيران 1967” ، طبعة بيروت 1973، الجزء الأول، ودراسةGeorge Gawrych, The Albatros of Decisive Victory, 2000) استطعت أن أكون الصورة التالية:

كانت الخطة الدفاعية “القاهر” التي انتُهي من وضع لمساتها الأخيرة في أواخر عام 1966 قد وضعت في الاعتبار أن أكثر المحاور عُرضه لهجوم إسرائيلي هو المحوران الشمالي والأوسط . بالتالي، وكما يتضح من الخريطة أدناه، قررت القيادة العامة تعزيز استحكامات النطاق الأول على هذين المحورين استعدادا للدفاع عن أبو عجيلة والقُسيمة وجبل لبني والحسنة.

الخطة “القاهر

على أن المشير عبد الحكيم عامر قرر في الأيام السابقة على الحرب إجراء تعديلات جوهرية في الخطة شملت جميع تفاصيلها بدون استثناء، فأخذ يصدر الأوامر بنقل وحدات للقيام بهجوم على إيلات، الأمر الذي لم يكن مخططا له في الخطة “القاهر” التي هي خطة دفاعية بالأساس، وأن ينقل وحدات من المحورين الشمالي والأوسط للمحور الجنوبي، (الكونتيللا-نخل-بير تمادة). ثم قرر نقل وحدات من التي كانت تحمي المضايق للتمركز في شرم الشيخ، وغيرها الكثير والكثير من التعديلات التي أفرغت الخطة من محتواها وأصبحت بلا معنى حتي قبل أن تبدأ الحرب.

وكان من نتيجة التعليمات المتلاحقة والمتضاربة أن بعض الوحدات وجدت نفسها تتحرك من مواقعها التي تمترست فيه وخبرته وتدربت على حمايته لتتحرك إلى نقطة جديدة لا تصلح للدفاع عنه، ثم تتحرك مرة ثالثة ورابعة، وأحيانا تجد نفسها وقد عادت إلى الموقع الذي بدأت منه. ووصل الأمر لأحد الألوية أن صدر له 16 تعليما متضاربا في الأسبوعين السابقين على الحرب. وسرى بين الوحدات الاستعجاب من كثرة هذه التعليمات ومغزاها، حتى أطلقوا على أحد الألوية اسم “اللواء الحيران” إذ أنه تحرك مسافة ألف كيلومتر مستهلكا وقوده وجنازيره وصحة جنوده حتى قبل بدء القتال.

على أن أغرب  أوامر المشير وأكثرها فداحة كانت تلك الأوامر التي أصدرها يوم 29 مايو لتعزيز المحور الجنوبي، وهو المحور الذي أجمع جميع القادة على ضعف احتمال استخدام إسرائيل له. لذا عقد المشير مؤتمرا في مركز القيادة الرئيسي بالقاهرة حضره رئيس الأركان، الفريق أول محمد فوزي، ورئيس هيئة العمليات، الفريق أنور القاضي، ومدير المخابرات ، اللواء محمد صادق، وقائد الجبهة، الفريق أول عبد المحسن مرتجي، ورئيس أركان الجبهة، أحمد اسماعيل، ومدير المدرعات. وفي هذا المؤتمر صمم المشير على أن العدو الإسرائيلي سيهجم عبر  المحور الجنوبي، وسيتجه  نحو منطقة “خرِم – المطلة”، وسيحاول الالتفاف حول القوات المصرية لمنعها من الانسحاب غربا أو وصول تعزيزات لها من الغرب. وخرج المشير بفكرة إقامة “ستارة مضادة للدبابات” في المثلث الذي رأسه “بير المالح” وقاعدته الخط الواصل بين “المطلة” و”جبل خرِم” (وهو المثلث الموضح في الخريطة أدناه بالأحمر).

حاول القادة المجتمعون إثناء المشير عن فكرته، وقالوا له إن هذه الفكرة ستستلزم سحب قوات من المحور الشمالي، الأمر الذي سيضعف الاستحكامات على هذا المحور. إضافة إلى أن هذا الهجوم المرتقب على المحور الجنوبي هو أضعف الخيارات أمام العدوإذ سيسبب له تعقيدات لا حصر لها، ولذا فمن المسبعد أن يبدأ العدو هجومه على هذا المحور.

ورغم كل الحجج التي ساقها القادة المجتمعون، لم يتزعزع المشير عن فكرته التي أصبحت مسيطرة  تماما على عقله، حتى أنه وهو يدافع عن وجهة نظره أخذه الحماس وقال”أنا بيني وبين ديان ثأر قديم من العدوان الثلاثي سنة 56 ولازم ألقنه درس لن ينساه وأقضي تماما على أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.”

وطبعا نُفذت تعليمات المشير. وكان من نتيجتها أن تقدم العدو لمثلث “بير المالح-جبل خرِم-المطلة” ولكن بعد أن قضى تماما علي الفرقتين السابعة والثانية اللتين كانتا تدافعان عن المحور الأوسط، وبدلا من أن يكون هذا المثلث ساحة قتال يقضي فيها عامر على ديان، تحول إلى مقبرة سقط فيها أكثر من ألف جندي مصري بعد أن تمكن آرييل شارون من النفاذ إليه يوم 8 يونيو.

أوضاع القوات يوم 5 يونيو 1967

فبعد أن اندلع القتال في صباح يوم 5 يونيو اتضح أن حسابات المشير كلها كانت خاطئة وأن تحريك قواته  من المحور الشمالي أضعف الاستحكامات على هذا المحور، وكما تنبأ القادة فقد هجم العدو على رفح والعريش ثم على القسيمة وأبو عجيلة التي سقطت يوم 6 يونيو، وبدأ الزحف غربا على العريش وجبل لبني وبير تمادة والجفجافة عازما الوصول للممرات حتى يقطع الطريق على الجيش المصري الذي أمسى فلولا بعد أن أصدر المشير قراره المشؤوم بالانسحاب العام يوم 6 يونيو.

وما أن حل يوم 8 حتى قرر شارون الزحف على المحور الجنوبي، فانطلق من الكونيللا التي كانت قد سقطت قبلها بيوم وتقدم بصوب التمد، وعند وصوله لهذا الموقع انسحبت منه مؤخرة الفرقة السادسة نحو النخل.  ويقول شارون في كتاب “حرب الستة أيام” إنه عندما تقدم باتجاه النخل فجر يوم 8 يونيو وجد نفسه فجأة أمام موضع لواء مصري فيه 25 دبابة ثقيلة طراز ستالين العلامة 3 ونحو 70 قاذفة صواريخ لمقاومة الدبابات، وأنه عندما انفتح لواء العدو وبدأت مدرعاته بالصولة على اللواء المصري، لم تبد الدبابات المصرية حراكا بل بقيت صامتة في أماكنها دون أن تفتح النار مما أثار استغراب العدو. وعندما اقتربت دباباته من الموضع المصري اكتشف جنوده أن جميع الدبابات وقاذفات الصواريخ المصرية هناك كانت مهجورة وقد تركها جنودها دون أن يخربوها وانسحبوا.

إنها حقا رواية غريبة يحلو للمؤرخين الإسرائيليين أن يرددوها. ولكني أجد نفسي مكبلا وغير قادر على دحضها أو الرد عليها إذ أن المصادر المصرية محجوبة.

ويزيد شارون، ومن تبعه من المؤرخين الإسرائيليين، أن هذا اللواء كان بقيادة اللواء أركان حرب أحمد توفيق عبد النبي الذي كان قد عُهد له بقيادة “الستارة المضادة للدبابات” التي علق عليها المشير عامر كثيرا من أحلامه. وتقول المصادر الإسرائيلية أن هذا اللواء وقع أسيرا واقتيد لمقر قيادة شارون الذي سأله عن السبب الذي دعاه إلى التخلي عن دباباته أثناء الانسحاب، فأجابه القائد المصري  الأسير إنه عندما رأى القوات الإسرائيلية ليلا وأنوارها مضاءة اعتقد أنها قوة كبيرة ورأى أنه ليس في وسع لوائه أن يقاومها. ولما كان قد تلقى أمرا بالانسحاب فقد قرر التخلي عن دباباته وقاذفات صواريخه لأنها ثقيلة وبطيئة، واكتفى بسحب جنود لوائه بالعربات نصف المجنزرة.

وقد استغلت الدعاية الإسرائيلية هذه التصريحات الجبانة واتخذت منها مادة دسمة لدعايتها المغرضة أثناء القتال وبعده. ومرة أخرى أجد نفسي حائرا في كيفية الرد على هذه الأقاويل في غياب الوثائق الرسمية المصرية التي قد تلقي الضوء عن ما حدث بالضبط يوم 8 يونيو في منطقة التمد التي وجدت فيها رفات الجندي “عبد الحميد طه عبد الحميد .”

الهجوم الإسرائيلي على سيناء، يوما بيوم، من 5 إلى 8 يونيو 1967

 إن تكريم شهدائنا لا يتم بذكر أسمائهم خطأ أو بالمتاجرة بدمائهم في سبيل صراعات سياسية آنية.

كما لا يصح أن نعتقد أن الوقوف لهم إجلالا أو تقديم التحية العسكرية لهم هو أفضل الطرق لتذكرهم أو الاعتراف بتضحياتهم.

إن أفضل طريقة لتكريم الشهيد “عبد الحميد طه عبد الحميد” هو أن نعرف ملابسات استشهاده. أين كان يوم سقط شهيدا؟ ماذا كانت وحدته؟ من كان قائده؟ أين تمركزت وحدته؟  هل صحيح أن قائده أمره بالانسحاب؟  هل نفذ أوامر الانسحاب فورا، أم اغتنم فرصة للصمود والقتال والدفاع عن الأرض والعرض والشرف، كما تذكر بعض روايات الجنود الآخرين الذين كانوا أحسن حظا منه والذين سجلوا شهاداتهم عن أعمال مقاومة ليس فقط للعدو ولكن أيضا للقادة غير الأكفاء الذين تسببوا في أفدح وأعمق هزيمة عرفتها مصر في تاريخها الطويل؟

إن أفضل وسيلة لتكريم شهدائنا الذين سقطوا في حرب 1967 التي تمر على ذكراها خمسون سنة هو أن تفرج القوات المسلحة عن وثائقها، وأن تفتح دار المحفوظات المركزية بوزارة الدفاع أبوابها للمواطنين حتي يقرأوا تاريخهم من مصادره، وحتى لا يستقوا معلوماتهم من مصادر العدو، وحتى يعتبروا ويتعظوا من الماضي. فمن لا يقرأ تاريخه لا يفقه حاضره ولا يملك مستقبله.

صورة من الجو لثلاثة جنود مصريين ينسحبون في اتجاه القناة

للاطلاع علي الموضوع الأصلي علي مدونة د. خالد فهمي اضغط هنا

مصدر الخبر
البداية

أخبار متعلقة