الإثنين 6 يوليه 2026 — القاهرة

«ريح الصيف» لأنطون فيبرن: العمل الذي أخفاه صاحبه سنوات طويلة

«ريح الصيف» لأنطون فيبرن: العمل الذي أخفاه صاحبه سنوات طويلة

لم يكن من عادة، ولا من مبادئ عمل الموسيقي أنطون فيبرن، أن يضع عناوين لأعماله الموسيقية. بل إنه كذلك لم يضعها في تصنيفات. كل ما في الأمر أنه كان يعطيها أرقاماً تتعلق بسماتها التقنية. فتعرف بها. وهكذا عاشت أعماله على مر الأزمنة واعتبرت من الأعمال الموسيقية البارزة عند بدايات القرن العشرين إسوة بأعمال رفاقه ومجايليه، من أمثال آلبن برغ وآرنولد شونبرغ وغيرهم من الذين أسسوا ما عُرف بالموسيقى الإثني عشرية، والموسيقى التسلسلية تلك التي خصّها الفيلسوف ثيودور آدرنو ببعض أصلب الدراسات الموسيقية في تلك الأزمنة. ولكن، كما أن لكل شيء استثناءاته، كذلك كانت الحال مع فيبرن، وعلى الأقل في مجال إطلاق عناوين محددة، غير تقنية على مؤلف من هنا ومؤلف من هناك. وهكذا الحال بالنسبة إلى قطعته البديعة المسماة «ريح الصيف». واللافت في هذه القطعة، التي ستُعتبر متأخرة كثيراً، على أي حال، الأشهر والأكثر شعبية بين أعمال فيبرن، التي لم تكن لصعوبتها فائقة الشعبية على أي حال، اللافت أنها ليست استثنائية فقط من ناحية حيازتها عنواناً قد يبدو رومانطيقياً، بل هي كذلك أيضاً، من ناحية تركيبها الموسيقي الذي يجعلها أقرب إلى موسيقى الانطباعيين الفرنسيين، ولا سيما ديبوسي وسان سانس، منها إلى موسيقى فيينا بدايات القرن العشرين.

 

 

> مهما يكن لا بد أن نذكر هنا أن فيبرن ما إن انتهى من تأليف تلك القطعة حتى أخفى مخطوطها تماماً بل إنه لم يعزفها أبداً في حياته ثم راح ينكر وجودها فظلت مخفية حتى عام 1962 أي بعد رحيله بسبعة عشر عاماً، حيث اكتشفت وقدمت للمرة الأولى من طريق قائد الأوركسترا يوجين أورماندي مع فرقة فيلادلفيا السيمفونية. فلماذا وأد الموسيقي قطعته التي يراها الخبراء من أكثر أعماله جمالاً؟ ربما لأنه في الوقت الذي أنجزها عام 1904، ضمن إطار أعمال غنائية عدة اشتغل عليها في حينه وكانت هي الأكثر طموحاً لأنه كان يخوض فيها العمل الأوركسترالي الكبير للمرة الأولى، اكتشف أنه إنما تأثر فيها بريتشارد شتراوس. وفي ذلك الحين كان آرنولد شونبرغ يخوض معركة شرسة ضد كل ما يمتّ إلى شتراوس بصلة. وكان على فيبرن الذي يدين لشونبرغ بالكثير أن يتبع معلمه في هذا. فأخفى العمل الذي سيعرف لاحقاً أن عزفه يستغرق نحو ثلاثة عشر دقيقة وبُني درامياً انطلاقاً من قصيدة رومانطيقية تحمل العنوان نفسه للشاعر برونو ويلي، الذي كان ملء الأسماع والأبصار في فيينا تلك الأيام.

 

 

> والحقيقة أن «تضحية» أنطون بعمله الموسيقي الجميل والمختلف هذا، ستبدو أكبر حجما وإثارة للدهشة والأسى إن نحن عرفنا أنه، هو الذي كان يوم تأليفها بالكاد تجاوز عامه لعشرين، بذل في سبيلها جهوداً إبداعية كبيرة محاولاً أن يقف بها، فنياً، خارج الأطر السائدة. وفيها كان يكتب للمرة الأولى لأوركسترا كبيرة تتألف من ثلاثة عشر آلة نفخ- تلعب دوراً أساسياً في العمل-، وستة أبواق- مهمتها محاكاة صوت الريح الصيفية في معظم الأحيان-، إضافة إلى العديد من الآلات الوترية- آلتي هارب- وآلات إيقاع، وما شابه. كل هذا خبأه فيبرن ذات لحظة ليعاد اكتشافه بعد عقود كاشفاً عن تطلعات موسيقية كان في إمكانها لو اكتملت، أن تقود فيبرن إلى غير العالم الإبداعي الذي اختاره لنفسه.

 

 

> في كل الأحوال، كان انطون فيبرن واحداً من كبار موسيقيي النصف الأول من قرننا العشرين هذا. كان مهماً كمؤلف وملحن، ولكن أيضاً كقائد أوركسترا، غير أنه عانى، كما يعاني عادة تلاميذ الكبار وكما تكشف لنا حكاية «ريح الصيف»، من تلمذته على يدي شونبرغ، مبتكر الموسيقى الاثني عشرية، الذي ألقى بظله على التأليف الموسيقي في بدايات هذا القرن، وصار أي تأليف من أوروبا الوسطى على الأقل غير قادر على أن تكون له أهميته ومكانته إن لم ينتسب إليه سلباً أو إيجاباً. فيبرن كان واحداً من أبرز تلاميذ شونبرغ، وارتبط به اسمه، ولكن حين حاول فيبرن أن يحلق وحده وراح يبتعد عن تعاليم أستاذه، لم يتمكن من ذلك طويلاً، على رغم أن النقاد والجمهور كانوا يستقبلون أعماله «المستقلة» بكل ترحاب وإعجاب. كان شيء ما يربط تلك العلاقة بين فيبرن وشونبرغ، مما كان يمزق الأول ويشعر الثاني بتفوقه الدائم على تلميذه.

 

 

> مهما يكن، فإن العلاقة لم تكن أبداً تناحرية بل إن فيبرن ظل يحتفظ لأستاذه الكبير فضله عليه، إلى درجة أنه عام 1941 حين كان في أمسّ الحاجة إلى العمل، وقد بات فقيراً معدماً بعد أن سد عليه وجود النازيين في الحكم كل منفذ، سعى أصدقاء له لتعيينه في منصب أستاذ للموسيقى في أكاديمية فيينا، ففرح بالأمر أولاً، لكنه سرعان ما رفض المنصب، لأن مسؤولي الأكاديمية اشترطوا عليه، أول ما اشترطوا، لا يأتي خلال التدريس على أي من تعاليم شونبرغ. وهذا ما جعله يعيش بعد ذلك في عزلة تامة وبؤس مذهل حتى مات، غداة تحرير بلده من ربقة النازيين يوم 16 أيلول (سبتمبر) 1945. وكان حين وجدوه ميتاً في بيت ابنته في الريف منحنياً بهدوء على النافذة يتأمل غروب الشمس، ولقد تبين أنه مات بفعل رصاصة أصابته كان مطلقها واحداً من جنود الاحتلال الذين أخذوا يطلقون النار كيفما اتفق خلال انسحابهم. وكأن قدر فيبرن شاء له، هو الذي عادى النازيين فعادوه إلى درجة أوصلته إلى البؤس، شاء له أن يموت على أيدي آخر جنودهم المنسحبين.

 

 

> ولد أنطون فيبرن في فيينا عام 1883، ابناً لأسرة متواضعة واتجه منذ صباه إلى دراسة الموسيقى، وفي الجامعة درس الفلسفة والموسيقى معاً. ومنذ عام 1904 أصبح تلميذاً لشوينبرغ الذي كان في قمة مجده في ذلك الحين. وبعد ذلك بعامين كان قد بدأ يكتب أولى مقطوعاته وكانت ألحاناً لقصائد وضعها الشاعر ستيفان جورح. وكان تأثير شونبرغ واضحاً عليه منذ تلك السنوات. غير أن «القطيعة» الأولى بين التلميذ وأستاذه حدثت في 1908 حين قرر فيبرن بينه وبين نفسه أنه صار متأثراً بالأستاذ أكثر مما يجب، فراح يكتب قطعاً تخرج عن نطاق تعليمات هذا الأخير، ثم توقف بعض الوقت عن كتابة الألحان ليخوض تجربة قيادة الأوركسترا، فنجح نجاحاً كبيراً جعل ثقته بنفسه تعود إليه، فاستأنف كتابة الألحان، ودائماً وفق أسلوبه المتأثر بالأستاذ، وإن كان قد آثر لألحانه أن تبتعد أكثر وأكثر عن المزاج التعبيري الذي كان سائداً، ليخوض في نوع من العقلانية الباردة التي لا تزال تحس في أعماله حتى اليوم. ومن هذه الأعمال التي تعود إلى تلك الفترة «مقطوعات الرباعي الوتر» (1919)، و «4 مقطوعات للكمان والبيانو» (1910) وبخاصة، بحسب الناقد لويجي بستالوزا «ست مقطوعات لرباعي الوتر» (1910). فكل هذه الأعمال التي كتبت في وقت واحد تقريباً إنما جاءت لتعبّر عن رغبة فيبرن في كتابة أعمال ذات تعبير صوتي مطلق منعتق من كل روابط شكلية تراثية.

 

 

> في 1914 جند فيبرن في الجيش، وحين انتهت الحرب أقام منذ عام 1918 في مدينة مودلنغ بالقرب من فيينا، حيث انصرف لكتابة أعماله الموسيقية ولتدريس الموسيقى للأفراد، متعاوناً بعض الوقت مع معهد فيينا الخاص للموسيقى الذي كان أسسه شونبرغ. لكن ذلك التعاون سرعان ما توقف، وعاش فيبرن فترة جمود أفاق منها أوائل الثلاثينات، على رغم اسوداد الوضع السياسي، ليغرق في كتابة أعمال جديدة، حاول فيها أن يطور أساليبه القديمة من دون أن يخرج عليها كلياً، فكانت المرحلة التي كتب فيها أعمالاً لا تنسى مثل «تنويعات للبيانو» (1936) و «تنويعات للأوركسترا» (1936) و «لاكانتاتا - العمل رقم 31» على نص من تأليف هلدغارد جون، وهذه هي الأعمال التي يرى النقاد والمؤرخون اليوم أنها تكشف عن عالم فيبرن أكثر من غيرها، وتوصل رسالته الفنية والروحية سواء بسواء. والأعمال التي وصفت بأنها «تنقيطية» على غرار لوحات سورا، حيث لكل نغمة ونوطة قيمتها الخاصة، فيؤلف المجموع عملاً فسيفسائياً متكاملاً وجديداً.

مصدر الخبر
الحياة

أخبار متعلقة