"كان يمكن للأمر أن ينتهي سريعًا لو كان القاتل غير القاتل والشهيد غير الشهيد".. لم يكن اغتيال القائد القسامي مازن فقها إلا بنذيرٍ قد يجلب من ورائه الوعيد لإسرائيل، فحركة المقاومة الفلسطينية "حماس" اتهمت صراحةً الاحتلال بالوقوف وراء اغتيال قائدها، والآن بات ينظر إلى الرد.. أي رد.
بعد أيام قليلة من انتخابه رئيسًا للمكتب السياسي "الحمساوي"، وقف إسماعيل هنية بنبرة صاخبة معلنًا مازن فقها" target="_blank">اعتقال قاتل مازن فقها الذي اغتيل في مارس الماضي وهو أحد "الأسرى المحررين" في صفقة شاليط عام 2011، بل واتهم هنية الاحتلال الإسرائيلي بالوقوف وراء عملية الاغتيال، وهو ما فرض تساؤلات عمَّا يُتوقع حدوثه من رد "حماس" على هكذا عملية، لا سيَّما أنَّ الشهيد كان قياديًّا رفيعًا ومن قادة الصف الأول في "القسام".
اغتيال مازن شكَّل – كما يرى محللون – ضربة أليمة لحركة حماس وللشارع الفلسطيني لا سيَّما في قطاع غزة الذي تسيطر عليه الحركة، والذي اُعتبر لسنوات أنَّه جبهة حصينة أمام هذا النوع من الاغتيال في ظل حكم الحركة.
مازن فقها كانت سلطات الاحتلال قد اعتقلته في أغسطس 2002 وحكم عليه بالسجن تسعة مؤبدات وخمسين سنة إضافية وأطلق سراحه في 2011، وأبعد إلى غزة في إطار صفقة "وفاء الأحرار" التي أفرجت بموجبها حماس عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي أسرته الحركة خمس سنوات في غزة، مقابل إطلاق الاحتلال أكثر من ألف أسير فلسطيني.

اغتيال مازن.. كيف؟
حكاية اغتيال مازن بدأت حول الساعة الثامنة من مساء 24 مارس الماضي، عندما نفَّذ المهاجمون عملية الاغتيال بإطلاق أربع رصاصات عليه مستخدمة "كاتم صوت" في حي تل الهوا.
عقب العملية، تولت كتائب "القسام" التحقيق في العملية، وأغلقت الحدود البرية والبحرية لقطاع غزة بالكامل، كما أطلقت عمليات رصد وتمشيط وإغلاق للحواجز الأمنية، ومنعت الدخول والخروج من القطاع.
مصدر أمني فلسطيني كشف تفاصيل أوردها "عربي 21"، قال فيها إنَّ القاتل تبيَّن أنَّه أشرف أبو ليلة وهو في الثلاثينات من عمره، ويسكن مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، وكان في السابق عضوًا في كتائب القسام – الذراع العسكرية لحماس، لكنَّه طرد عام 2008 بسبب تجاوزاته الأخلاقية، وعدم احترام القانون والاعتداء بشكل غير مبرر على بعض المواطنين.
المصدر تحدَّث أنَّ "أبو ليلة" اعتقل بعد نحو 15 يومًا من حادثة الاغتيال، لكنه حاول نفي ارتباطه بالجريمة بكل الطرق والوسائل، إلى أن تمكنت الأجهزة الأمنية من إثبات تورطه في الحادثة بالأدلة الدامغة.
التقارير الإعلامية تحدَّثت عن أنَّ قاتل القيادي الحمساوي كان عنصرًا سابقًا في كتائب القسام وتمَّ فصله قبل سنوات بسبب "تجاوزاته السلوكية" قبل أن ينضم إلى جماعات متشددة قبل أن يرتبط بالموساد الإسرائيلي، وهو ما فسِّر بأنَّ المقاومة دأبت على فصل كل المخالفين أخلاقيًّا أو سلوكيًّا حرصًا على نظافة الصف المقاوم، ما يعني أنَّ الحركة لديها جهاز استخباري يراقب عناصرها طوال الوقت.

هل تولّد الخوف؟
بيد أنَّ حدوث هذه العملية في قطاع غزة يفرض حالةً من القلق لدى الناس على شعورهم بالأمن في القطاع بداعي الضربة الأمنية التي وجَّهتها إسرائيل بهكذا عملية، وهو ما دعا هنية بمستواه القيادي كرئيس للمكتب السياسي، معطيًّا رسالة طمأنينة للشعب الفلسطيني بأنَّ الأجهزة الأمنية قادرة على ضبط الموقف وفرض الاستقرار في القطاع.
"هذا القاتل وفي كل من له علاقة بهذه الجريمة سننفذ فيه الحكم العادل والقصاص العادل على قاعدة العدالة الثورية".. تعالت صيحة هنية وهو يعلن عقاب القاتل، إلا أنَّ كون هنية نفسه من يعلن ذلك وفي أول مؤتمر صحفي له عقب انتخابه فهذا عكس مدى الاهتمام بهذه القضية.
هنية يتهم إسرائيل.. ماذا بعد؟
هنية جدَّد اتهام إسرائيل عن عملية الاغتيال من خلال تعليمات مباشرة لأحد عملائها في غزة كما دلَّت التحقيقات مع القاتل الذي لم يكشف عن اسمه، وهو كشفٌ يمثل ضربةً للمخابرات الإسرائيلية، كما يرى محللون فلسطينيون.
ويبدو أن إسرائيل حاولت من خلال هذه العملية أن تعرقل القيادة الجديدة في حركة حماس، حيث أنَّ العملية جاءت قبل نحو شهر من إجراء انتخابات المجلس السياسي التي فاز بها هنية، حيث سعى الاحتلال إلى الزج بهذه الكرة في طريق القيادة الجديدة.

أيضًا في سياق الاتهام الفلسطيني، أكَّد المصدر الأمني أنَّ القاتل كان مجرد فرد في خلية إسرائيلية يتجاوز عدد أفرادها العشرة، وجميعهم أصبحوا الآن في قبضة أجهزة أمن حركة حماس.
المصدر ذكر أنَّ "أبو ليلة" ارتبط حديثًا بجهاز الموساد، وأنَّه لم يمض على ارتباطه سوى عدة أشهر، لافتًا - في ذات الوقت - إلى أنَّ ثمانية من المعايير التي وضعتها أجهزة "حماس" الأمنية في غزة لتطبيقها على المشتبهين في الحادثة تطابقت على أبو ليلة، وقادت إلى اعتقاله منذ البداية كأحد القتلة المفترضين.
كتائب القسام بدورها حمَّلت إسرائيل مسؤولية اغتيال "مازن"، بل توعّدت الاحتلال بـ"الثأر" على هذه الجريمة.
.jpg)
الرد.. الاحتلال يتهم حماس
الاتهام الحمساوي للاحتلال كان قد قوبل بردٍ رئيس وزرائه أفيجدور ليبرمان الذي زعم أنَّ حركة حماس ربما تكون هي المسؤولة عن اغتيال فقها، وقال: "دعوا حماس تقوم بما تريده ونحن سنقوم بما يتوجب علينا فعله.. حماس معروفة بالاغتيالات الداخلية لتصفية الحسابات".
ليبرمان أيضًا أكَّد أنَّ إسرائيل لا تبحث عن "مغامرات" في قطاع غزة، وهو في ذلك يعي الكلفة الحقيقية لتورُّط تل أبيب في العملية، كون ذلك سيكون مصحوبًا بردٍ من المقاومة، فبينما يصف جيش الاحتلال نفسه بأنَّه لا يُقهر إلا أنَّه لطالما يُقهر ويكذب أيضًا، وخير دليل على ذلك ليس فقط المواجهات التي تندلع في بعض الشوارع والمدن لكنَّ أيضًا ما تمكَّن من خمسة رجال من القوات البحرية الخاصة التابعة لـ"حماس" حين اقتحموا قاعدة زكيم العسكرية المحصنة على شاطئ عسقلان قبل عدوان يوليو 2014 على القطاع.
هذه العملية قال الاحتلال يومها إنَّه تمكَّن من قتل المهاجمين فور نزولهم إلى الشاطئ، لكنَّ مقطع فيديو مسرب أظهر كذب الاحتلال، إذ بيَّن أنَّ المقاومون نزلوا على الشاطئ واجتازوا ووصلوا القاعدة واقتحموها واقتربوا من جنود الاحتلال إلى "المسافة صفر" وتمكَّنوا من تفجير دبابة "مركبة" بمن فيها، وفي أثناء عودتهم إلى الشاطئ قتلتهم قوات الاحتلال في استهداف مباشر كان أقرب للإعدام.
لعلّ هذه العملية وغيرها كثر، تظهر مدى التقدم النوعي في إمكانيات كتائب "القسام" – الذراع لعسكري لحركة حماس – وهو ما يدخل الفزع في قلوب الإسرائيليين، وهو أيضًا ما يجعلهم يدركون أنَّ المواجهة مع المقاومة إذا كانت مربحةً لهم في تصفية "قساميين" إلا أنَّ خسائرهم كثيرة ورعبهم أكثر.

هل تلوح مواجهة عسكرية؟
أستاذ العلوم السياسية الدكتور أيمن الرقب قال إنَّ أشرف أبو الليل هو واحد من كثيرين تمكَّن من التسلل داخل كتائب القسام، ووصل إلى مراحل متقدمة في الحركة قبل أن يقتل مازن فقها.
وأضاف لـ"مصر العربية": "كنت أود أن تعتذر حماس عن جريمة قتل مازن فقها وأيضًا قتل عشرة ضباط من حركة فتح قتلتهم حماس قبل سنوات، وهذا الاعتذار سيكون مدخلًا مهمًا في معالجة ملف العملاء".
وتابع: "حماس تكابر في الاستعانة بخبرات وتجارب حركة فتح في كشف العملاء، ولا أعتقد أنَّ الكشف عن تفاصيل مازن فقها" target="_blank">اغتيال مازن فقها سيدفع نحو التقارب بين حركتي فتح وحماس في هذا الصدد لأن حماس لم تعتذر لحركة فتح".
الرقب استبعد أي تصعيد في المرحلة المقبلة بين حماس والاحتلال، وفسَّر ذلك بالقول إنَّ الحركة غير مستعدة لهكذا مواجهة وكذا إسرائيل، لافتًا إلى أنَّ حماس تسعى إلى تثبيت سلطتها في قطاع غزة من خلال أصدقائها بالخارج سواء قطر أو تركيا.
"القيادي الفتحاوي" أشار إلى تقارير تتحدث عن مباحثات بين ترامب ونتنياهو بشأن إنشاء ميناء ومطار في قطاع غزة تحت إشراف الأمم المتحدة ضمن مقابل تسليم حركة حماس السلاح الذي بحوزتها، ولم يستعبد أن يُحدث هذا الأمر انفراجة نسبية في المرحلة المقبلة.
وأوضح الرقب أنَّ حماس لم تعد حركة عقائدية ولكنها "سياسية"، ما يعني أنَّه من الممكن أن تتحول من حالة الحرب إلى السلم.
.jpg)
إسرائيل تخشى التبعات
المحلل الفلسطيني إبراهيم حبيب اعتبر أنَّ نجاح الأجهزة الأمنية بغزة في كشف ملابسات العملية خلال 48 يومًا يعد إنجازًا كبيرًا، مرجعًا ذلك لما أسماها "تعقيدات" العملية الاستخبارية التي تمَّ من خلالها من تنفيذ عملية الاغتيال.
وقال حبيب إنَّ بصمات الموساد الإسرائيلي في كل عمليات الاغتيال تظهر من خلال تعقيد العملية حتى يصعب كشفها، حيث تعمل هذه الأجهزة في تنفيذ العملية على ثلاث دوائر أساسية، الأولى هي الرصد والمتابعة وتكون مرتبطة بضابط المخابرات مباشرةً، والثانية دائرة الإمدادات واللوجستيات وتوفير المعدات والأموال المطلوبة لتنفيذ العملية والثالثة دائرة التنفيذ.
وأضاف أنَّ أيًّا من عناصر هذه الدوائر لا يكون مرتبطًا بالآخر بينما الكل مرتبط بالموساد الإسرائيلي "الضابط المسؤول عن العملية"، موضِّحًا- لـ"الجزيرة" - أنَّ الأجهزة الأمنية عندما تكشف إحدى الدوائر تقطع الأحبال وبالتالي يصعب الكشف عن مثل هذه التفاصيل، ما يستدعي وقتًا لكشف كل الدوائر للوصول إلى الحقيقة كاملةً.
استمرار الإنكار الإسرائيلي لتورطها في اغتيال "مازن" فسَّره حبيب بأنَّها لا تريد أن تتحمل تبعات هكذا عملية سواء سياسيًّا أو قانونيًّا أو حتى عسكريًّا، وقال: "إسرائيل كانت تراهن أولًا بأنَّ هذه العملية لن يتم كشفها من خلال التعقيدات التي وضعتها، إضافةً إلى أنَّ كل العمليات الاستخبارية التي كانت تنفِّذها إسرائيل لفَّتها حالة من الغموض فهي لا تريد أن تضع نفسها في حالة حرج مع الدول التي يتم تنفيذ العمليات بها".
رد استخباراتي أم عسكري؟
الكاتب الفلسطيني حمزة أبو شنب رأى أنَّه ليس من السهل أن ترد حركة "حماس" بعملية عسكرية ضد إسرائيل جرَّاء عملية الاغتيال، غير أنَّه أوضح أنَّه حركة المقاومة ردَّت استخباريًّا على الاحتلال، وذلك بالقبض على عددٍ من عملائه في قطاع غزة.
وأضاف أنَّ المقاومة أصبح لديها عدة اعتبارات من أجل الرد على مثل هذه الأمور، غير أنَّه شدَّد على أنَّ المقاومة باتت تفكر بطرق مختلفة حيث لم يعد يقتصر الأمر على الفعل ورد فعل فقط.