يبدو أن هناك اتجاهات داخل مراكز الرأي في الولايات المتحدة، تواصل التأكيد على أهمية التواجد العسكري الأمريكي الفعلي داخل بلدان الشرق الأوسط.
فبعد دعوة ديفيد شينكر مدير برنامج السياسة العربية في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأوسط، إلى تواجد قوات أمريكية في سيناء بحجة تقديم الدعم الفني والتدريب للجيش المصري، استنادا إلى فشل الحكومة المصرية في مواجهة الإرهاب. يدعو محللون أمريكيون إدارة الرئيس الأمريكي إلى العمل على إقامة مناطق آمنة في سوريا، تحميها قوات أمريكية ودولية.
الحجة هذه المرة تتمثل في حماية المدنيين السوريين من ضربات النظام السوري وداعش معا، ووقف تدفق اللاجئين، الذي يهدد بزعزعة استقرار المنطقة، وفق ما يرى بول ويليامز أستاذ القانون والعلاقات الدولية، وتريفور ألبريك، المحامي الدولي.
ففي مقال نشرته مجلة فورين أفيرز، يشير كل من ويليامز وألبريك إلى أن الهجمات الصاروخية الأمريكية على قاعدة جوية سورية قبل ثلاثة أسابيع ـ ردا على استخدام قوات الأسد في أبريل الغاز ضد المدنيين في المناطق التي يسيطر عليها المتمردون ـ
كانت المرة الأولى التي تستخدم فيها الولايات المتحدة القوة في البلاد، ومن غير الواضح ما إذا كانت ستكون الأخيرة. بعد مرور سبع سنوات من النزاع في سوريا، تقدر أعداد من نزحوا من بيوتهم أو ماتوا في محاولتهم للهرب بنحو 11 مليون سوري، ومن المؤكد أن هذا العدد سيزداد من دون تدخل دولي. وكان ترامب قد دعا خلال حملته الانتخابية إلى "بناء منطقة آمنة جميلة كبيرة "في سوريا.
وأكد الرئيس الأمريكي مؤخرا دعمه للمناطق الآمنة خلال مكالمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. الا أن وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس دعا إلى توخي الحذر بشأن المقترحات الاخيرة للمنطقة الامنة، قائلا "إن الشيطان يكمن دائما في التفاصيل".
ويقر ويليامز و ألبريك، في مقالهما، بأن المخططين العسكريين الأمريكيين على حق في أن يكونوا حذرين. غير أنهما يؤكدان أن المناطق الآمنة علاجا فعالا للأزمة الإنسانية في سوريا.
وقد يكون الدفاع عنها وحمايتها أسهل من حماية قنوات المعونة الإنسانية، وربما توفر حماية جيدة لسكان سوريا الذين يعانون منذ فترة طويلة.
وكانت معظم الأطراف المعنية بالأزمة في سوريا، مثل روسيا وتركيا والولايات المتحدة والدولة السورية، أعربت عن دعمها لفكرة المنطقة الآمنة خلال محادثات السلام الأخيرة في الآستانة. لكن الكاتبين ينبهان إلى أن عدم إدارة الفكرة بشكل صحيح، قد يتسبب في نتائج عكسية تضر أكثر مما تنفع. ومن ثم فهما ينصحان إدارة ترامب بمراعاة ستة عناصر حاسمة، عند إنشاء المنطقة الأمنة:
أولا: يجب أن يتعلم المخططون من التاريخ. تاريخيا، لم تكن المناطق الآمنة آمنة بالفعل. وخلال الصراع البوسني في التسعينيات، أعلنت الأمم المتحدة سريبرينيتشا "منطقة آمنة"، وتركت زهاء 50 ألف مدني تحت حماية حوالي 400 من حفظة السلام الهولنديين المسلحين تسليحا خفيفا.
وفي غضون أيام قليلة، قتل ما يزيد على ثمانية آلاف من الفتيان والرجال على أيدي قوات صرب البوسنة في أسوأ عملية قتل جماعي شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
ولكن المناطق الآمنة نجحت عندما كانت الإرادة السياسية متماشية مع القدرة العسكرية؛ ففى عام 1991، أقام تحالف أمريكى أوروبى يضم أكثر من 20 الف جندى منطقة حظر جوى ومنطقة آمنة فى شمالى العراق لحماية الأكراد العراقيين من قوات صدام حسين.
ولم تنجح العملية في إنقاذ آلاف المدنيين فحسب، بل منعت أيضا نزوح اللاجئين إلى تركيا. ومن المؤكد أن إنشاء منطقة آمنة في سوريا ـ ذات المقاتلين المسلحين جيدا وتحالفاتهم المتغيرة، سيكون أكثر صعوبة مما هو عليه في العراق.
ثانيا: على ترامب أن يرسل الرسائل الصحيحة. فسوف يحتاج إلى مبررات واضحة، ترضي حلفاء الولايات المتحدة والشعب الأمريكي. ولكن حتى الآن، كانت رسائل الإدارة الموجهة إلى سورية مشوشة.
فقال سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة نيكي هالي، بعد هجوم استخدام الأسد للغاز ضد المدنيين، إن تغيير ذلك النظام يمثل "أولوية". غير أن ريكس تيلرسون وزير الخارجية، أشار إلى أن السياسة الأمريكية تركز على هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية ومنع الهجمات الكيميائية في المستقبل.
ويؤكد المقال على ضورة أن تنظر الإدارة الأمريكية في إعادة صياغة سياستها تجاه سورية من الناحية الإنسانية. وإذا ما فعلت ذلك، يمكنها تبرير المناطق الآمنة كخطوة ملموسة نحو إنقاذ اللاجئين السوريين من الأسد وداعش.
ومن شأن ذلك أن يبعث برسالة قوية إلى الأسد وربما يعيد إحياء عملية السلام السورية. ولأن الأسد يعتمد بشدة على الهجمات الجوية العشوائية على المناطق المدنية التي يسيطر عليها المتمردون، قال خبراء عسكريون إن المناطق الآمنة في سوريا ستحتاج إلى منطقة حظر جوي من أجل حماية المدنيين بشكل فعال. كما يمكن لمنطقة حظر الطيران أن تعرقل بشكل كبير قدرة الأسد على استخدام القوة الجوية. ومن ثم يحرم الأسد من أكثر أساليبه وحشية، وربما يسعي إلى تسوية تفاوضية.
وثالثا: يمكن أن يكسب ترامب، دعم القانون الدولي لقضية المناطق الآمنة في سوريا. فبعد الهجوم الأمريكي الأخير، يمكن للأسد أن يعتبر أي تدخل أمريكي في سوريا تمهيدا لتغيير النظام.
ولكن القانون الدولي يمكن أن يساعد في تخفيف هذه المخاوف، على الأقل بالنسبة لحلفاء الولايات المتحدة. على سبيل المثال، يمكن للولايات المتحدة أن تتذرع بعدد من الأسس القانونية لدعم المناطق الآمنة في سوريا.
ففي لحظة توافق نادرة، أصدر مجلس الأمن القرار 2254، الذي يطالب المقاتلين السوريين بوقف استهداف المدنيين. وبوسع ترامب أن يبرر المناطق الآمنة عند الضرورة، بالرغبة في حماية المدنيين السوريين من عمليات القتل المستهدف، التي أدانها المراقبون الدوليون.
ويمكن للولايات المتحدة أن تعتمد أيضا على مبدأ المسئولية عن الحماية، وهو مبدأ قانوني ينطبق عندما تكون دولة ذات سيادة غير راغبة أو غير قادرة على منع الفظائع الجماعية داخل حدودها، كما فشل مجلس الأمن مرارا في وقف هذه الفظائع.
لكن "مسئولية الحماية" سوف تسمح فقط بقوات للدفاع عن المنطقة الآمنة في سوريا، وليس حملات العسكرية ضد داعش أو نظام الأسد.
وفى الوقت نفسه، اذا تدخل الناتو الى جانب الولايات المتحدة، فان ذلك قد يبرر اقامة مناطق آمنة على طول الحدود التركية كدفاع جماعي عن دولة عضو في الناتو.
رابعا: سوف تحتاج الإدارة أيضا إلى وضع قواعد واضحة للمشاركة. وكما هو الحال في عملية "توفير الراحة" في العراق، يجب حماية المناطق الآمنة بواسطة قوة جوية وبرية قوية تابعة لسلسلة قيادة واضحة.
والمعروف أن المناطق الآمنة؛ من سربرينتسا إلى جنوب السودان، فشلت على وجه التحديد لأنها لم تكن محمية بشكل كاف. وقد نجمت هذه الإخفاقات عن نقص الإرادة السياسية، أكثر منها بسبب عدم كفاية القوة العسكرية؛ وكثيرا ما تعمل قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة تحت قواعد المشاركة الضعيفة التي تضمن جميعها عدم قدرتها على التدخل.
ومن شأن قواعد المشاركة القوية أن توضح للأسد واللاجئين أن الولايات المتحدة جادة في حماية المدنيين الذين يدخلون المنطقة. ولكن حتى الآن، ربما لا تكون هناك إرادة سياسية كافية في الولايات المتحدة لتوفير المشاركة القوية المطلوبة.
وخامسا: سوف تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية خروج. حيث يرى الكاتبان أن أكبر خطر تنطوي عليه المناطق الآمنة، أنها يمكن أن تجذب الولايات المتحدة وحلفائها إلى الصراع الطاحن المتعدد الأبعاد في سوريا إلى أجل غير مسمى. ونظرا لتهديد نظام الأسد للمدنيين السوريين، يجب على الولايات المتحدة ربط الانسحاب باتفاق وقف إطلاق النار أو اتفاق سلام على مستوى البلاد يضم قوات حفظ سلام دولية.
ويتوقع التحليل أن الاستراتيجية الأمريكية الإنسانية في سوريا، ربما تشجع إيران وروسيا على دعم التسوية التفاوضية، مما يؤدي إلى استقرار حقيقي في المنطقة. وفي الوقت الذي تبحث فيه إدارة ترامب سياسة المنطقة الآمنة، يجب أن توضح كيف ستنسق عملياتها العسكرية مع مشاركتها في عملية السلام السورية والانتقال السياسي الذي لم يحدث حتى الآن.
وأخيرا، يجب على المناطق الآمنة أن تنشئ القانون والاستقرار وأن تكفل تلبية الاحتياجات الأساسية للاجئين - الغذاء والدواء والمأوى. ولكن الجيش الأمريكي سوف يحتاج إلى دعم دولي لمنع تسلل الجماعات المتطرفة إلى المناطق الآمنة. لأن الجنود الأمريكيين الذين يقومون بحماية اللاجئين السوريين سيثيرون بشكل غير مريح ذكريات العراق وأفغانستان. ولتوفير الأمن الداخلي، سيكون الحلفاء الإقليميون، أكثر فعالية بكثير، حيث يجمع بين جنودهم وبين السوريين روابط ثقافية ولغوية وثيقة.
والواقع أن العديد من حلفاء أمريكا في المنطقة أعربوا بالفعل عن تأييدهم للمناطق الآمنة. ففي شمال سوريا، ربما تكون تركيا ـ التي دعت بالفعل "المناطق الخالية من الإرهاب" على طول الحدود السورية ـ شريكا مستعدة طالما لم تشارك القوات الكردية. وفي جنوب سوريا، حيث ينشط حزب الله وتنظيم داعش، سيكون إنشاء مناطق آمنة أكثر خطورة من الناحية العسكرية. لكن كلا من إسرائيل والأردن يبدوان حريصين على وقف موجة اللاجئين ومنع الجهات الفاعلة غير الحكومية من إقامة موطئ قدم استراتيجي على حدودها. ويمكن أن تحقق المناطق الآمنة الفعالة كلا الهدفين.
ولا يزال تطوير مناطق آمنة داخل سوريا احتمالا حقيقيا، وقدمت روسيا خطة للمناطق الآمنة خلال مفاوضات الأستانة لوقف إطلاق النار في الأسبوع الماضي.
وقال لافروف بعد مناقشة هذا الاقتراح خلال اجتماعه مع ترامب وتيلرسون هذا الاسبوع ان روسيا تأمل فى ان تتطور النقاشات الدبلوماسية حول المناطق الامنة الى اتفاق مستدام لحماية المدنيين. ويخلص الكاتبان إلى أن هذه المناقشات رفيعة المستوى تؤكد أن المناطق الآمنة يمكن أن تكون في صالح كل من الولايات المتحدة وروسيا.
ويعترض الكاتبان على بعض خبراء السياسة الخارجية الذين يجادلون بأن الولايات المتحدة ليست لها مصلحة حيوية في مصير سوريا، مشيرين إلى أن أزمة اللاجئين لها انعكاساتها الآن خارج سوريا، كما أنها تهدد بزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط وتعطل المجتمع الأوروبي. ومن الممكن أن يؤدي توفير جيوب آمنة داخل سورية إلى وقف تدفق اللاجئين.