الإثنين 6 يوليه 2026 — القاهرة

«الإمبراطور الأخير» لبرتولوتشي: مرآة مريرة لمصير باهت

«الإمبراطور الأخير» لبرتولوتشي: مرآة مريرة لمصير باهت

حتى وإن كان فيلم «الإمبراطور الأخير» للإيطالي برناردو برتولوتشي يبدو منسياً اليوم بعض الشيء مع أنه حين عرض للمرة الأولى قبل ثلاثين سنة اعتبر في آن معاً، واحداً من أفخم الأفلام التاريخية، وواحداً من أكثر أفلام السيرة الذاتية حميمية، فإن يظل علامة أساسية في تاريخ هذا النوع من السينما وعملاً يفتن في حبكته كما في لغته السينمائية التي تأرجح فيها سياق حياة الشخصية التي يقدمها، بين الحاضر والماضي والمستقبل. أما الشخصية التي يقدمها فهي بو-يي الذي عرف بكونه آخر إمبراطور حكم الصين طوال عقود من السنين، لتأتي الثورة الماوية في نهاية الأمر، ليس فقط لتقضي على إمبراطوريته وعليه، بل كذلك لتحوله حيناً إلى سجين وحيناً إلى مزارع بسيط وفي كل الأحوال إلى مواطن أقل من عادي، يبدو عاجزاً حتى عن أن يستعيد ذكريات عرف فيه مجد الحكم وأبهة السلطة وبهرج القصر... ولكن هل تراه عرف كل هذا حقاً؟ هل تراه حين كان في السلطة حيث يعتبر «ابن السماء» ويجلّه الشعب ويخشاه الناس، هل تراه كان أكثر سعادة مما بات حين انتهى كل شيء وصار رجلاً عادياً يعمل كما أي بائس آخر وبالكاد يتعرّف إليه أحد حين يعبر الشارع؟

 

 

> الحقيقة أننا إذا ما طرحنا على أنفسنا ذلك السؤال الذي طرحه كثر من متابعي شؤون السينما في العالم ومن محبّي سينما برتولوتشي تحديداً عما كان من شأنه أن اجتذب اهتمام مخرج مبدع من كبار سينمائيي النصف الثاني من القرن العشرين، في اتجاه شخص مثل إمبراطور الصين الأخير؟ ستتنوع إجاباتنا: أكان ما اجتذبه تاريخ الصين نفسه هو الذي كان قد قدّم في فيلم سابق له «القرن العشرون» صورة عن تاريخ إيطاليا الحديث؟ أم هو الدور الذي لعبه ذلك الإمبراطور الأخير في تاريخ بلده؟ أو بالأحرى، تلك العلاقة التي كانت للإمبراطور بأحداث عصره أكانت تلك العلاقة سلبية أم إيجابية؟ أم أنه المصير الشخصي لرجل استثنائي؟ وفي يقيننا أنه حتى وإن كان الجواب يتراوح بين كل هذه الاحتمالات وربما غيرها أيضاً، فإن نقطة الجذب الرئيسية كانت مصير ذلك الرجل نفسه، المصير الذي لم ينعكس عليه أبداً لا جسدياً ولا سيكولوجياً... وفي يقيننا أن رسم هذا المصير كان العنصر الأول الذي طغى على الفيلم في نهاية المطاف.

 

 

> حين أعلن برناردو برتولوتشي أواسط الثمانينات أنه في صدد تحقيق فيلم ضخم عن حياة إمبراطور الصين الأخير، فغر المعجبون بسينما برتولوتشي أفواههم، أولاً، لأنهم كانوا نسوا تماماً وجود ذلك الإمبراطور، وثانياً لأنهم لم يدركوا وجود أية علاقة بين المخرج الذي قدم في فيلمه «القرن العشرين» أروع عمل سينمائي عن تاريخ بلد، هو في نهاية الأمر بلده: إيطاليا، وبين حياة إمبراطور نسيه التاريخ تماماً.

 

 

> ولكن، بالنسبة إلى برتولوتشي كان ثمة ما يغريه في حكاية ذلك الإمبراطور المدهش: كونه توفي مجهولاً، بائساً، ناسياً ماضيه وتاريخه في إبان الثورة الثقافية في الصين يوم 18 تشرين الأول (أكتوبر) 1967. وفي اعتقادنا أن اللقطة الصاخبة التي تمثل في فيلم برتولوتشي «الإمبراطور الأخير» موت بو-يي، وحيداً وسط الجموع، في خضم تظاهرات الثورة الثقافية في الصين، تكفي وحدها لإعطاء الفيلم كل مبرراته.

 

 

> قبل فيلم برتولوتشي، كان الناس جميعاً نسوا ذلك الإمبراطور تماماً. وهو حين مات عام 1967 عن عمر يناهز الحادية والستين كان أضحى مجهولاً تماماً، ومجرد نكرة، لا يتعرف إليه حتى جيرانه في الحي البائس الذي يقطنه. ومن هنا أتى الفيلم ليرسم صورة لمصير إنساني استثنائي، ويضع ذلك الإمبراطور في واجهة الأحداث.. وإن لفترة من الزمن يسيرة رافقت عرض الفيلم، ثم انتهت إلى إعادة بو-يي إلى مهب النسيان.

 

 

> موت بو-يي، كان موت موظف أرشيف صغير في مدينته بكين، موظف أرشيف كانت جهود كبيرة مكنته من الحصول على تلك الوظيفة، بعد أن خرج من السجن الذي أودعه فيه الشيوعيون، وعمدوا فيه إلى «إعادة تربيته» و «تأهيله»، كعامل حدائق متميز. لكن عمله في الحدائق أتعبه هو الذي كانت الحياة قاسية، دائماً، عليه، حين كان صاحب أكبر إمبراطورية في تاريخ ذلك الزمن، فكشف عن مواهبه كموظف أرشيف لمسؤوليه، الذين اقتنعوا أخيراً بتلك المواهب وأسندوا إليه وظيفة أراحته خلال آخر أيام حياته.

 

 

> ترى، كيف كان ذلك الموظف ينظر إلى العالم خلال تلك السنوات الصاخبة؟ يقترح علينا فيلم برتولوتشي أن نظرته كانت محايدة، وأنه قبل مصيره الأخير مستسلماً، تماماً مثلما كان قد قبل كل مصائره السابقة، وهذا هو، على أي حال، الدرس الأساسي الذي يمكننا أن نستخلصه عن فيلم يروي حياة بو-يي. ولكن كيف كانت تلك الحياة؟ بكل بساطة، حياة لعبت فيها الأقدار الدور الرئيسي، وبدا خلالها صاحبها وكأنه مجرد متفرج عما يحدث له، لا أكثر. فبو-يي، وكان اسمه هسوان - تونغ حين ولد في عام 1906، كان الوريث الذكر الأخير للسلالة المنشورية الحاكمة في بكين، وهو وصل إلى العرش وكان لا يزال في الثانية من عمره (الصورة ترينا إياه طفلاً في باحة القصر)، وذلك يوم 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 1908، لكنه سرعان ما طرد عن العرش وكان، بعد، في السادسة، يوم 13 شباط (فبراير) 1912 حين انتصرت ثورة صن- يات- صن. وهو ظل بعيداً عن الحكم سنوات يلهو ويعيش كما يحلو له، حتى أعاد اليابانيون «اكتشافه» عام 1943 حين تمكنوا من احتلال منشوريا كلها وحولوها إلى دولة تابعة لهم، فلم يجدوا أكثر منه طواعية ليحكمها باسمهم، فجعلوه إمبراطوراً عليها، مانحينه هذه المرة اسماً جديداً هو كانع- تيه.

 

 

> وبقي بو-يي على عرش منشوريا صورياً، بينما كان اليابانيون، الحكام الحقيقيين، حتى انتصرت ثورة ماوتسي تونغ الشيوعية. وحين لم يتمكن بو-يي من الهرب استسلم للسلطات الشيوعية الجديدة التي لم تجد أمامها إلا أن تودعه السجن مستنكفة عن الفتك به، هي التي تعرف أنه، في نهاية الأمر، لم يقم بأي دور سياسي على الإطلاق سواء أكان ذلك الدور سلبياً أم إيجابياً. وبقي بو-يي في السجن سنوات طويلة يدرس تعاليم ماو، ويقرأ ويحس بالراحة المطلقة حتى اتقن مهنة زراعة الحدائق، فألحق بواحدة من حدائق بكين العامة قبل أن يتحول إلى موظف أرشيف، ثم يموت خلال الثورة الصينية الثقافية من دون أن يتنبه إلى وجوده أو إلى موته أحد.

 

 

> انطلاقاً إذاً من هذه الحكاية التي عانقت ثلاثة أرباع القرن العشرين، صوّر برتولوتشي ليس فقط مصير شخص، بل أكثر من هذا: صوّر سخرية التاريخ وإن في مرآة بدت طوال الفيلم شديدة الحيادية. وهو لكي يصوّر تلك السخرية بدأ الأحداث أواخر سنوات الأربعين حين انتصرت الثورة الشيوعية وقبض على الإمبراطور الذي سنراه لاحقاً خلال الحرب العالمية الثانية والاحتلال الياباني للصين وكأن لا علاقة له بالأمر. ولكن قبل ذلك كان لا بد للفيلم من أن يعود إلى طفولة بو-يي حين اعتلى العرش إثر رحيل الإمبراطورة وهو لا يفهم من شؤون السلطة سوى قدرته على اللعب كما يشاء وركوع الكبار أمامه حين يمر. والحال أنه سوف يمضي حياته كلها على تلك الشاكلة طفلاً أُكلت طفولته فعاش عيشاً رغيداً من دون أن يطلب منه أحد شيئاً. ولسوف يتحرك الفيلم بين التواريخ المختلفة، بين الماضي والحاضر، ليصل بنا حتى إلى المستقبل حين يقال لنا في مشهد يُفترض أنه يدور عام 1987- عام تحقيق الفيلم- أن بو-يي توفي قبل ذلك بعشرين سنة. لكن ثمة مشهداً قصيراً يرينا كل ما تبقى من «آثار» الطفل الذي كانه الإمبراطور ذات يوم: علبة كبريت خبأها في ثنايا العرش وضع فيها جرادة لم يكن ليتخلى عنها أبداً. جرادة كانت مبرر وجوده وشاغلة أفكاره لتبقى من بعده!

 

 

> لئن كان برناردو برتولوتشي مقلاً الآن في سينماه بحيث أن آخر فيلم حققه كان «أنا وأنت» قبل عشر سنوات تقريباً من الآن، فإن له متناً سينمائياً بالغ الأهمية والشهرة، يضم أعمالاً مثل «السماء الواقية» عن رواية بول بولز «المغربية» و «آخر تانغو في باريس» و «الحالمون» وغيرها من أفلام طبعت السينما العالمية.

مصدر الخبر
الحياة

أخبار متعلقة