التنافس بين المحلي والدولي من الأخبار ما زال الشغل الشاغل لفريقين من المشاهدين. فريق يرى أن ما يهمه بالدرجة الأولى هو ما يخصه شخصياً مثل ارتفاع أسعار السلع الغذائية أو هبوطها، بينما يرى الفريق الثاني أن ما يخصه شخصياً أمر مفروغ منه لا بد من معرفته، بينما يصبح الرهان على ما لا يخصه هو الأهم.
الأحد الماضي امتلأت شاشات الإعلام المرئي المصري بالنوعين، وجلس أنصار الفريق الأول يقلبون القنوات الخاصة والعامة بحثاً عن تسهيلات أعلنتها الحكومة، في ما يخص أسعار السلع في رمضان الذي يهل بعد أسبوعين. وزاد الأمر غموضاً حين قدمت الإعلامية لميس الحديدي عبر برنامجها ذي المشاهدة المرتفعة على «سي بي سي» تحقيقاً حول جديد المنظومة التموينية الحكومية محيطة نفسها بكوكبة من المسؤولين للرد على مداخلات المشاهدين الذين لم يجدوا إجابات شافية، كما ظنت هي، فأصبحت في موقف صعب بين هؤلاء وأولئك، غير أنها لم تنس مثل غيرها من أصحاب البرامج في قنوات عدة أن «مجلس الأمة» صادق على قانونين مهمين ظلا طويلاً قيد الانتظار هما قانون الاستثمار وقانون الرياضة.
تبدو حال القنوات وبرامجها صعباً حين تجد كل هذه الموضوعات المهمة من دون استعداد كبير، إذ لم يسمح الوقت بهذا، غير أن التعويض جاء من خارجها، بل من خارج المنظومة كلها بإعلان انتهاء التصويت في فرنسا وفوز إيمانويل ماكرون على مدام لوبن، والاحتفالات التي ملأت ساحات اللوفر ومدن فرنسا الأخرى وفرق الموسيقى والغناء ووقوف الرئيس الجديد الشاب (39 عاماً) ثابتاً رابط الجأش يلقي كلمته الأولى ثم الثانية من أمام المتحف الكبير ووراءه الهرم الزجاجي الشهير.
استطاع هذا الحدث الخارجي أن يكتسح الشاشات المحلية وأن يدفع مشاهدين لا يهمهم حال العالم الخارجي إلى الاهتمام به، لجاذبية الصورة، وروعتها من خلال عناية بالغة أولتها الكاميرات الفرنسية المسؤولة عن تغطيات الانتخابات وما بعدها، والتوقعات المبدئية بفوز ماكرون وخطة الاحتفال بالفوز في رحاب الميدان الكبير المواجه لـ «اللوفر» وربما أيضاً تلك المسافة التي قطعها ماكرون وحيداً لينتقل إلى الميكروفون ويوجه رسالته الأولى إلى العالم.
استطاع الحدث أن يفرض نفسه على الجميع، من خلال كل الوسائل، سواء استعدت القنوات أولاً، بخاصة، حين بدا الاستعداد كبيراً في دولة الخبر، فرنسا وقناتها الشهيرة القومية «فرنسا 24»، والتي أفردت استوديو تحليلياً ضم ستة محللين، ثم القنوات الدولية والعربية التي لم تتأخر عن المتابعة الدقيقة للحدث مثل قنوات «العربية» و «الغد» و «النيل للأخبار»، وأيضاً المحلية وليصبح هذا الحدث الدولي هو الأهم والأقوى مع كل الأهمية التي يوليها العديد من القنوات لأحداثها الداخلية.
ومن الجديد هنا في إطار تعامل المشاهدين مع أحداث من تلك النوعية سرعة استجابتهم والتوقف عندها، خصوصاً مع قوة التغطيات وما يتخللها من بعض الأمور الشخصية مثل تصريحات «مدام لوبن» المنافسة لماكرون والتي قالت بعد هزيمتها أنها وحزبها حققا نجاحاً تاريخياً! ومثل قصة عائلة ماكرون من خلال الصورة التي التقطت لها بعد إلقائه خطابه وقبل انتهاء الاحتفال بدقائق حين ظهرت الزوجة وفريق من الجنسين أحاطوا بالرئيس الجديد ومعهم طفلة صغيرة في صورة قريبة من تلك التي التقطت منذ شهور قليلة للرئيس الأميركي دونالد ترامب... لكنها صورة سريعة لم تتوقف عندها الميديا الفرنسية في تلك اللحظات كثيراً، إذ يبدو أن الفوارق بينها وبين الميديا الأميركية واضحة في ما يخص أسلوب تقديم الرئيس وطرح حياته الخاصة ضمن الكتلة الإعلامية الجديدة أو الباقة المهداة للمشاهدين في بداية زمن جديد للرئيس، وسياساته.
الميديا الفرنسية لعبت دورها بمهارة في هذا اليوم، وما قبله حين نقلت مناظرات كل المرشحين حتى هذا اليوم المشهود.