«هل تريدون أن تلعبوا معي؟»... «جان القمري»... «هل تعرفون كيف تزرعون الملفوف؟»... «بالقرب من شقرائي»، هذه العناوين وغيرها في لائحة يمكن أن تطول، يعرف كثر من الذين لهم إلمام بالثقافة الشعبية الفرنسية، أنها عناوين أغنيات تُغنّى في الحياة اليومية الباريسية وغير الباريسية وتعتبر أحياناً تراثاً شعبياً من الصعب معرفة من كتب كلماته أو وضع ألحانه. إنها أغنيات الأعياد والمناسبات الشعبية في فرنسا. لكنها كذلك عناوين يحملها بعض أطرف مسرحيات الكاتب الفرنسي مارسيل آشار الذي بمقدار ما اشتهر بمسرحياته الشعبية هذه، اشتهر باستقاء عناوينها من الفولكلور الشعبي، ما كان يضمن منذ البداية شيئاً من الشعبية لها، حتى وإن كان المتفرجون لا يتوقعون أبداً للمسرحيات أن تكون ترجمة على الخشبة لما تقوله الأغنية ولا لألحان الأغنيات أن تكون هي هي موسيقى المسرحية المصاحبة. بالنسبة إلى آشار كان عنوان أغنية ما يجد نفسه مترنماً بها عند الصباح، كافياً لولادة مسرحية كاملة. من هنا، عرفت مسرحياته بكونها مأخوذة في شكل عام، من عناوين الأغاني الشعبية الفرنسية، لا سيما منها الأغاني الأكثر بساطة وطفولية وزهواً بالحياة. أما مواضيع تلك المسرحيات فتكاد تكون هي هي دائماً: تعقيدات غرامية تنتهي على الدوام نهايات سعيدة. أما الشخصيات فبسيطة في غاية البساطة، شخصيات ساذجة تحب الحياة، عاطفية تعرف، بتلقائية، كيف تتعاطى مع شاعرية العيش ويومياته. شخصيات تترك لأحلامها أن تقودها في حياتها وتعزّيها وسط مرارة العيش، إنها شخصيات حنون وعاطفية تنزلق انزلاقاً في عالم سهل تنتهي كل تعقيداته بأن تسوى في نهاية الأمر.
> وما نقول هنا، ينطبق في شكل عام على مجمل مسرح آشار، لكنه ينطبق في شكل خاص على اثنتين من أشهر مسرحياته، «جان القمري»، بخاصة «هل تريدون أن تلعبوا معي؟» التي نتوقف عندها بعض الشيء هنا باعتبارها النموذج الأكثر دلالة على أسلوب الرجل، والمسرحية التي انفجرت نجاحاً منذ تقديمها للمرة الأولى عام 1923 حين مُثّلت على خشبة «الأتيلييه» من تمثيل وإخراج دولان الذي كان من أشهر نجوم المسرح الفرنسي في ذلك الحين وكان المنافس الرئيسي للمسرحي الكبير الآخر، لوي جوفيه الذي سيستعين بدوره بمارسيل آشار كي يكتب له مسرحيات شعبية ساهمت في صنع شعبيته تماماً كما ساهمت في صنع شعبية دولان.
> «هل تريدون أن تلعبوا معي؟» كانت إذاً عملاً مبكراً من أعمال آشار، بل سيقول النقاد لاحقاً أنها هي التي أسست لأسلوبه الفني الذي عُرف به، كما أسست للنجاح الكبير الذي أُسبغ عليه. وحسبنا للدلالة على هذا أن نذكر أن المسرحية قُدمت في عرضها الأول مئتي مرة متتالية. ومن الطريف أن نذكر أن آشار مثّل بنفسه في هذه العروض دوراً واحداً من مهّرجَيْ سيرك هما الشخصيتان الرئيسيتان في المسرحية. ولقد اتسمت المسرحية بمقدار كبير من الهزل الفاقع، لكنه من نوع الهزل الذي يخبئ دموعاً خلف أقنعة المهرجين. كان العمل، وفق نقاد المرحلة خفيفاً وعميقاً، مضحكاً ومبكياً، وفيه تتتالى الركلات والصفعات مع لحظات عاطفية حنون. كانت كما السيرك تماماً، فهي بعد كل شيء عمل نابع من السيرك، وتدور «أحداثه» في عالم السيرك. وحول الفكرة التي كثيراً ما ألح عليها آشار: المرأة الثابتة الواثقة مما تريد والرجل الساذج والخجول والأخرق في معظم الأحيان. ومركز المسرحية ثلاثة مهرجين ولاعبا سيرك، كروكسون، راسكاس وأوغوست الذين يقعون معاً في غرام امرأة واحدة هي إيزابيل الشقراء التي سيحظى بها في النهاية أوغوست المتّسم أكثر من الجميع بنزعة شاعرية وحسّ عاطفي كان لا يضمن في البداية انتصاره، لا سيما في خضم الركلات والإهانات التي يتعرض لها. في النهاية، لحظة انتصاره يرد لهم الكيل كيلين وهو يتأبط ذراع حسنائه وهما مغادرين معاً في نوع من مسيرة مهرجين تملأ المسرحية حبوراً ودموعاً. كان من الواضح في هذه المسرحية أن آشار عثر على طريقه وأسلوبه اللذين نالا إعجاباً جماهيرياً كبيراً... وغير متوقّع!
> قد يكون اسم مارسيل آشار، منسياً بعض الشيء اليوم وسط حياة أدبية ومسرحية فرنسية تنحو إلى التعقيد والتركيب أكثر وأكثر. ولكن، لا بد لأي دارس لتاريخ المسرح الفرنسي، ولا بد لأي راغب في البحث عما تركته «الكوميديا ديلارتي» من أثر في المسرح الأوروبي الحديث، لا بد له من أن يأتي على دراسة آشار، وذلك بكل بساطة لأن سذاجة شخصياته، في نهاية الأمر، خادعة، وعاطفيتها ليست سوى القناع الذي يغطي كآبة تستشرس تلك الشخصيات للإفلات منها. من هنا، لم يكن من المصادفة أن يؤتى على ذكر مارسيل آشار وأعماله قبل سنوات، حين حقق المخرج الإيطالي الكبير الراحل فدريكو فلليني فيلمه الأخير «صوت القمر».
> ولد مارسيل آشار عام 1899، ومات في باريس عام 1974، في وقت لم يكن أحد قادراً على الاهتمام به وبكتاباته المسرحية التي كانت تتبدى، في ذلك الحين على الأقل وعبر نظرة سطحية، مضادة لشتى أنواع الحداثات الرائجة. في بداياته مارس آشار كثيراً من المهن، قبل أن يكتشف فن المسرح ذات يوم، ويلتحق بالعمل المسرحي كـ «ملقن» غير أنه سرعان ما طرد من ذلك العمل لأنه عجز عن مد الممثل الرئيسي بالجملة التي كان عليه أن يقولها، فما كان منه وهو الذي بات متآلفاً مع العمل المسرحي، ما كان منه إلا أن تحول إلى العمل الصحافي في صحيفتي «لوفر» و «بونسوار». ولأنه لم يكن يحب هذا العمل، أخذ في الوقت ذاته يحاول حظه في كتابة النصوص المسرحية، مزوّداً بالخبرة التي اكتسبها خلال عمله كـ «ملقن».... وكان يكتب النصوص ويرسلها، حتى قبل «مسرح العمل» في نهاية الأمر تقديم واحدة من مسرحياته الأولى وهي «أعلن القداس» فكانت تلك بدايته التي أطلقته، وجعلت المخرج شارل دولين ينتبه إليه، فقدم على التوالي مسرحيتين من تأليفه هما: «الرجل الذي عاش موته» و «هل تريدون أن تلعبوا معي؟» وكان ذلك في أواسط سنوات العشرين، يوم كانت للمسرح مكانة أساسية في حياة الناس. ومن هنا صار آشار، بين ليلة وضحاها، معْلماً من معالم الحياة المسرحية في باريس. ولقد اكتمل التكريس بعد ذلك حين أخرج لوي جوفيه (أحد كبار مخرجي وممثلي تلك المرحلة) مسرحيته «مارلبورو يذهب إلى الحرب» فكانت انطلاقة جديدة له، نقدية أكثر منها جماهيرية هذه المرة.
> منذ تلك اللحظة، لم يعد من الصعب على مارسيل آشار أن يعيش من كتاباته وأن ينظر بعين الرضا إلى الفرق المسرحية وهي تتنافس للحصول على نصوصه ولقد أتت لاحقاً مسرحيته «بطاطا» في أواسط سنوات الخمسين لتوصله إلى الذروة، أما الفترة التي انقضت بين بداية الثلاثينات حين قدم «جان العُمري» وأواسط الخمسينات حين قدم «بطاطا» فلقد كانت سنوات خصبة قدمت فيها لمارسيل آشار مسرحيات عدة من أبرزها «جوز الهند» (1935) و «بالقرب من شقرائي» (1946)، و «هل تعرفون كيف تزرعون الملفوف؟» (1946) و «سوف نذهب إلى فالباريزو» (1948). وهذه العناوين كلها ينطبق عليها ما أشرنا إليه أعلاه من أن معظم عناوين آشار مستقى من عناوين الأغنيات الشعبية، ولم يكن الأمر مصادفة بالطبع، حيث ندرك اليوم أن لجوء آشار إلى تلك العناوين ساهم مساهمة أساسية في إضفاء الطابع الشعبي والبسيط على مسرحيات كانت في نهاية الأمر إشارة إلى الاحتفال بالحياة. من هنا، كان كبار الممثلين يتسابقون للعب الأدوار الرئيسية فيها.
> في جميع الأحوال كانت مسرحيات مارسيل آشار ذات حظوة كبيرة لدى الجمهور قبيل الحرب العالمية الثانية، ولقد ساهمت تلك الخطوة في إغراء المنتجين بتحويل تلك المسرحيات إلى أفلام سينمائية كان آشار يساهم مساهمة أساسية في كتابة السيناريوات لها، كما في إخراجها في بعض الأحيان. وهنا يأتي إلى الأدهان فيلمه الأول «جان القمري» الذي لعب الدور الأول فيه الممثل الكبير ميشال سيمون فكان بالنسبة إليه بداية توجه جديد في حياته، كمثل، ظل يقول حتى أيامه الأخيرة أنه يدين في سلوكه إلى مارسيل آشار، ذلك الكاتب الذي، على حد تعبيره «عرف كيف يرسم بساطة الحياة في زمن كان كل ما فيه يضفي على الحياة تعقيداً وكآبة».