ما الذى نفهمه من وثيقة حركة حماس الجديدة التى أعلنها خالد مشعل، رئيس المكتب السياسى للحركة مساء الاثنين الماضى؟.
الإعلان صدر من العاصمة القطرية الدوحة، وباللغة الإنجليزية، والتفسير المبدئى هو مغازلة الإدارة الأمريكية الجديدة، وإقناعها بأن «حماس» انفصلت عن الإخوان وتعترف عمليا بإسرائيل.
الوثيقة تقع فى 42 بندا، مقسمة على 11 عنوانا، لم يرد فيها أى ذكر لارتباط حماس بجماعة الإخوان الأم، فى حين تم ذكر اسم الإخوان سبع مرات فى الميثاق التأسيسى الأول للحركة عام 1988.
مثل غالبية المصريين والعرب، كنت مؤيدا لأى حركة مقاومة فى فلسطين المحتلة تقاوم الاحتلال الصهيونى مثل سرايا القدس «الجهاد»، وكتائب الأقصى «فتح» وكتائب القسام «حماس» وأى شخص يقاوم الاحتلال ولو فى مظاهرة سلمية. اصطف معظم العرب وراء كل منظمات المقاومة فى كل مكان. خرج مئات ملايين المصريين والعرب تأييدا لحزب الله اللبنانين، حينما أجبر جيش الاحتلال الصهيونى على مغادرة لبنان عام 2000، وحينما تصدى للعدوان الإسرائيلى فى عام 2006، وفعلوا نفس الشىء مع حماس والجهاد الإسلامى وكتائب الأقصى وسائر منظمات المقاومة، طالما كانت توجه رصاصاتها للاحتلال الإسرائيلى.
لم نفكر للحظة أن حماس وغيرها تنتمى لأهل السنة، أو أن حزب الله ينتمى للطائفة الشيعية. لكن فكر معظمنا فى ذلك حينما صار حزب الله ذراعا ومخلبا فى يد ايران، وصارت حماس اداة فى يد جماعة الإخوان.
فى عام 2007 انقلبت حماس على السلطة الفلسطينية فى رام الله، وسيطرت على غزة، مبررة ذلك بأن «هذه السلطة خائنة ومنبطحة وتعترف بالعدو الصهيونى، وتوقفت عن المقاومة، وتنسق أمنيا مع الاحتلال»، وهو الأمر الذى صدقه البعض فعلا.
الآن مرت عشر سنوات على انقلاب حماس أو استقلالها أو انفصالها أو سيطرتها على غزة.. فما الذى حدث؟!.
لو أن حماس أمينة مع نفسها ومع أنصارها لقدمت كشف حساب حقيقيا للسنوات العشر الماضية. ليس عيبا أن تقول إنها أخفقت أو أساءت التقديرات، أو كان لديها تصورات ثبت أنها غير صحيحة.
المعيار الأساسى لأى كشف حساب أنه ينطلق من الوقائع على الأرض، وليس من الكلمات والشعارات الإنشائية والبلاغية، بمعنى أنه عندما انقلبت حماس على السلطة، كانت تعرف أن غالبية البلدان العربية ستعارض هذه الخطوة، وربما إسرائيل فقط هى الوحيدة التى ستهلل لهذا الانقلاب؛ لأنه سيجعل الصراع الأساسى بين «فتح وحماس»، وبالتالى لا يصح أن يتم تبرير الإخفاق اللاحق بأن العرب تواطئوا ضد حماس.
حماس تتهم سلطة محمود عباس بأنها تنسق مع إسرائيل أمنيا.. حسنا هذا صحيح ومحزن ومؤسف، لكن ما معنى سلوك حماس حينما تقبض كل فترة على مقاومين من فصائل أخرى فى غزة يطلقون صواريخ أو ينفذون عمليات ضد إسرائيل انطلاقا من غزة؟!!. سترد حماس وتقول إنها أدرى بتوقيت وظروف المعركة!!!. حسنا هذا صحيح، لكنه أيضا نفس ما تفعله السلطة فى رام الله. تقول حماس وأنصارها أحيانا إن الحكومة المصرية حاصرت قطاع غزة، ولم تقدم الدعم المفترض للقطاع، وكأنه كان مطلوبا من مصر أن تدعم هذا الانقلاب الحمساوى، لدعم قيام دويلة او إمارة إخوانية فى غزة، وهو الأمر الذى يتصادم مع المصالح المصرية العليا، ولم تكن لتقبل به إسرائيل أو أمريكا أو المنطقة بأى حال من الأحوال.
لكن إسرائيل قبلت بالانقلاب فقط بحيث يتم حصار غزة، ولا يحدث التواصل الجغرافى المأمول بين الضفة وغزة، ويتأجل الحل الشامل لأطول وقت ممكن، طالما أن المشكلة الأكبر المطروحة ستكون دائما بين غزة والضفة وليست بين فلسطين وإسرائيل، بل وصلت المأساة إلى أن الانقسام حدث أيضا داخل فتح بين جماعة محمود عباس وجماعة محمد دحلان.
حماس أعلنت أنها ستحرر فلسطين من النهر إلى البحر ولن تعترف بإسرائيل ولا تتفاوض معها.. ثم عادت قبل أيام لتتراجع عن كل ذلك، فهل تملك الشجاعة بالإعلان الصريح أنها أخفقت وأن رهاناتها كانت إنشائية وشعاراتية فقط، وأن الواقع المر الذى نعيشه فى المنطقة بأكملها يحتاج شجاعة ووضوحا فى تشخيصه؛ كى نبدأ فى الخروج منه؟.
.. الحديث موصول.