الإثنين 6 يوليه 2026 — القاهرة

«سائق العربة» للاو شي: الأدب البائس في انتظار الثورة

«سائق العربة» للاو شي: الأدب البائس في انتظار الثورة

على رغم أن الكاتب الصيني الأكبر في القرن العشرين، وعلى الأقل، على مستوى السمعة العالمية، هو با جين صاحب «ليلة مثلجة» وغيرها من أعمال روائية قرئت على نطاق واسع، فإن الرواية الصينية الشعبية الأكثر شهرة وحضوراً في حياة الصينيين تبقى «سائق العربة» للكاتب لاو شي. صحيح أن هذه الرواية شديدة التشاؤم والسوداوية ولكن يشفع لها أنها تتحدث عن بكين في سنوات العشرين والبؤس الذي كان يسم حياة الناس في ذلك الحين، ما يبرر لاحقاً ما أتت به الثورة. ومن هنا لم يكن غريباً أن تطبع السلطات الرواية في كتاب بملايين النسخ بعد التحرير - أي طرد اليابانيين المحتلين من البلاد -، ومن ثم تدعم اقتباسات سينمائية وأوبرالية ومسرحية لها ما جعل لـ «سائق العربة» مصيراً أكثر سعادة من مصير كاتبها الذي بعد الدلال الذي عومل به أول الأمر، بات ما إن اندلعت «ثورة لين بياو الثقافية» أواسط الستينات واحداً من ضحاياها كما سنرى بعد سطور. أما هنا فنتوقف عند تلك الرواية/الظاهرة.

 

 

> تنتمي «سائق العربة» الى الأدب الطبيعي الذي يجد جذوره لدى إميل زولا وماكسيم غوركي. ومع هذا لا شك في أن الأساس الراسخ للرواية يبقى في بكين وحياة فقرائها في سنوات العشرين والاستحالة التي تواجههم في بحثهم، ليس عن مستقبل أو عن خروج عن أوضاعهم المزرية، بل حتى عن لقمة العيش. وكل هذا نتلمسه من خلال حكاية الريفي الفتى خيانكزي المقيم في عمارة متهالكة في أحد أكثر أحياء بكين فقراً وانسداداً. إنه فتى مستقيم قوي يعمل في جرّ العربات لدى سيد له ويحلم بأن يمتلك يوماً عربته الخاصة ويسعى الى ذلك. لكنه كان في كل مرة يقترب فيها من هدفه يفشل إما لفقدانه ما يجمعه أو لمصادرة السلطات له. بل ذات مرة شاءت الصدف له حين كان فاراً من التجنيد الإجباري أن يعثر على بضعة جمال يبيعها بأمل أن يستخدم ثمنها لشراء العربة المنشودة. لكن السلطات تتدخل كالقدر مرة أخرى وتصادر ما يملك، ما يضطره للعودة الى سيده صاحب العربات. ثم بعد ذلك الى أن يهرب مع ابنة هذا الأخير التي تصطاده زوجاً لها. غير أن هذه إذ تصبح حاملاً تتبدل تماماً مفسدة عليه حتى حياته البائسة، ليتحرر فقط حين تموت وهي تلد ابنهما ويتبين أن الطفل ولد ميتاً. فينطلق وسط بؤسه ولكن الى أين؟ هذه المرة الى مسكنه البائس حيث ثمة صبية يتعاطف معها ولو أن أباها يستغلها كمومس ليعيش بفضل بؤسها هي الأخرى. وهنا إذ يسعى خيانكزي لكسب بعض ملاليم تمكنه من تحرير الفتاة ويعود اليها فرحاً يكتشف انها انتحرت... وهكذا تنتهي الرواية على كل تلك السوداوية من دون أي أمل في الخلاص.... الفردي على الأقل!

 

 

> مهما يكن فإن زوجة لاو شي روت بعد رحيله أنه بعد سنوات من انتشار الرواية جمع في حفل أقامه عدداً من سائقي العربات في بكين ووعدهم بأن يكتب تتمة للرواية تتحدث عن التغييرات الإيجابية التي طاولت الحياة وحياتهم في بكين. لكنه لم يفعل طبعاً. لماذا؟ لأنه رحل بعد حين. ولكن هل تراه مات يوم 25 أو 26 أو 27 آب (أغسطس) 1961، أو قبل ذلك التاريخ؟ لا أحد يعرف بالتحديد. المهم أن أناساً اتصلوا صباح السادس والعشرين من ذلك الشهر بزوجة لاو شي، ليخبروها انه تم العثور، للتو، على جثة زوجها قرب بحيرة السلام. وقالوا لها في شكل أكثر تحديداً أنهم يعتقدون أن لاو شي مات انتحاراً، إذ إن الذين عثروا عليه وجدوه وقد انغمس رأسه في الماء بينما كانت ثيابه لا تزال جافة. في تلك الأثناء كانت الفوضى تعم الصين لا سيما مدينة بكين التي وقع الحادث فيها. وكانت السلطات من القوة بحيث تمكنت من أن تأمر بالتخلص من الموضوع بسرعة من دون إمعان في التحقيقات، ومن دون تشريح للجثة. وهذا ما جعل الزوجة والكثيرين من اصدقاء لاو شي يؤكدون لاحقاً، أن الرجل لا يمكن أن يكون مات انتحاراً، بل قُتل. ولقد أكد لهم ذلك ما قاله شهود عيان من أن لاو شي كان قبل يوم من العثور على جثته، ضُرب من قبل «الحرس الأحمر» على مدخل معبد لكونفوشيوس كان يزوره. واختفى بعد ذلك.

 

 

> يعتبر لاو شي، الى جانب با جين، واحداً من كبار الكتاب الصينيين في القرن العشرين. وهو كان، منذ أواخر سنوات الخمسين عرضة لانتقادات توجه اليه من كبار المتشددين الثوريين الذين كانوا يرون في أدبه «نفحات ذاتية غير ثورية بما فيه الكفاية». والحال انه مع اندلاع الثورة الثقافية كان من الطبيعي، ضمن منطق تلك الأيام أن تزداد الحملة على لاو شي، كما ازدادت على غيره من كبار الكتاب والمبدعين، وهو، على أي حال، كان يحس بالخطر المحدق به، اذ يُروى انه حين التقى بزميله الكبير با جين قال له ساخراً: «قل لأصدقائنا أن كل شيء على ما يرام، وأنني لا ألقى أية متاعب تذكر»، وكان ذلك عشية الضرب المبرح الذي تلقاه على يد الحرس الأحمر، وقبل أيام قليلة من اكتشاف جثته. مهما يكن، لئن كان لاو شي لقي ذلك المصير الظالم والغامض، فإن الصين الجديدة، أعادت اليه اعتباره بعد ذلك بدزينة من الأعوام، أي في 1978، حين أقيم احتفال رسمي بذلك في مقبرة بابواشان.

 

 

> حين رحل لاو شي عن هذا العالم، كان في السابعة والستين من عمره، وكان طوال عقود من الجهود الكتابية والترحال، تمكن من أن يجعل لنفسه مكانة مهمة بين كبار الكتاب الصينيين، بل كان أضحى الأكثر شهرة بينهم في الخارج، لا سيما في الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان، حيث كان معظم كتبه يترجم فور الصدور بالصينية.

 

 

> إذاً، ولد لاو شي في 1899، ابناً لأسرة متواضعة من أصل منشوري، وكان أبوه ضابطاً في الحرس الامبراطوري، سرعان ما قتل خلال المعارك التي قامت بين القوات الأجنبية والبوكر، ما اضطر الأم للعمل خادمة حتى تمكن ابنها لاو شي (وكان اسمه الأصلي شو كنغتشوان) من تلقي ما يريد من العلم، وهو بالفعل انهى دراسته الابتدائية ثم الثانوية فالثانوية العليا، وأضحى مدرساً ثم خبيراً تربوياً، وبدأت تظهر لديه الميول الأدبية باكراً، لا سيما حين أقام في انكلترا مدة خمسة اعوام (1924 - 1929) اكتشف خلالها اعمال ديكنز وتأثر بها، فكتب هناك أولى أعماله، وهي رواية بعنوان «فلسفة لاوجانغ» نشرها أولاً في مجلة شهرية على شكل مسلسل قبل أن تنشر ككتاب في بكين.

 

 

> في لندن كذلك كتب رواياته التالية «جاء جيوو» (1926) ثم «السيدان ما، أباً وابناً» (1928) وتدور أحداثها في لندن. وفي 1930 عاد لاو شي الى الصين، حيث عُيّن استاذاً في الجامعة وتزوج في العام التالي لينجب أربعة أطفال، ويصبح كاتباً معروفاً تصدر أعماله بانتظام، ومن أبرز تلك الأعمال رواية «طلاقات» التي أصدرها في 1933. وفي 1936 نشر لاو شي أشهر رواياته «سائق العربة» التي نالت من النجاح ما دفعه الى تكريس وقته كله للكتابة. لكن اندفاعته تلك سرعان ما قطعها الغزو الياباني للصين في 1937 وهو غزو دفعه للهرب الى مقاطعة ودهان الآمنة حيث بقي سنوات أخرى بعيداً من أسرته. لكنه تمكن في تلك السنوات من الكتابة أكثر وأكثر، وتعرف إلى ماوتسي تونغ وبدأ يشغل مناصب رسمية في الثورة. وفي 1946 توجه الى الولايات المتحدة حيث بقي عامين كتب خلالهما الأجزاء الأولى من روايته الأساسية «أربعة أجيال تحت سطح واحد». وحين عاد الى الصين بعد ذلك كان أضحى كاتباً رسمياً معتبراً، وبدأ يشغل مناصب عليا في الإدارة الثقافية كما بدأ يكتب مسرحيات كانت سرعان ما تمثل وتنجح. وفي 1954 انتخب نائباً عن مدينة بكين، لكن النقد سرعان ما وجه بعد عامين لمسرحيته «تشانغان» من قبل اليمنيين الذين بادلهم هجوماً بهجوم، في وقت راح يكتب رواية يحكي فيها سيرته الذاتية، وهي الرواية التي كانت لم تكتمل بعد، حين لقي مصيره على أيدي حرس الثورة الثقافية الأحمر.

مصدر الخبر
الحياة

أخبار متعلقة