بعد الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية، يبدو أن خيار الفرنسيين قد أصبح معدومًا، والشركات العالمية هي المتحكم الوحيد الآن، والتي ولدت الوضع الراهن لخدمة مصالحها، لتضع السياسيين في مواقع القوى لخدمتهم، وفي هذا النظام الاقتصادي العالمي الذي يتحكم فيه ثمانية أشخاص فقطك، الوضع أصبح خطيرًا.
كانت أحد مفاتيح نجاح المرشح الرئاسي، إيمانويل ماكرون، في الجولة الأولى من الانتخابات، أنه سياسي لا يتبع لأحد، لكن لنضع في الاعتبار أنه كان عضوًا في الحزب الاشتراكي، وكذلك كان وزيرًا للاقتصاد والمالية لمدة عامين في إدارة هولاند، التي لا تحظى بشعبية، وفي الواقع تم إعداد ماكرون في المدرسة العليا لإدارة الشؤون الإدارية، والتي ينتمي إليها كبار الموظفين العموميين الفرنسيين، ولكن التظاهر بأنه مستقل كانت أفضل خدعة.
وكما عبرت حركة «نويت ديبوت» في العام الماضي فإن فرنسا، شأنها في ذلك شأن معظم البلدان في جميع أنحاء العالم، سئمت من الطبقة السياسية التقليدية، كما أن المصطلح الفرنسي «راز لي بول» يلتقط هذا المفهوم بشكل أفضل، ويعني أيضًا أنه في أي لحظة معينة ستحدث تداعيات في شكل اضطرابات اجتماعية، وكثير من الصحفيين الدوليين يشبّهون ماكرون بمرشحة الرئاسة الأمريكية السابقة، هيلاري كلينتون، أما ماري لوبان يشبهونها بالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لكن في الواقع مسار ماكرون مشابه لمسار ترامب، بمعنى التظاهر أنه المكافح الذي لا ينتمي إلى الطبقة السياسية التقليدية.
ومثل ترامب، وصفة نجاح ماكرون، كونه سياسي من خارج الحلبة السياسية، وهو بالتأكيد وهم، فهو تمامًا مثل ترامب، رجل مال وشركات، وسيكون الرئيس المقبل لفرنسا، وقد اختارته عائلة روتشيلد التي تتحكم في الاقتصاد العالمي، وأصبح النظام السياسي في فرنسا لعبة بعيدة عن الديمقراطية، على سبيل المثال بصرف النظر عن مصير الشعب الفرنسي، انتعشت السوق المالية العالمية بالفعل بعد الجولة الأولى على أمل انتصار ماكرون.
بعد خمس سنوات من رئاسة تكنوكرات الشركات الاشتراكية الفرنسية بقيادة فرانسوا هولاند، كان الكثيرون في فرنسا يأملون أن يكون جان لوك ميلينشون في الجولة الثانية ضد مارين لوبان لمنح البلاد خيارًا سياسيًّا حقيقيًّا، لكن ميلينشون جاء في المركز الرابع خلف فيلون ولوبان وماكرون على التوالي، وما كان ملحوظًا في الجولة الأولى للرئاسة الفرنسية هو أن المرشحين الأربعة الأوائل جاءوا في أقل من 4% بمجموعة من 19 إلى 23% من الأصوات.
وقد حث فرانسوا فيون، الذي يحتل المركز الثالث، بالفعل مؤيديه على التصويت على ماكرون، وقال زعيم فرنسا لا إنسوميس ميلينشون، الذي ندد بالانتخابات، إن فرنسا في طريقها لتصبح جمهورية موز، ولم يوافق على ماكرون، لكنه قال، إنه سيصوت له في الجولة الثانية.
ويشعر العديد من الفرنسيين بأنهم ذاهبون إلى نفس السيناريو الأمريكي الشرير، حيث أجبر الأمريكيون على الاختيار بين ترامب وكلينتون، ومن المثير للسخرية بشكل لا يصدق أن مارين لوبان، وضعت مؤخرًا نفسها بعد الجنرال ديغول، وهي تسعى بلا خجل للتأييد الخارجي من كل من موسكو وواشنطن، ويجب أن يتذكر مؤيدي لوبان، بروسيا والولايات المتحدة، فضلًا عن مؤيديها الفرنسيين، أن الجبهة الوطنية كانت القوة الأيديولوجية وراء ظهور الفاشية في ألمانيا وإيطاليا في الثلاثينيات، ولن تنسى الأجيال القديمة من الشعب الفرنسي أن والدها وزعيم الجبهة الوطنية السابق، جان ماري لوبان، كان إلى جانب المجلس العسكري الذي أراد إسقاط الجمهورية الفرنسية في انقلاب خلال الحرب في الجزائر.
قالت لوبان، إن ماكرون مرشح الأقلية، بينما هي مرشحة الشعب، في الواقع هي محقة بشأن ماكرون، لكنها مخطئة في حالتها؛ لأنها مرشحة عنصرية عرقية ترفض الاتجاه المعاكس، إلَّا أن الواقع الفرنسي عكس أفكارها، حيث إن فريق كرة القدم الفرنسي الوطني يتكون من لاعبين ذي أصول إفريقية وشمال إفريقية.
وتحظى الانتخابات الفرنسية باهتمام عالمي لم تحظ به من قبل، ويرجع ذلك إلى وجود مرشح عائلة روتشيلد والمرشحة القومية، ويبدو أن مفهوم السياسة في عالمنا الآن هو أن القومية بديل اليمين، فمن دعموا ترامب يدعمون لوبان الآن، لكنهم فشلوا في فهم أن كونك ضد العولمة يعني أنك ضد الرأسمالية، أو على الأقل مكافحة الإمبراطورية.
ضحية تلك اللعبة هي الديمقراطية نفسها، إن القوميين اليمينيين المتطرفين آخذون في الارتفاع بجميع أنحاء العالم؛ لأنهم تبنوا خطابًا مناهضًا للعولمة، سرق جزئيًّا من اليسار، وأيضًا لأن الهيمنة العالمية على التمويل أصبحت متطرفة، بحيث أصبحت الآن شكلًا من أشكال الديكتاتورية، وماكرون، الذي سيتم انتخابه رئيسًا لفرنسا، خادم تلك الإمبريالية للشركات العالمية، أما ترامب، رغم خطابه القومي الأصلي، فهو أيضًا يخدم تلك السياسة، وبالتالي على الفرنسيين ترك صناديق الاقتراع والذهاب للثورة في الشوارع.